logo
أخرى

الإسلام والتصوف

الإسلام والتصوف

(الحلقة الثانية والأخيرة)

[كتب الأستاذ جاويد أحمد غامدي هذا المقال بعنوان "الإسلام والتصوّف" سنة ١٩٩٣م، ثم ضمّه إلى كتابه "برهان". ويسرّنا اليوم أن نقدّم ترجمته العربية لقرّاء "الإشراق".]

النبوة:

من منظور القرآن الكريم، فقد ختمت النبوة بمحمد العربي ﷺ. ومعنى هذا أنّه لم يعد هناك مجال لوحي أو إلهام أو مشاهدة لعالم الغيب لأي أحد بعده، كما لم يعد أحد بعده معصوماً أو محفوظاً من الزلل بتلك الحماية الإلهية التي كانت للأنبياء. وقد بيّن النبي ﷺ هذا المعنى صراحة بقوله: "لم يبقَ من النبوة إلا المبشّرات". قالوا: وما المبشّرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة"٢٣  (رواه البخاري، رقم ٦٩٩٠).

أما في دين المتصوفة، فكل هذه الأمور لا تزال ممكنة لديهم. ففي اعتقادهم، ما زال الوحي ينزل، وما زالت الملائكة تهبط، وما زال عالم الغيب يشاهد، ولا يزال أكابرهم يتلقّون الهداية من نفس المصدر الذي كان يتلقاها منه جبريل الأمين، والذي كانت تتلقاها منه أنبياء الله.

وقد قال الغزالي في هذا الصدد:

"من أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم الفوائد" (المنقذ من الضلال، صـ ٥٠).

وإلهام هؤلاء الأكابر، لكونهم في نظرهم معصومين، خالٍ من أي شائبة باطل، ومتعال عن كل شبهة، تماماً كأنه من جنس القرآن الكريم.

وقد قال صاحب "عبقات" عن تلك الشخصية التي تحتل بحسبهم المرتبة الأولى في المقامات "الوهبية"٢٤:

"فهو وجيه، معصوم، صاحب ذوق، حكيم. ثمّ إن مما يقتضي تربية الله له أن يلقى إليه علوم نافعة في قيامه بمنصبه فهذا الإلقاء يسمّى تفهيماً. وإن مما يقتضي تيقظ روحه وعصمته ألا يختلط بعلومه شيء مغاير لما تلقّاه من الغيب. ولذلك كانت الحكمة كلها حقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولما كان التفهيم من أعلى أقسامها فلا بعد أن يسمّى بالوحي الباطن". (إشارة ٤، عبقة ١١)

وبرأيهم، فإن هذه الشخصية، وإن بدت ظاهرياً مقلدة للنبي، إلا أنّ ذلك فقط لأنها مأمورة من الغيب بتأييده وموافقته، وإلا فإنها في حقيقتها ليست بحاجة إلى نبي أو ملك لتتلقى الهداية الإلهية أو علوم الغيب. وقد جاء في كلامهم:

"فالحكيم لوجاهته وعصمته وكونه باسطا لحضيرة القدس، شأنه شأن الملأ الأعلى، يتلقى العلوم من حيث يتلقّون، لا يقلّد أحداً في علومه. اللهم إلا أن يسمّى موافقته لصاحب الشرع تقليداً، لكونه مأموراً من الغيب بموافقته وتأييده" (إشارة ٤، عبقة ١١).

وعندما توجد هذه الشخصية على الأرض، فإنّ الحق في نظرهم يكون ما يصدر عن لسانها وما ينبعث من وجودها؛ بل حتى حجّية القرآن والحديث تجعل تابعة لحجيتها هي. وقد ورد في النص:

"وأنّ الحق يدور معه حيث دار، وذلك لعصمته والتحاقه بالملأ الأعلى، فليس الحق إلا ما سطع من مصدره، فالحق تابع له، لا متبوع".

(إشارة ٤، عبقة ١١).

