دراسة نقدية للقصّة المروية في الصحيحين
عن العسل
(الحلقة الأولى )
وجاءت في الروايات مامفهومه:
روى علي بن مسهر الكوفي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة أنّ أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذكرت أنّ رسول الله ﷺ كان يحبّ العسل، أو قالت: كان يحبّ الحلوى. وكان إذا فرغ من صلاة العصر دخل على أزواجه واحدةً بعد الأخرى، فيمكث عند كلّ واحدةٍ منهنّ قليلاً (وأما المبيت فيكون حيث تكون النوبة).
وفي يومٍ من الأيام، أبطأ صلى الله عليه وسلم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها أكثر من عادته، فغرتُ لذلك، فتتبّعتُ السبب، فعلمت أنّ قريبةً لحفصة قد أهدت إليها وعاءً من جلد مملوءاً عسلاً، فسقت منه رسول الله ﷺ. فقلت في نفسي: "لا بدّ أن ندبّر حيلةً حتى لا يشرب النبي ﷺ عسلاً عند حفصة بعد اليوم".
فقلتُ لسودة بنت زمعة: إذا دخل عليكِ رسول الله ﷺ فقولي له: هل أكلتَ مغافير؟ (وهو صمغ شجر العرفط، فيه شيء من الحلاوة ورائحة كريهة). فإذا قال لك: لا، فقولي: فما هذه الرائحة التي أجدها منك؟ فسيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: لعلّ نحله قد جرس العرفط. وأنا سأقول له ذلك، وأنتِ يا صفية قولي مثل ذلك.
قالت عائشة: فعملت سودة بما أوصيتها. وكانت تقول: والله، ما إن دخل النبي ﷺ من الباب حتى هَمَمْتُ أن أرفع صوتي بما أمرتِني به، لكن خوفي منكِ يا عائشة كفّني، ثم قلت له ما لقّنتِني. فلمّا دخل عليّ قلتُ له مثل ذلك، وكذلك فعلت صفية.
فلما دخل النبي ﷺ على حفصة بعد ذلك، قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك من ذلك العسل الذي سقيتُك أمس؟ فقال: "لا حاجة لي به".
قالت سودة: نحن حرمناه من ذلك. فقلتُ لها: "اسكتي الآن." وهذا مفاد رواية عروة.
نصّ الحديث في "صحيح البخاري":
حدّثنا فروة بن أبي المغراء، قال: حدّثنا عليّ بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يحبّ العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنُو من إحداهنّ، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر ممّا كان يحتبس، فغرتُ، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة عكّةً من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربةً، فقلتُ: أما والله لنحتالنّ له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنّه سيدنو منكِ، فإذا دنا منكِ فقولي له: أكلتَ مغافير؟ فإنّه سيقول لك: لا، فقولي: ما هذه الريح التي أجدها منك؟ فإنّه سيقول لك: سقَتْني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرسَتْ نحله العُرفط، وسأقول ذلك، وقولي أنتِ يا صفية ذلك.
قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني به فرقاً منكِ، فلمّا دنا منها، قالت له: يا رسول الله، أكلتَ مغافير؟ قال: لا. قالت: فما هذه الريح التي أجدها منك؟ قال: سقَتْني حفصة شربة عسل. قالت: جرسَتْ نحله العُرفط. فلمّا دار إليّ قلت له نحو ذلك، فلمّا دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلمّا دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي فيه. قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه. قلتُ لها: اسكتي.
صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللہُ لَكَ} [التحريم: 1 ]، رقم الحديث: 5268.
ورواه أبو أسامة (حمّاد بن أسامة الكوفي) عن هشام بن عروة (انظر: البخاري، كتاب الحيل، رقم 6972). وأخرجه مسلم أيضاً (صحيح مسلم 1/479 رقم 1474).
نقد العلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي:
الحقيقة أنّ عروة بن الزبير (أو ابنه هشام) قد أخطأ في رواية هذه القصة الباطلة، نسأل الله أن يعفو عنه. لم يسمع عروة هذه الرواية مباشرة من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وإنّما نسبها إليها اعتماداً على بعض الرواة الذين نقلوا له ذلك، فحدّث بها دون ذكر الواسطة. وهذه الرواية مليئةً بالمغالطات، ومن أدلّة بطلانها:
1-الخلل الزمني: يظهر منها أنّ النبي ﷺ شرب العسل مرةً واحدة فقط، ثم في اليوم التالي رفضه مباشرة، بينما مقتضى القصة أن يكون ذلك في اليوم الثالث، لأنَّه ـ بحسب هذه القصة ـ عندما تأخَّر رسول الله ﷺ عند السيدة حفصة رضي الله عنها أكثر من المعتاد بسبب شربه شربة من العسل، أقلق ذلك السيدة عائشة رضي الله عنها وأرادت أن تعرف السبب. وبعد أن تبيَّن لها الأمر، دبَّرت خطة بأن تُلقِّن السيدة سودة والسيدة صفية رضي الله عنهما مقولة "مغافير". ومن الواضح أن هذه المقولة إنما قيلت في اليوم التالي، ولذلك ففي اليوم الثالث رفض النبي ﷺ أن يشرب ذلك العسل ،الأمرالذي يكشف أنّها ملفّقة.
