logo
أخرى

حیاة أمین

حیاة أمين 

سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي

]وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش [

(الحلقة الثامنة)

[تنشر هذه المقالات تحت عنوان "السير والسوانح للشخصيات"، وهي تعكس آراء وتحقيقات مؤلفيها الكرام، المستندة إلى أبحاثهم الخاصة، لذا، لا يلزم أن تتوافق المؤسسة مع جميع ما يرد فيها  ]

وفاة الإمام حميد الدين الفراهي وأثرها في نفس الإصلاحي

الفترة من حياة مولانا أمين أحسن الإصلاحي التي ارتبطت بتتلمذه على يد الإمام حميد الدين الفراهي تميّزت بحدث جلل، وهو وفاة أستاذه الجليل في ۱۱ نوفمبر 1930 بمدينة متھرا. الدكتور شرف الدين الإصلاحي جمع روايات متعددة عن هذا الحادث الفاجع، إلا أنّها متعارضة وملتبسة، وقد أقرّ هو نفسه بذلك. لذلك نعرض هنا ما وصل إلينا من تلك الروايات مقرونًا بما سمعه المؤلف من ذكريات مولانا الإصلاحي، ثم نصوغ الحادثة بلغتنا.

الحالة الصحية للإمام الفراهي

كانت صحة الإمام العامة جيدة، وكان يواظب على الرياضة، فكان نشيطًا في حياته اليومية. لكن ابتُلي بعارضين: صداع شديد في الرأس يمنعه من العمل، وحصى الكلى التي كانت تسبب له انسداد البول وآلامًا مبرحة. أول مرة ظهرت عليه أعراض الكلى كانت بحيدر آباد. وكان صبورًا على مرضه، لكن في نوفمبر 1930 اشتدت عليه العلة حتى عجز عن تحملها، فأدخل مستشفى متھرا الحكومي. وكان طبيبه المعالج الدكتور حفيظ الله – وهو من منطقته، وله به صلة شخصية، وكان حافظًا للقرآن، أصغر سنًّا من الإمام، ومعجبًا بعظمته العلمية وأخلاقه الرفيعة.

الدعاء لصحته و"نبوءة" أحد المجاذيب

الإمام الفراهي كان شخصية علمية بارزة ورئيس مدرسة الإصلاح. بعد دخوله المستشفى، اجتمع الناس في المدرسة بعد صلاة العصر يوميًا يقرؤون الآية: لا إله إلا أنت سبحانك سبحانك إنى كنت من الظالمين "على الحصى ثم يدعون له. وكان ينضم إليهم عوام الناس أيضًا. وكان بينهم مجذوب يُدعى محسن، مبتلى بإدمان الخمر. الناس كانوا يكرهونه، لكن الفراهي كان يكرمه ويواسيه. قال هذا الرجل مرة بلهجة صوفية: وفاتك ستكون في "كفرستان" (يقصد متھرا). وفي اليوم السابق لوفاة الإمام وهو لم ينع بعد، حضر محسن المجلس، ثم قام فجأة، رمى الحصى وقال: لم يعد لهذا جدوى، فهو الآن يتنزّه في بساتين الرمان. وفي اليوم التالي جاء خبر وفاته.

الرؤى والأحلام حول وفاته

نُقلت عن الإمام الفراهي رؤيتان أساسيتان:

  1. الرؤية الأولى – يرويها الدكتور شرف الدين الإصلاحي: قال إن الفراهي رأى نفسه يتلقى إكليلًا من "شري كريشنا"، فقبله. ولم يفهم مَن قصّ عليه الرؤيا تعبيرها إلا بعد وفاته بمتھرا – مسقط رأس "كريشنا" إلاه عند الهندوس. وكان معنى الرؤيا: أنه سيتوفى هناك.
  2. الرؤية الثانية – رواها هو بنفسه لطبيبه حفيظ الله: أنه رأى ملك الموت جاءه وقال: السلام عليكم، جئت لأقبض روحك. فقال: حاضر. ثم انصرف. ولما وصف هيئته، قال الطبيب:  إنه يشبهني تمامًا. لكن الفراهي لم يُبدِ أي تعليق. وبعد أيام أُجري له العملية الجراحية التي فشلت.

المولانا أمين إصلاحي علّق على هذا قائلاً: من يرى النبي ﷺ في المنام لا يمكن أن يُكذَّب إن كان من الصحابة، لأنهم يعرفون صورته، وقد قال ﷺ: من رآني فقد رآني حقًا فإن الشيطان لا يتمثل بي. أما غير الصحابة فقد يخيّل إليهم رؤية النبي، لكن في الحقيقة قد يكون الشيطان يوهمهم.

أيضًا روى تلميذه المولانا أختر أحسن الإصلاحي أنه رأى في المنام غرفة الفراهي غارقة بالدم. وفي اليوم التالي بلغهم خبر وفاته.

وصول الإصلاحي إلى متھرا

يروي الدكتور شرف الدين عن المولانا إصلاحي: بعد العملية تلقى الإصلاحي برقية من الدكتور حفيظ الله، فسافر إلى متھرا برفقة زوجة الفراهي وابنه عباد. وكان شيققه الحاج رشيد الدين قد بلغ هناك من قبل، وعند وصوله، طلبه الطبيب على عجل إلى غرفة الفراهي. يقول الإصلاحي:

"رأيته مبتسمًا، قام من سريره واحتضنني طويلًا، مع أن عادته أنه كان  يعانق أحدًا. وقال: أمين جاء. مع أن أحدًا لم يخبره بقدومي. شعرت لاحقًا أنه قصد: وارث فكرتي قد جاء."

في اليوم التالي توفي الإمام. وبحسب شهادة أبي الليث الإصلاحي، حين دخل أمين الإصلاحي غرفته، كان السرير مغمورًا بالدماء بسبب انفتاح الجرح بعد العملية، مما أثار غضبه فقال: لو لم يكن إيماني بالقضاء والقدر راسخًا لقتلتُ الدكتور حفيظ الله. والطبيب نفسه اعترف لاحقًا أن خطأً وقع: فقد أجروا عمليتين جراحيتين معًا – للكلى وللأمعاء – ثم انفتحت الغرز في اليوم التالي، فتسبب ذلك في نزيف قاتل.

مكان دفنه

رغم مطالبة الناس بنقل الجثمان إلى بلدته، إلا أن الفراهي أوصى مرارًا: من مات في مكان يُدفن فيه. فدُفن في متھرا.

(يتبع ...)