وقد كتب صاحب "عوارف المعارف"٢٥ عن شيخ من شيوخ التصوف الذين يحتلون فيما يبدو هذا المقام الروحي الرفيع، قائلاً:

"فالشيخ للمريدين أمين الإلهام، كما أن جبريل أمين الوحي. فكما لا يخون جبريل في الوحي، لا يخون الشيخ في الإلهام. وكما أن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، فالشيخ مقتد برسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً، لا يتكلم بهوى النفس"

(صـ ٤٠٤).

لذلك يزعمون أن بعض أكابرهم، مثلهم مثل النبي ﷺ، صعدوا إلى السماء، وشاهدوا التجليات الإلهية، وشرّفهم الله بالمخاطبة المباشرة. وقد كتب صاحب "قوت القلوب"٢٦ عن بايزيد البسطامي٢٧ أنه قال:

"أدخلني في الفلك الأسفل، فدورني في الملكوت السفلي، فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى. ثم أدخلني في الفلك العلوي، فطوف بي في السماوات، وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش. ثم أوقفني بين يديه، فقال لي: سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك." (قوت القلوب، جـ ٢، صـ ٧٠)

وهم يعتقدون أن النبي محمداً ﷺ، بوصفه "الإنسان الكامل"، يتجلّى في كل زمان في صورة أحد أكابرهم.

وقد كتب عبد الكريم الجيلي٢٨ في هذا السياق:

"الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ وجود الوجود إلى أبد الآبدين، ثمّ له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس، فيسمّى به باعتبار لباس آخر. فاسمه الأصلي الذي هو له محمد وكنيته أبو القاسم ووصفه عبد الله ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسامي، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان. فقد اجتمعت به ﷺ، وهو في صورة شيخي يشرف الدين إسماعيل الجبرتي، وكنت أعلم أنه النبي ﷺ، وكنت أعلم أنه الشيخ."٢٩ (الورقة ٤٦ب)

ويصرّ بعضهم على أن ختام النبوة لا يعني زوال المقام النبوي وكمالاته، بل يعني فقط أن منصب التشريع لم يعد موجودًا بعد النبي ﷺ.

وقد ورد في "الفتوحات المكية"٣٠:

"فإن النبوة التي انقطعت بوجود رسول الله ﷺ إنما هي نبوة التشريع، لا مقامها؛ فلا شرع يكون ناسخاً لشرعه ﷺ، ولا يزيد في حكمه شرعاً آخر. وهذا معنى قوله ﷺ إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي: أي لا نبي بعدي يكون على شرع مخالفاً لشرعي، بل إذا كان يكون تحت حكم شريعتي." (الفتوحات، جـ ٣، صـ ٦)

وقد كتب الشيخ أحمد السر هندي قائلاً:

"باید دانست کہ منصب نبوت ختم بر خاتم الرسل شدہ است علیہ و علی آلہ الصلوٰت و التسلیمات، اما از کمالات آں منصب بطریق تبعیت متابعان اور انصیب کامل است."

الترجمة: "ينبغي أن يعلم أن منصب النبوة قد ختم بخاتم المرسل، عليه وعلى آله أفضل الصلوات والتسليمات. لكن كمالاته هذا المنصب، فإن أتباعه الكاملين ينالون منها على سبيل التبعية" (المكتوبات، الجزء ١، المكتوب ٢٦٠)

ثمّ يمضي قدمًا، وبعد أن أحدث تلك الثغرة في حمى النبوّة، رافعًا شعاره الوجدانيّ ’یزدان بہ کمند آور اے ہمت مردانہ‘ (أيّها الإنسان ذو الهمّة العالية، بلغ بجرأتك وهمّتك إلى الوصول إلى الله)، يلج في آفاق اللا مكان. وهناك، أيّ حال يكون لعلمه وتصرّفه؟ يقول القشيري٣١ في صفحاته:

" كان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له حتى لم يخف من الكون عليه شيء. وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان، ولكن بقلبه."

