logo
أخرى

كلمة الدكتور شهزاد سليم

تقرير عن حفل جائزة الإنجاز مدى الحياة

للدكتور شهزاد سليم

١٦ أغسطس ٢٠٢٥م، الولايات المتحدة، شهدت مدينة ديلس أمسية علمية رفيعة المستوى، نظمها مركز غامدي للتعلم الإسلامي (GCIL) المورد، حيث تم تكريم الأستاذ الفذ، الكاتب القدير، الباحث المتميز، والمترجم البارع، الدكتور شهزاد سليم، بمنحه جائزة "الإنجاز مدى الحياة"، تقديرًا لإسهاماته العميقة والمتواصلة في ميادين الفكر والدعوة والبحث العلمي.

أقيم الحفل في القاعة الرئيسة لمركز غامدي، مرتديًا طابعًا من الوقار والسمو، وترأس الجلسة مؤسس "المورد" وراعيه الأستاذ جاويد أحمد غامدي، بينما كان الدكتور شهزاد سليم ضيف الشرف المكرم. تولّى إدارة الحفل الأستاذ محمد حسن إلياس، مدير البحوث والاتصال بمركز غامدي، فيما ألقى مكرم عزيز، رئيس مجلس إدارة "المورد" بأمريكا، كلمة الترحيب، مؤكّدًا أنّ هذا التكريم لا يعدو أن يكون تعبيرًا متواضعًا عن جزء يسير من حقّ رجل كرّس حياته لخدمة الدين الإسلامي، ونشر دعوته، وإعلاء كلمته.

في هذه المناسبة الكريمة عبّر نخبة من رفقاء وتلامذة الأستاذ جاويد أحمد غامدي عن تقديرهم لشخصية الدكتور شهزاد سليم، وإسهاماته العلمية والدعوية، ومن أبرز المتحدثين:

الأستاذ محمد حسن إلياس، الدكتور خالد ظهير، معز أمجد، نعيم أحمد بلوش، الدكتور محمد عمار خان ناصر، الدكتور ريحان أحمد يوسفي، الأستاذ السيد منظور الحسن، الشيخ محمد ذكوان الندوي، الدكتور محمد غطريف شهباز الندوي، الدكتور عرفان شهزاد، حمزة علي العباسي، والسيدة كوكب شهزاد.

وقد قدّم العلماء والباحثون والأصدقاء المنتسبون لمؤسسة "المورد" شهاداتهم الصادقة في حق الدكتور شهزاد سليم، مثمنين مسيرة تمتد على مدى سبعة وثلاثين عامًا من العمل العلمي والتربوي والدعوي، مؤكّدين أن عطاؤه المستمر يمثل مدرسة قائمة بذاتها تستحق أرفع عبارات الثناء وأعمق مشاعر الامتنان.

امتدّت فعاليات هذا الحفل على مدى ساعة ونصف، وقد حملت من المعاني والدلالات ما يستحق أن تنقل معه كلمات جميع المتحدثين كاملة. غير أنّ طبيعة التقرير الصحفي وما يفرضه من حدود على المساحة يقتضي الاكتفاء بعرض أبرز المحاور والنقاط المختارة من كلمات بعض المشاركين.

الأستاذ محمد حسن إلياس قال في افتتاح الجلسة:

"إن مؤسستنا هذه ليست ساحة للتقليد أو التبعية، بل محطة في رحلة البحث عن الحق. ما نراه اليوم حقاً في فكر الأستاذ غامدي نتبعه، وغداً قد ننقده بنفس الروح العلمية؛ فلا أحد عندنا معصوم. نحن نكرّم الأشخاص لا لشخصياتهم، بل لأفكارهم وجهودهم.

بهذا المعنى نحتفي اليوم بالدكتور شهزاد سليم، أحد أوائل رفقاء هذه الدعوة، الذي أفنى عمره بإخلاص في خدمتها، وأثرى المكتبة بأربعين مؤلفاً، وظل ثابتاً على رسالته لأكثر من سبعة وثلاثين عاماً. رسالتنا لأجيالنا: أن نتعلم تقدير العظماء في حياتهم، وأن ندرك أن حركتنا قائمة على إرث أصيل ورجال أوفياء."