2-التناقض في ترتيب المرور على الأزواج: تفترض الرواية أنّ النبي ﷺ كان يمرّ على حفصة ثم على سودة ثم على عائشة ثم على صفية. بينما الترتيب التاريخي للزواج والمروربهن يثبت أنّ حفصة لم تكن قبل سودة ولا قبل عائشة، لأنّه بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، تزوّج رسول الله ﷺ السيدة سودة، ثم السيدة عائشة، ثم في السنة الثانية للهجرة بعد غزوة بدر تزوّج السيدة حفصة، ثم في السنة الرابعة للهجرة السيدة أم سلمة، ثم بعد غزوة الأحزاب وقريظة في السنة الخامسة للهجرة تزوّج السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، ثم في السنة السادسة للهجرة بعد غزوة بني المصطلق تزوّج السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، ثم جاءت السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها في حبالة عقده، غير أنّها كانت آنذاك في الحبشة، ولم تلتحق بالنبي ﷺ إلا بعد غزوة خيبر. ثم بعد غزوة خيبر مباشرة تزوّج السيدة صفية بنت حيي رضي الله عنها، ثم بعد عدة أشهر في العام نفسه تزوّج السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنهن أجمعين. فطبيعي أن كان الترتيب بين الزوجات وفق ترتيب الزواج.
3- إهمال باقي الزوجات: إذا كان الأمر كما زُعم، فلماذا لم تقل أم سلمة أو زينب أو جويرية أو أم حبيبة أو ميمونة رضي الله عنهنّ شيئاًعن شربة العسل؟لأنه بعد أن شرب النبي ﷺ شراب العسل عند السيدة حفصة رضي الله عنها، ذهب بعد ذلك إلى بيوت السيدات أم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة رضي الله عنهن. ولم تقل أيٌّ منهنّ إن رائحة المغافير تصدر من فمه الشريف ﷺ. فلو كانت السيدة سودة، والسيدة عائشة، والسيدة صفية رضي الله عنهن قد قلن له ذلك، لكان النبي ﷺ يعدّه مجرد وهم منهن. أولا يفكَّر في أن قوة الشمّ عند ست زوجات لم تكن فيها علة ولا ضعف، فكيف لم يشعرن بالرائحة، بينما شعرت بها فقط ثلاث منهن؟ لو صحّت القصة، لاكتشف النبي ﷺ أنّها مجرّد حيلة من ثلاث فقط.
4- دعوى خوف سودة من عائشة: هذا غير مقبول، فسودة كانت أكبر سناً وأسبق زواجاً من عائشة، ولم تكن عائشة معروفة بسوء الخلق لتُخيف سودة. كانت السيدة سَوْدة رضي الله عنها أكبر سنًّا من السيدة عائشة رضي الله عنها، كما أنها كانت أضخم جِسمًا وأطول قامة، وهي التي دخلت في عقد النبي ﷺ قبل السيدة عائشة، وظلّت عدة سنوات رفيقته الوحيدة. ثم إن السيدة عائشة رضي الله عنها لم تكن مشاكسة ولا سيئة الخُلق ولا سيئة المزاج، فَلِمَ كانت السيدة سَوْدة تخاف منها إذن؟
5- الطعن في أخلاق أمهات المؤمنين: القصة تصوّر عائشة وسودة وصفية رضي الله عنهنّ وهنّ يكذبن على النبي ﷺ ويضلّلنه.والكذب حرام فكيف يُتصور أن بعض الأزواج يحث ويحرض بعضَهن على الكذب للنبي صلى الله عليه، وهذا يتعارض مع طهارتهنّ المقرّرة في القرآن ولقبهنّ "أهل البيت المطهر" (الأحزاب:33).
6- غياب الندم :لو صحّ أنّ عائشة رضي الله عنها قامت بمثل ذلك بدافع الغيرة، لكانت ندمت واستغفرت ولم تذكر ذلك بفخرٍ لاحقاً. إذا صدر من الإنسان ذنب ما، فستر الله عليه ولم يطّلع عليه أحد، فإن الواجب على ذلك الإنسان أن يستغفر الله كلما تذكّر ذلك الذنب، ولا يذكره بلسانه حتى لا يفضح نفسه، "بينما الرواية تنقلها وكأنّها تحكيها مسرورة، وهذا غير معقول.
ولهذا كلّه يتبيّن أنّ هذه القصة ليست إلاّ اختلاقاً نُسب إلى أم المؤمنين زوراً، ودسّها بعض أعدائها في النقل، فقبلها عروة (أو ابنه هشام) دون تدقيق.
(يتبع...)