 (ترتيب السلوك، صـ ٦٧)

وفي كتاب "الإنسان الكامل" ورد:

"فكل واحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع المملكة الوجودية ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار فضلا عن لغات الطيور. وقد قال الشبلي رحمه الله تعالى: لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم اسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي." (الورقة ١٣٦ب)

ويقول ابن عربي:

"وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم أثر وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقي." (الفتوحات المكية، جـ ٣، صـ ١٣).

ويضيف:

"حتى يهتف بك، وأنت لا تراه، ويمشي على الماء وفي الهواء، ويصير كالهيولى قابلاً للتشكيل والصور كالعالم الروحاني، مثل جبريل عليه السلام الذي كان ينزل تارة على صورة دحية، وقد تجلّى له صلى الله عليه وسلم وقد سدّ الآفاق وله ست مائة جناح." (مواقع النجوم، صـ ٦٥)

وبهذا، فإنهم يشتركون في ملكوت الله بهذه المنزلة، فيرون قلم التقدير وهو يكتب في اللوح المحفوظ لحظة بلحظة، ويطّلعون على ما في القلوب، ويتولّون إدارة العالم وصيانته صباح مساء، ويصبحون في عالم الأمر أدوات للذات الإلهية.

ويقول ابن عربي أيضًا:

"من الصوفية من لا يزال عاكفاً على اللوح." (مواقع النجوم، صـ ٢٢)، "العارف هو الذي ينطق عن سرك وأنت ساكت." (مواقع النجوم، صـ ٢٦).

وعن أحد أصناف رجال الغيب٣٢ المعروفين بـ "الأوتاد"، كتب ابن عربي:

"الواحد منهم يحفظ الله به المشرق وولايته فيه، والآخر المغرب، والآخر الجنوب، والآخر الشمال، والتقسيم من الكعبة، وهؤلاء قد يعبر عنهم بالجبال لقوله تعالى: ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا. فإنه بالجبال سكن ميد الأرض، كذلك حكم هؤلاء في العالم حكم الجبال في الأرض." (الفتوحات المكية، جـ ٣، صـ ١٢)

وقد كتب شاه ولي الله الدهلوي٣٤ عن نفسه قائلاً:

" رأيتني في المنام قائم الزمان، أعني بذلك أن الله إذا أراد شيئاً من نظام الخير جعلني كالجارحة لإتمام مراده." (فيوض الحرمين، المشاهدة ٤٤)

وهذا هو المقام الذي، بعد بلوغه، قال فيه:

"يا معشر الأنبياء، لقد أوتيتم اللقب، وأوتينا ما لم تؤتوا." ٣٥

القيامة:

في القرآن الكريم، يلخّص الذين ذكروا هذا الدين غايته في ما يطلبه الخالق من الإنسان في الأصل، وهو العبادة. قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)

وقد بيّن القرآن هذا بالوضوح، إذ أن الله تعالى أرسل رسله إلى البشر لإبلاغهم هذه الحقيقة. ففي سورة النحل يقول:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾

(النحل: ٣٦)

وبذلك، فإن العلاقة التي تنشأ بين الإنسان وخالقه في هذا الدين هي علاقة عبد ومعبود، ويكون هدف الإنسان وجهده في الدنيا أن يؤدي حق عبادة ربه على النحو الذي يرضي الله في الدنيا والآخرة.

أما في الدين المتصوفة، فالمسألة تختلف؛ إذ يعد الإنسان، في نظرهم، تعيينًا من تعيينات الذات الإلهية. ونتيجة لهذا التعيّن، فإنه ينتقل من عالم اللاهوت إلى عالم الناسوت. وعليه، فإن ما يطلب منه في الأصل هو معرفة حقيقته هذه والسعي للرجوع إليها. وهكذا، فإن العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والذات الإلهية في هذا الدين هي علاقة عاشق بمعشوق؛ فهو يعتبر ذاته تعبيرًا عن الذات الإلهية، ويرى في الله معشوقه الأسمى، فيشتاق إليه ويئن من فراقه، ويتوجه إليه بالنحيب والأنين.

ثم، بإرشاد أحد الشيوخ، يبدأ في معرفة هذه الحقيقة، ويسعى للوصول إلى مقام "الجمع"، حيث يتّحد مع معشوقه ويصل إليه.