قال الدكتور خالد ظهير في كلمته:

"كان من كبار الجماعة الإسلامية خرم جاه مراد، وكان رحمه الله يقول دائماً إن أردت أن تحكم على شخصية دينية أو علمية فإن أهم مقياس لنجاحها هو عدد الخلفاء أو التلامذة الذين تركتهم خلفهم. وفي هذا الصدد، يبرز أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي بشكل لافت، إذ أن قائمة تلامذته طويلة وواسعة النطاق. وقد بدأ هذا المسار في منتصف سبعينيات القرن الماضي مع دفعة أولى درسها، ثم في مطلع ثمانينيات القرن نفسه كانت هناك دفعة أخرى ضمتني أنا وبعض الزملاء مثل نعيم أحمد بلوش وغيرهم، ثم في أواخر الثمانينيات كانت هناك دفعة ضمت الدكتور شهزاد سليم وعدداً من الإخوة الآخرين. ومنذ ذلك الحين استمرّ هذا المسار المبارك، وما زال يتواصل، ولكن لا شك أن أكثر شخصية بروزاً وتأثيراً في هذا القافلة كلها كان الدكتور شهزاد سليم".

قال الأستاذ معز أمجد في كلمته:

"معظمكم على علم بإنجازات الدكتور شهزاد سليم العلمية والفكرية، لكن علاقتي به تعود إلى ما قبل مجيء أستاذنا الغالي غامدي في حياتنا. نحن نعرف بعضنا منذ الطفولة، وهو من أبناء عمومتي. وكانت أعظم لحظة تأثيرية لي من شهزاد عندما اختار الالتزام بالحياة الدينية. هذا القرار أحدث انقلاباً كاملاً وتحولاً شاملًا في حياته. ولم تكن هذه التغييرات محببة لعائلتنا، لأننا لم نكن ملتزمين دينياً بشكل كبير؛ فالتدين عندنا كان يقتصر على الصلاة والصوم فقط. أما الاحتفاظ باللحية، وارتداء الطاقية، واعتماد زي معين، وتغيير أسلوب التعامل، ومخالفة بعض العادات الاجتماعية التي نشأنا عليها، فكل ذلك لم يكن مقبولاً في بيتنا. ونتيجة لذلك، واجه شهزاد في البداية الكثير من الإحباط، إذ لم يكن سلوكه هذا محبوباً في العائلة. ولم يكن عدم القبول هذا خفياً، بل كان واضحاً وجلياً أمامي. وما أثار إعجابي أكثر هو ردّ فعل شهزاد تجاه كل ذلك، وكان حينها صغير السن، فقد كان صبوراً جداً، واعياً، مدروس التفكير، وحكيم التصرف. كانت هذه الصفة بالنسبة لي أمراً غير عادي. وكنت أتعجب، كيف يمنح الدين الإنسان هذه القوة ليصبر على كل شيء بهذه الشجاعة والوقار؟ هذا كان الجانب الأكثر تأثيراً بالنسبة لي، ومن خلاله أصبح شهزاد بطلي. وما زلت أتمنى أن أصل إلى المستوى الذي كان عليه آنذاك".

أستاذنا الجليل، الدكتور محمد عمار خان ناصر عبّر في كلمته عن مشاعره قائلا:

"كتبت قبل أيام قليلة مقالا موجزا أشرت فيه إلى أن أثمن ما يميز شخصية الدكتور شهزاد سليم، وهو ما يستحق أعظم التقدير، هو علاقته الفريدة بأستاذه جاويد أحمد غامدي. فالعلاقة الشخصية أمر معروف، غير أن ما يلفت النظر حقا هو ذلك الرباط العلمي والروحي الذي حافظ عليه معه طيلة مسيرته، يمكن القول إنّه في جميع مراحل حياته لم يفارق يد أستاذه قط، بل ظلّ يسير في ظلّ إرشاده، ملازمًا له في التواصل والمشاورة، متعلّمًا منه في كل صغيرة وكبيرة. وهذه الروح من الالتزام، وذلك الثبات في الثقة العميقة بالمعلم، وذلك الشغف بالتعلّم على يديه، كلّها تجعل من هذه الصلة أنموذجًا نادرًا، قلّ أن يوجد له مثيل بين تلامذة الأستاذ".

