logo
أخرى

ضرورة الدراسة لأصول التاريخ

ضرورة الدراسة لأصول التاريخ

]هذا العمود المعنون بـ "وجهات نظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته[

إن المتقدمين كانوا يعدّون التاريخ مجرّد نقلٍ للأخبار، فكيف يُمحّص صدق هذه الأخبار أو يُردّ؟ هذا ما يُحدده "أصول التاريخ". إذ تتيح لنا هذه الأصول أن نعرف في أي ظروف يكون الراوي غير معتبر، وفي أي ظروف يكون معتبرًا. وهذه القدرة لا تنشأ إلا من خلال الدراسة المستمرة للتاريخ بوصفه مجالًا علميًا، حيث يُدرك الباحث أن التوجّه الفكري للراوي يؤثر في قيمة الرواية نفسها أكثر مما يؤثر في وثاقته الشخصية.

خذ مثلًا الواقدي، الذي عدّه المحدثون كذابًا، ونقل الإمام الذهبي في الميزان إجماعًا على كذبه. ومع ذلك، عندما يصف الواقدي في كتابه المغازي مواقع بدر وأُحد بدقة شديدة، حتى كأن القارئ يرسم خريطة في ذهنه، فإذا زار بنفسه تلك المواضع لا يجد فارقًا يُذكر، فإنما يرجع ذلك إلى أن الواقدي سار بنفسه على الأقدام في تلك الدروب ودوّنها من مشاهدته المباشرة. ولهذا السبب مع أن الإمام الشافعي شدّد عليه في الجرح، فإنه قبله حجة في أبواب المغازي.

لكن الذي لا يتمتع بدراية بـ"أصول التاريخ"، إذا رأى موقف الشافعي هذا، ربما يظن به سوءًا ويتوهم ازدواجية في المعايير أو يقع في الخلط نفسه الذي وقع فيه أبو الأعلى المودودي في كتابه" الخلافة والملوكية[4].

حين أراد أن يُثبت حجية الواقدي بإطلاق. والحقيقة أن الواقدي، وهشام بن السائب الكلبي، وسيف بن عمر وأمثالهم من الرواة المجروحين، لا يُردّون بإطلاق ولا يُقبلون بإطلاق؛ بل تُدرس بيئتهم، ونشأتهم، وأساتذتهم، وميولهم الفكرية والسياسية، ثم على ضوء ذلك يُحكم على رواياتهم، ما يُقبل منها وما يُرد.

ومثال آخر: كاتب أخباري أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، فهو عند المؤرخين معتبر في نقل أخبار العراق والكوفة بوجه عام. غير أن رواياته حين تتعلق بعدائه للأمويين أو بتأييده لآل علي رضي الله عنهم، فلا تُقبل إلا بعد عرضها على القرائن والمصادر الأخرى. فإن لم تؤيدها الأدلة الأخرى رُدّت مباشرة، لأنه في النهاية كان شيعيًا متعصبًا محرقا.

هذا الأصل في تقييم الراوي بحسب ميوله الفكرية، مأخوذ من المحدثين أنفسهم؛ حيث نصّ صاحب نخبة الفكر[5] وغيرُه على أن الراوي الصادق إذا كان صاحب بدعة، وجاء برواية تؤيد بدعته، تُرد روايته، أما في غير ذلك فيُحتج به.

وقد دار بيني وبين الدكتورة نِجار سجاد ظهير، وهي من أبرز الباحثات من باكستان في التاريخ، نقاش حول المسعودي وكتابه مروج الذهب: كيف يُعدّ مصدرًا معتبرًا، مع أن فيه طعونًا شديدة في الصحابة، خصوصًا في أخبار الفتن، حيث يظهر أثر رفضه وتعصبه؟ فكان جوابها شاهدًا على رسوخ علمها، ومثالًا صحيحًا على فهم فلسفة التاريخ ومنهج التعامل معه، وهو الفهم الذي يفتقده كثير من أهل العلم في هذا الباب فيتعثرون.

قالت الدكتورة إجابةً على تساؤلي: نحن – أي طلاب التاريخ المتخصصون – لا نقرأ التاريخ كما يقرؤه عامة القراء أو من لم يتخصص فيه. نحن حين نريد قراءة كتاب تاريخي نبدأ أولًا بقراءة سيرة المؤلف: من هو؟ من أي بلد؟ من كان والداه؟ من كانواأساتذته؟ من هم تلاميذه؟ ما عقيدته؟ ما هي موضوعات كتبه الأخرى؟ ... ثم ندخل في كتابه ونحن نضع كل هذه المعطيات في اعتبارنا فمثلًا، حين نقرأ مروج الذهب للمسعودي، نعرف أنه كان شيعيًا معتزليًا، لذلك نتعامل مع نقوله عن الخلافة الراشدة والدولة الأموية بحذر، فلا نستعمل رواياته في بحث علمي إلا بعد تمحيصها وتواجد شواهد لها. أما بقية كتابه، ففيه من الفوائد والمواد التي لا تجدها عند غيره من المؤرخين. وهو، لكونه معتزليًا، كان يحاول دائمًا تقديم تفسيرات عقلية للأحداث، وهذا ما رفع أسلوبه فوق معاصريه. أما ما يتصل بالصحابة والفتن، فليس لنا أن نجعل المسعودي معيارًا للحق  لأنه معلوم الميل في صدد ذلك.

كلام الدكتورة لا يُخالفه منصف، وهو بالضبط ما يُسمى "فلسفة التاريخ" و"منهج التاريخ"، الذي لا يدركه غالب القراء، بل ولا بعض العلماء غير المتخصصين. والمشكلة عندنا أننا جعلنا كتب "مواد التاريخ" بمثابة "كتب التاريخ المعتبرة"، حتى صار بعضهم ينزل الطبري والمسعودي واليعقوبي وابن الأثير منزلة "الصحيحين" في الحديث! وأوضح مثال على ذلك ما جاء في ملاحق الخلافة والملوكية حيث برّر المودودي نقله عن الطبري وابن سعد وابن كثير وابن الأثير بالقول إن هؤلاء الأئمة الكبار ما كانوا لينقلوا إلا بعد تمحيص، فإذن يجب التسليم بما نقلوا. فانظر كيف انخدع مفكر كبير مثل المودودي، فكيف بالعامة! وليس السبب فساد نية، بل لعدم التخصص في التاريخ، وعدم معرفة منهج النقد التاريخي وفلسفته. فكما أن شيخ القرآن لا يلزم أن يكون شيخ الحديث، فكذلك المحدث الكبير لا يلزم أن يكون مؤرخًا محققًا. كل مجال له تخصصه وأهله وقديما قيل: لكل فن رجال.

وعليه، فالواقدي كان بحق "رئيس المؤرخين"، لكنه عند المحدثين ضعيف الحديث. وكان مواليًا للعباسيين، فلابد من تمحيص رواياته، خصوصًا في ما يطعن فيه بالأمويين أو ينصر العباسيين بما لم يذكره غيره. ومن أراد الوقوف على القواعد الدقيقة في التعامل مع روايات الواقدي فليرجع إلى محاضرات الدكتورة نِجار سجاد ظهير بعنوان التاريخ الإسلامي – بعض المباحث، وخاصة الجزء الحادي عشر: المؤرخون المهمون في القرن الثالث الهجري – الواقدي.