وقد اعتبر صاحب كتاب "منازل السائرين" هذا "الجمع" غاية مقامات السالكين، وقال في تعريفه:

"الجمع: ما أسقط التفرقة ويقطع الإشارة٣٦، وشخص عن الماء والطين بعد صحة التمكين والبراءة من التلوين٣٧، والخلاص من شهود الثنائية٣٨، والتنافي من إحساس الاعتلال والتنافي من شهود شهودها." (منازل السائرين، صـ ٤٦)

وفي مطلع المثنوي، عبّر مولانا جلال الدين الرومي عن هذه الفكرة في أبياته الخالدة، فقال:

بشنو این نی چون شکایت می‌کند
کز نیستان تا مرا ببریده ‌اند
سینه خواهم شرحه شرحه از فراق
هر کسی کو دور ماند از اصل خویش

از جدایی‌ها حکایت می‌ کند
در نفیرم مرد و زن نالیده ‌اند
تا بگویم شرح درد اشتیاق
باز  جوید  روزگارِ  وصل خویش

الترجمة: "استمع إلى صدى هذا الناي، ينوح حزنًا ويبوح بأسى الفراق. منذ أن اقتطعوني من موطني، تجلّت أنينه في أنفاس النساء والرجال. أشتهي أن يشرّح صدري من لواعج الغياب، لأبوح بعمق ألم الشوق وحرقة الفقدان. فكل من غادر أصله وانقطع عن جذوره، يسعى دائمًا لاستعادة لحظة اللقاء والحياة مع أصله."

إن الموت والقيامة، بالنسبة لهؤلاء الذين بلغوا تلك المقامات الروحية، لا ينظر إليهما على أنهما نهاية، بل على أنهما رجوع ووصال مع الأصل الإلهي. ولذلك، فإن الذكرى التي تقام عند وفاتهم تسمّى "العرس"، أي مناسبة الزواج؛ لأنها تمثّل لقاء الروح مع عاشقها الأزلي. وإن كامل شعر التصوف ما هو إلا تعبير عن هذه التجربة العشقية، حيث يستمتع العوام بلذّة الخمر الحسية، بينما يتلذذ العارفون بخمرة العرفان. وقد قالوا:

ما در پی الہ عکس رخ یار دیدہ ایم        ای بی خبر ز لذتِ شرب مدام ما

الترجمة: " لقد كنا في طلب صورة وجه الحبيب، يا من غافل عن لذة الشرب والمواظبة على الطرب."

الشريعة:

وقد بيّن القرآن الكريم، بكل وضوح، أن الدين الذي أوحاه الله إلينا قد بلغ الكمال على يد رسول الله ﷺ، وأنه لم يبق بعد ذلك مجال لأي زيادة أو نقصان. بل، وأوضح القرآن أن إكمال الدين هذا كان تنفيذًا لإتمام النعمة، وأن جميع المراتب التي يطلب تحقيقها في الدين، للعامة والخاصة على السواء، قد وضعت هدايتها الكاملة في هذا الدين، ولا هدى خارجه. قال تعالى:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)

ولهذا السبب، كان النبي ﷺ يقول في خطبه:

"فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (رواه مسلم، رقم ٢٠٠٥).

أما في "دين المتصوفة"، فتعد الهداية التي نزلها الله تعالى في القرآن والسنة مجرد قانون عامل لإصلاح الناس، لا أكثر. وأقصى ما يمكن تحصيلهم من خلالها، في نظرهم، هو أن ينجو الناس من ظلم بعضهم لبعض ومن عذاب الآخرة. أما ما يتجاوز ذلك من مراتب الفناء والبقاء والتمكين التام التي يبلغها الخواص وأخص الخواص، فإن هذا الطريق لم تأت به الشريعة، ولا ينبغي لأي شخص أن يبحث عن شيء كهذا فيها.

