الدراسة الفكرية للتاريخ الإسلامي
إنه قد شاع بين المتعلمين والمثقفين أنّ النظام الإسلامي لم يدم سوى ثلاثين سنة، ثم حلّت الملوكية محلّه في حياة المسلمين. غير أنّ هذا التصوّر يقوم على سوء فهم، إذ إنّ الحقيقة الأقرب إلى الصواب أنّ الإسلام طوال تاريخه الممتدّ أربعة عشر قرنًا ظلّ قائمًا على أصوله وقواعده الأصيلة، وهو لا يزال كذلك حتى اليوم. أمّا ما يظهر في التاريخ من تغيّرات وصور متبدّلة، فليس خروجًا عن حقيقة الإسلام، بل مجرد ظواهر سطحية.وقد وقعت تلك التغيرات في الجزء الإضافي للإسلام (relative part) لا في صميم الإسلام (real part).
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21). أي: إن الله قد قضى وأثبت في كتابه أن الغلبة ستكون له ولرسله، فلا يعلو عليهم أحد، لأن الله سبحانه هو القوي العزيز.
ومعنى هذه الآية أن سيادة الله تعالى على مجرى التاريخ الإنساني ثابتة أبدًا، وكذلك دعوة الأنبياء إلى الله، فهي ستبقى غالبةً نظرياً على مر العصور وتحت كل الظروف.
وقد بيّن الرسول ﷺ هذا المعنى نفسه في الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما:
"الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه» (شرح معاني الآثار، حديث رقم 5267).
أي أن الإسلام يظل دائمًا في مقام العلو والهيمنة، ولا يمكن أن يُغلب أو يُداس.
التفسيرات التي تقسم التاريخ الإسلامي إلى مرحلتين غير متساويتين: "خلافة" و"مُلك"، فهي مردودة بداهةً. Prima facie it stands rejected.
ذلك أن مسيرة التاريخ الإنساني لا تجري على نمطٍ واحد كما هو الحال في حركة الأجرام السماوية التي تسير بسرعة منتظمة. (uniform speed)
بل إن حركة التاريخ الإنساني دائماً غير منتظمة، وهذا أمر يجري وفق قانون الفطرة. والصحيح في شأن التاريخ أنه يتحرك على نحوٍ غير متوازن؛ إذ لو كان التاريخ يسير سَيْر الأجرام السماوية في انتظامٍ مطلق، لانعدمت القدرة على التفكير الإبداعي عند الإنسان، وهذه حالة غير مطلوبة بحسب الخطة الإلهية للخلق. (creation plan of God)
وعلى الرغم من أن التاريخ يبدو وكأنه يسير في مساراتٍ متعرجة، فإن الله تعالى هو الذي يدبره ويديره على نحوٍ دائم. وبفضل هذا التدبير الإلهي، تبقى في مجرى الأحداث المتغيرة حكمةٌ ثابتة لا تتغير. إن اكتشاف هذه الحكمة الثابتة في خضم المتغيرات هو ما يُسمى بالتفسير الحكيم للتاريخ الإسلامي.
دراسة التاريخ
وفقًا لبيان القرآن الكريم (الأنبياء: 30) وبحسب الاكتشافات العلمية، فإن بداية خلق الكون وقعت قبل ما يقارب ثلاثة عشر مليار سنة عبر الانفجار العظيم (Big Bang). وبعده مرّت مراحل متعددة: أوّلًا تكوّنت المادة والفضاء الممتد الذي تنتشر فيه مجرّات ضخمة لا تُحصى، ثم جاء دور تكوين النظام الشمسي، ومن بعده وُجدت الأرض بعملية تدريجية، حيث تهيأت فيها جميع الشروط الملائمة لحياة الإنسان، وهو ما يُعرف اليوم بـ نظام دعم الحياة( Life Support System).
ثم جاء طور خلق الإنسان وإسكانه في الأرض، ومن هنا بدأت مسيرة التاريخ البشري. ووفق المخطّط الإلهي بُعث الأنبياء واحدًا تلو الآخر ليقودوا مسيرة الإنسان هذه في اتجاه التوحيد. لكن في الواقع لم يستجب إلا قلة من الناس لدعوتهم، بينما انحرف معظم البشر نتيجة سوء استعمال الحرية عن الطريق التوحيدي. ومع هذا الانحراف سيطرت الملكيات، وامتزجت الملوكية بالشرك، لينشأ نظام قمع ديني واسع حال دون استمرار رسالة التوحيد في إطار سلمي.