قال الأستاذ السيد منظور الحسن في كلمته:

"إنّه قبل خمسة وثلاثين أو أربعين عاماً حينما قال الأستاذ الجليل جاويد أحمد غامدي:

” مرے ندیم میں شہر جنوں میں تنہا ہوں“    

 الترجمة: "يا نديمي، إنني في مدينة الجنون وحيد"

لبّى نداءه كثير من الشباب بصدق المحبة وصفاء الإخلاص، وبنور العلم والحكمة. وكان لكلّ واحد منهم تميّزه في ميدان من الميادين، غير أنّ شخصية واحدة تجسّدت فيها جميع هذه الصفات في آن واحد، إنّه الدكتور شهزاد سليم. فهو المعلّم والكاتب، وهو الباحث والمفكّر، وهو المدبّر والمنظّم. ويقال فيه ما قيل في الإمام الفراهي، "إنّ من لقيه لم يستطع أن يجزم أهو أعظم علماً أم أرفع تقوى".

وفي ختام كلمته قدّم قصيدة بعنوان "نديم" أهداها إلى الدكتور شهزاد سليم تحية وتقديرا وإجلالاً.

قال الدكتور ريحان أحمد يوسفي في كلمته:

"إن الشخصية وخدمات الدكتور شهزاد سليم تشمل بعداً ثالثاً يتعلق بشرح أعمال الأستاذ الجليل جاويد أحمد غامدي والإمام الفراهي والشيخ أمين أحسن الإصلاحي، وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. وهو يؤدي هذا العمل الشامل من خلال نظم ونثر، وكتابة وخطابة، والتعليم والتدريس. وبالإضافة إلى اللغة الإنجليزية، يخاطب الفئة الناطقة بالأردية أيضاً. ولأجل إنجاز هذه الأعمال يستخدم كل الوسائل المتاحة، من جلسات مباشرة على الإنترنت وفي الفصول الدراسية، إلى المحادثات على وسائل التواصل الاجتماعي، وإصدار الكتب والدوريات، والحوار والأسئلة والأجوبة، مستغلاً كل طريقة يمكن أن يوفرها الزمان والمجتمع لتحقيق رسالته العلمية والدعوية".

قال الدكتور عرفان شهزاد في كلمته:

"إن الدكتور شهزاد سليم يمتلك صفات عليا يعرفها جميع الإخوة والأصدقاء عن قرب، بمن فيهم أنا. ويشرفني بشكل خاص أن يكون الدكتور شهزاد أول أستاذ لي في مجال الفكر الفراهي. عندما تعرفت على هذا الفكر، ظللت أسأله بلا انقطاع تقريباً لمدة عام كامل، وكان يجيبني دائماً بصبر واهتمام. وخلال تلك الفترة لاحظت جانباً من شخصيته أثار دهشتي الشديدة. ففي إحدى المرات، سألته عن إجابة معينة، وتساءلت هل لا ينبغي أن تكون الأمور بهذه الطريقة؟ فأجاب فوراً: نعم، كلامك صحيح. كان هذا الرد المباشر بلا تردد أمراً غير متوقع بالنسبة لطالب مبتدئ مثلي، لكنه في الوقت نفسه يعكس إحدى أعظم صفات شخصيته. والحمد لله، لا يزال علاقتي به كطالب مستمرة حتى اليوم، وأي سؤال أرسله إليه يجيبني فوراً".

قال الدكتور محمد غطريف شهباز الندوي في كلمته:

"في العصر الحالي، حاول المسلمون في أوقات مختلفة وبطرق متنوعة أن يجرّبوا نموذجاً موازياً لمنهج الدراسة في مدارس الدرس النظامي وندوة العلماء أو المدارس السلفية. وعلى الرغم من أن هذه التجارب كانت على نطاق صغير وكبير، إلا أن نتائجها كانت مذهلة وإيجابية للغاية.