وقد كتب الشيخ شاه ولي الله الدهلوي في كتابه "الطاف القدس":

"وعلت غائیہ آں اخلاص ازتظالم در دنیا و مبتلاشدن بعذاب قبر و روز حشر است ، نہ وصول بفنا و بقاے ہر لطیفہ و حصول مرتبۂ بقاے مطلق و تمکین تام ۔ ہر کلامے ازاں خلاصۂ بشر علیہ افضل الصلوٰت والتسلیمات کہ بتورسد محمل آں فی الحقیقت ہماں قدر است ۔ مقاصد و مصالح او امرو نواہی آں حضرت نشناختہ است کسے کہ بر مراتب دیگر حمل می کند ۔" (١٤)

الترجمة: "والغاية من الإخلاص هي النجاة من الظلم في الدنيا ومن عذاب القبر ويوم الحشر، لا الوصول إلى الفناء والبقاء في كل لطيفة، ولا إلى مرتبة البقاء المطلق والتمكين التام. فكل كلام صادر عن خاتم البشر ﷺ، عليه أفضل الصلاة والتسليم، إنما يبلغ هذا القدر في حقيقته. ومني حمل كلماته الشريفة على مراتب أخرى، فإنه لم يدرك مقاصده ومصالحه وأوامره ونواهيه."٣٩ (صـ ١٤)

لكن من أين إذًا تكتسب هذه "اللطائف" ومراتب الفناء والبقاء والتمكين التام؟ يقول شاه ولي الله في نفس الكتاب إن سيد الطائفة، الجنيد البغدادي، هو أول من دوّن هذه العلوم، ولم يأخذها من القرآن أو السنة، بل استقاها مباشرة من النبي ﷺ، كما يأخذ البطيخ نضجه من الشمس دون أن يعرف أي منهما الآخر بذلك. وقد كتب:

"بہ ہمیں اسلوب نفوس کلیہ کہ مبدۂ فیض ایشاں را براے مصلحت کلیہ بزمین فرود آوردہ است ، نفوس ناقصہ را مکمل می سازند۔ وایں جاہیچ پیغامی و کلامی درمیاں نمی باشد۔ آرے اذکیا نفوس بوجہی از وجوہ ایں منت رامی شناسند و آں معنی حاصل برآں می شود کہ از کلمات و اقوال آں برزخ برسبیل اعتبار و اشارہ استنباط آں اسرار کنند۔" (صـ ١٤)

الترجمة: "بهذا الأسلوب نفسه٤٠، تنزل النفوس الكلية التي هي منابع الفيض إلى الأرض لمصلحة كلية، فتقوم بتكميل النفوس الناقصة. ولا يكون ثم رسالة أو خطاب في هذا المقام. نعم، فإن أذكياء النفوس يدركون هذا الفيض بوجوههم، ويصل الأمر إلى أن يستخرجوا هذه الأسرار من كلماتهم وأقوالهم البرزخية بطريق المجاز والإشارة."

هذا هو أسلوب صاحب "الطاف القدس". أما أهل التصوف المعاصرون، فيعرضون فكرتهم بشكل مختلف، فيقولون إن غاية الدين هي "الإحسان"، لكن القرآن والسنة لم يبيّنا وسيلة تحصيله. وفي زمن الرسول ﷺ، كان الناس يحصلون عليه بمجرد صحبته، ولكن بعده أصبح الأمر صعبًا. وعليه، فإن أرباب التصوف اجتهدوا واكتشفوا طرقًا لحصوله، حتى تحوّل ذلك إلى علم وفن منضبط أطلق عليه اسم "الطريقة".