ثم قبل نحو أربعة آلاف عام بدأ الله تعالى مشروعًا جديدًا عبر نبيّه إبراهيم عليه السلام. ويمكن أن نسمّي هذا المشروع بـ “علاج الصحراء” (Desert Therapy)؛ ففي البيئة الصحراوية القاسية جرى إعداد جيل جديد من خلال أكثر من ألفي سنة، جيل متحرّر من التكييف(conditioning)، وهو ما يُعرف بـ بني إسماعيل.
وفي الربع الأول من القرن السابع الميلادي ظهر نبي الإسلام ﷺ، فكوّن من هذه الأمة المختارة فريقًا حيًّا وفاعلًا. هذا الفريق أحدث تحولًا جذريًا أطلق مرحلة جديدة في التاريخ البشري، انتهت بعد مسار طويل بظهور العصر العلمي الحديث في القرن العشرين، وهو ما يُعرف بـ الحضارة العلمية.
غير أنّ هذه الحضارة غلب عليها الطابع المادي، وتزعّمتها الأمم الغربية. فانتشر النموذج المادي وسيطرت العلمانية على شتى مجالات المعرفة. وبالرغم من أنّها في جوهرها حضارة علمية، إلا أنّ صورتها العامة غدت مرتبطة بالغرب وحده. وهكذا نشأ في القرن العشرين واقع عالمي يمكن وصفه بـ غابة الأفكار المادية: كل ما فيه مصبوغ بالمادية، بلا صلة ظاهرة بالتوحيد أو الروحانية.
لكن، وسط هذه الغابة المادية، يوجد عنصر ربّاني عظيم، كما أنّ في الغابة الطبيعية رحيقًا ثمينًا خفيًّا يُنتج منه العسل. وهذا الرحيق هو معرفة الله الكامنة في قلب الحضارة المادية. والمطلوب اليوم هو استخراج هذا الرحيق وتنظيمه وتقديمه باعتباره التعبير الفكري الجديد عن دين الله، وهو ما سمّاه القرآن الكريم بـ إتمام النور (التوبة: 32؛ الصف: 8).
إنّ هذا العمل هو المهمة الكبرى في القرن الحادي والعشرين، وقد وصفه النبي ﷺ بأنّه أعظم شهادة في تاريخ الإنسانية:
"هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ"(صحيح مسلم، حديث رقم 2938).
فكما أنّ النحلة إذا جهلت وجود الرحيق في الغابة فلن ترى إلا الأشجار الكثيفة، وإذا عرفته صارت الغابة لها مصدرًا للنِّعَم، فكذلك الحضارة الحديثة: من يجهل رحيق المعرفة الكامن فيها لا يرى سوى غابة مادّية مظلمة، أما من يعرفه فيدرك أنّها قد تتحوّل إلى بستان رباني عظيم.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك أنّ نهضة العلم الحديث بدأت حين انفصلت المعرفة عن سيطرة الكنيسة. ومن هنا نشأ في الغرب مبدأ جديد: الحرية هي الخير الأعلى (Summum Bonum)، وأنّ حق الاختلاف في الرأي حق إنساني أصيل. هذه كانت نقطة تحول كبرى في التاريخ، إذ أصبحت حرية التعبير لأول مرة حقًا معترفًا به للجميع.
ومن ثمّ أُقِرَّت أيضًا حرية الدين كحق ثابت للإنسان، وأُزيلت لأول مرة عوائق الإكراه والاضطهاد الديني. فأصبح ممكنًا أن يختار كل فرد دينه بحرية، وأن يبلّغه للآخرين، بشرط أن يكون ذلك بالأسلوب السلمي.
غير أنّ هذه النعمة كانت بمثابة رحيقٍ خفي داخل الغابة؛ فالحرية حين أُدرجت ضمن حقوق الإنسان لم تُخصَّص لأهل الدين وحدهم، بل شملت الجميع. وهكذا استُعملت الحرية استعمالًا واسعًا أفرز ظواهر سلبية من العُري إلى ازدراء المقدسات. لكن في داخل هذه الغابة ما يزال رحيق الحرية الدينية قائمًا.
والحكمة هنا أن نكون كالنحلة: نتجاوز ما لا نفع فيه ونستخرج الرحيق النافع لنصوغ منه رسالة ربانية معاصرة.
(مقتبس من كتاب: دورِ دعوت)