يقوم هذا النموذج على تقديم التعليم العصري أولاً، ثم إعطاء الطلبة والناشئة المتميزين تعليماً دينياً عالياً، يشمل تعليم اللغة العربية الأساسية، ودراسة القرآن والحديث والفقه بأسلوب بحثي وتحقيقي. بعض المؤسسات والجماعات قامت بهذا النموذج، وبعض الطلاب والناشئين اختاروا المرور به بدافع شغفهم الشخصي.

ومن اجتاز هذا الطريق وجعل خدمة الدين هدفه الأسمى، أثبت فعاليته مقارنة بخريجي المدارس التقليدية، وتمكن من خدمة الدين بشكل أفضل يواكب متطلبات العصر الحديث. ونتج عن هذه التجارب رجال أعمال متميزون، وهناك العديد من الأمثلة على ذلك في مختلف المذاهب الفكرية الإسلامية. ومن هؤلاء يمكن ذكر: الشيخ السيد أبو الأعلى المودودي، الدكتور نجات الله الصديقي، الدكتور عبد الحق الأنصاري، الأستاذ جاويد أحمد غامدي، الداعية الكبير الشيخ طارق جميل، الدكتور إسرار أحمد رحمه الله، الأستاذ خالد مسعود رحمه الله وغيرهم. ومن بين هؤلاء يندرج الدكتور شهزاد سليم ضمن هذا الجيل الحديث".

وفي الحفل، ألقت السيدة كوكب شهزاد (زوجة الدكتور شهزاد سليم، والأخت الصغرى لزوجة الأستاذ جاويد أحمد غامدي) كلمتها فقالت:

"لا أدري أأثني على شهزاد من الناحية العلمية أم من الناحية العملية، ففي كلتا الناحيتين هو شخصية متكاملة. لقد كان شديد الحرص على حقوق الله، كما كان حريصاً على حقوق الناس جميعاً. وحتى إن وقع في نفسي شيء من العتاب نحوه، فإنني في أعماقي لا أملك إلا أن أقدّره، لأنه في النهاية لا يقول إلا كلمة الحق. وفي المجتمع، إذا علم أنّه يستطيع أن يقضي حاجة لإنسان ما، سارع إلى ذلك في خفاء، بحيث لا يكاد الآخر يدري بما قدّم له.

حين تزوّجت به، كان مشغولاً بالقراءة والكتابة إلى حدّ لم يكن بيننا حديث يذكر. ولم أرَ أحداً يبذل من الجهد في طلب العلم كما يبذله هو. ما شاء الله، كان يجلس الساعات الطوال على حال واحدة لا يبرح مكانه، منصرفاً إلى عمله بجدّ واجتهاد. أمّا اليوم فقد اعتدت على ذلك وألفته تماماً".

وفي الختام، ألقى الأستاذ جاويد أحمد غامدي كلمته الرئاسية فقال:

"حين أنظر في رصيد حياتي كلّها، يخطر ببالي سؤال مقلق، ماذا سأقدّم بين يدي ربي إذا وقفت في حضرته؟

والحقّ أن ما يبعث في نفسي شيئاً من الرجاء هو أنّي أستطيع أن أقدّم الدكتور شهزاد سليم بين يديه. فهذه الثمرة المباركة من غرسنا هي أعظم ما أمتلك. ورجائي عند الله أن يتقبّل عمله العظيم، فإذا حظي هو بالقبول، فليتني أنال من بركة عمله نصيباً، وألحق به في الفوز برضوان تلك الحضرة الإلهية".

وبالجملة، لقد كان الحفل مناسبة لاستحضار مسيرة حافلة بالعطاء، ورسالة خالدة تلهم الأجيال القادمة. فالشكر موصول لمركز غامدي للتعلّم الإسلامي (GCIL) بأمريكا على تنظيم هذا الحفل، ولكل من أسهم في إنجاح هذا اللقاء المميّز.

ونسأل الله تعالى أن يتقبّل مجهودات الدكتور شهزاد سليم بقبول حسن، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويجعل ذلك كلّه في ميزان حسناته، وينفع به العباد والبلاد، إنه وليّ التوفيق. آمين.

ـــــــــــــــــــــــــ