وقد قال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي٤١:

"كانت القوة الروحية لرسول الله ﷺ في غاية الكمال، حتى إن الكافر إذا قال 'لا إله إلا الله' بلغ فورًا مرتبة الإحسان، كما ثبت حين قال الصحابة: يا رسول الله، كيف نقضي حاجتنا ونحن نعلم أن الله يرانا؟ هذه غاية في الإحسان. ولم يكنوا بحاجة إلى المجاهدات والرياضات. وهذه القوة كانت موجودة في الصحابة بفضل النبي، لكنها أضعف، ثم في التابعين أضعف منهم، ولكنها ضعفت كثيرًا في أتباع التابعين، ولهذا، عوّض الأولياء عن هذا النقص باختراع المجاهدات والرياضات."٤٢ (أرواح ثلاثة، صـ ٢٩٧)

وبناءً على هذا التصور، نشأت شريعة كاملة من الأذكار والأوراد والاعتكافات والمراقبات٤٣، يزعمون أنها فوق شريعة الله وخارج القرآن والسنة، بالمخالفة لمقاصدهما. وقد حاول المتصوفة إدخالها ضمن الدين تحت اسم "الطريقة"، ويصرّحون أن تحصيلها لا يمكن اليوم إلا من خلال الارتباط بالمشايخ، ولا سبيل آخر للوصول إليها.

وليس هذا فحسب، بل حتى محاسن الأخلاق، كالصبر، والشكر، والصدق، والإيثار، والرضا، والحياء، والتواضع، والتوكل، والتفويض، إذا نفّذت في هذا الدين عند النبي ﷺ وأصحابه، لا تتجاوز بالكاد المرتبة الأولى أو الثانية، ولا يرى أنها بلغت مرتبة أخصال الخواص.

ومن كتب التصوف الكبرى، مثل "قوت القلوب" لأبي طالب المكّي، و"منازل السائرين" لأبي إسماعيل الهروي، و"إحياء علوم الدين" للغزالي، نجد أنها تمتلئ بهذه المباحث، ومن يقرأها يدرك بوضوح أن الغايات النهائية التي يسعى إليها المتصوفة تتجاوز ما أقرّه الله في دينه بكثير.

هذه بعض المبادئ الأساسية، وهذه المقالة ليست مخصّصة لتفصيل الجدال في هذا الباب، ولكن من خلال هذه الإشارات القليلة، يتضح بجلاء أن التصوّف هو في حقيقته دين مواز، قد حاول أصحابه أن ينشروه بين الأمة باسم روح الدين وحقيقته.

اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه.

[١٩٩٣م  ]

الهوامش:

٢٣- وردت هذه الروايات في صحيح مسلم، وسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، والموطأ، ومسند أحمد بن حنبل، وغيره من كتب الحديث.

٢٤- يعدّ هذا في نظرهم المقام الثالث من مقامات السالكين، وكأنّي أطلق عليه قديمًا لقب "الصديقية". وفي مصطلح الشيخ أحمد السرهندي يسمّى "الولاية العليا"، بينما عبّر عنه شاه ولي الله الدهلوي بـ"قرب الوجود" و"الحكمة". ووفق رؤيتهم، فإن مقام "التحديث" يأتي بعده، ويعتبر النبي ﷺ وصاحب هذا المقام من جنس واحد، والفرق بينهما كالفرق بين يحيى والمسيح، أو بين محمد العربي وغيره. (إشارة ٤، عبقة ١١–١٢)

٢٥- كتاب "عوارف المعارف" من تأليف الشيخ أبي حفص عمر بن محمد شهاب الدين السهروردي، ابن أخال شيخ عبد القاهر بن عبد الله السهروردي، وشيخ الصوفية في بغداد. ولد في سهرورد عام ٥٣٩ هـ، وتوفي عام ٦٣٢ هـ.

٢٦- كتاب "قوت القلوب في معاملة المحبوب" يعدّ من أعظم مؤلفات علم التصوف. وقد نقل الغزالي عشرات الصفحات منه في كتابه إحياء علوم الدين، كما استفاد منه الشيخ عبد القادر الجيلاني في "فتوح الغيب". ألّفه أبو طالب محمد بن علي الحارثي المكي، الذي ولد في مكة، وتوفي في بغداد سنة ٣٨٦ هـ.

٢٧- أبو يزيد طيفور البسطامي من كبار صوفية القرن الثالث الهجري. وقد صدرت عنه أقوال مشهورة مثل: "سبحاني، ما أعظم شأني!"، و"تالله، إن لوائي أعظم من لواء محمد". توفي في مدينة بسطام بخراسان سنة ٢٦١ هـ.

٢٨- عبد الكريم قطب الدين الجيلي، أحد أعلام التصوف، وله مؤلف مشهور بعنوان "الإنسان الكامل" في معرفة الأواخر والأوائل. ولد في بغداد، وتوفي سنة ٨٣٢ هـ.

٢٩- نسخة خطية محفوظة في مكتبة جامعة بنجاب، لاهور.

٣٠- "الفتوحات المكية" من تأليف ابن عربي.

٣١- أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، من كبار الصوفية، ولد سنة ٣٧٦ هـ في قرية "استوا" قرب نيشابور. ومن أشهر مؤلفاته "الرسالة القشيرية". توفي سنة ٤٦٥ هـ.

٣٢- يؤمن الصوفية بوجود جماعة من أولياء الله في الأرض يتولّون تسير شؤون هذا العالم، وتخضع لهم الأرض والسماء، ويدار الكون بأمرهم. ولأنهم غير ظاهرين لعامة الناس، يسمّونهم "رجال الغيب"، أو "الأولياء المكتومين"، أو "الرجال الغيبيين". وأعلى مراتبهم هي "القطب"، ويلقّب أيضًا بـ"قطب الإرشاد"، أو "الغوث"، أو "قائم الزمان". وله نائباني يعرفان بالإمامين، يليه "الأوتاد"، وعددهم بحسب بعض الروايات أربعة أو سبعة. وذكر ابن عربي أنه التقى بأحدهم وسمّه "ابن جعدون" في مدينة فاس. وادّعى ابن عربي نفسه أنه بلغ مقام القطب، كما ادّعى الشيخ أحمد السرهندي أنه تلقّى خلعة "قطب الإرشاد" من رسول الله ﷺ. ويعتقد ابن عربي أن المقام الأعلى هو "الختم"، حيث تنتهي جميع هذه المناصب. ويصنّف بعدهم منازل "الأبدال"، و"النقباء"، و"النجباء"، وغيرها.

٣٣- ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا  وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ (النبأ: ٦-٧)

٣٤- أحمد بن عبد الرحيم، المعروف بشاه ولي الله الدهلوي، أحد كبار علماء الهند وصوفيّيها ومفكريها. من مؤلفاته "حجة الله البالغة"، "التفهيمات الإلهية"، "إزالة الخفاء"، و"الإنصاف". ولد عام ١١١٤ هـ، وتوفي في دلهي عام ١١٧٦

٣٥- "الفتوحات المكية" لابن عربي، جـ ٣، صـ ١٣٦، منقول عن الإمام عبد القادر.

٣٦- المقصود أن تمحى الثنائية تمامًا، فلا يبقى مشير ولا مشار إليه.

٣٧- الكلمة الأصلية هي "التمكين"، وهي مصطلح صوفي يشير إلى حالة استقرار السالك وثباته في مقامه، وقد بيّن معناها في الترجمة.

٣٨- الكلمة الأصلية "التلوين"، وهي أيضًا من مصطلحات التصوف، وتستخدم لوصف حالة التردد لدى السالك بين إثبات الحدث وفنائه.

٣٩- أي محاولة استنباط لطائف الفناء والبقاء والتمكين التام وغيره من أقوالهم.

٤٠- أي المنهج المبيّن سابقًا من خلال مثال البطيخ والشمس.

٤١- من كبار علماء حلقة ديوبند وشيوخ التصوف. دفن في بلدة كنكوه بالهند، وتوفي في جمادى الآخرة عام ١٣٢٣

٤٢- بعبارة أخرى، يبدو أن المقصود هو أن هؤلاء الكبار، على الرغم من إكمال الدين وإتمام النعمة من قبل الله تعالى، يرون أنهم قد سدّوا النقص بزعمهم الذي بقي فيه هداية القرآن والسنة باجتهاداتهم الخاصة.

٤٣- للتفاصيل، يرجع على سبيل المثال إلى كتاب شاه ولي الله الدهلوي "القول الجميل في بيان سواء السبيل".