logo
أخرى

قصيدة "أنّات معشوق"

أنّات معشوق

[قصيدة بوحٍ مؤثّرة يرسم فيها الدكتور محمد دياب غزاوي بريشته الشعريّة ملامح أحزان اللغة العربية وآلامها، ويحوّل أنينها إلى نشيد وجدانيّ يهزّ القلوب ويوقظ الإحساس بجمال الضاد وجرحها معًا.  ]

وَقُلْتُ عَلَى لِسَانِ الُّلغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهِيَ تَحْكِي مَأْسَاتِهَا، من الكامل:

إِنِّي اتُّهِمْتُ بِشَيْبِ ذِي الْوَجَنَاتِ

يَا سَائِلِي عَنْ سِرِّ ذِي الْعَبَرَاتِ

نَسَجُوْا أَكَاذِيْبًا مِنَ الْوَصَمَاتِ

إِنِّي اتُّهِمْتُ بِضَعْفِ رُوْحِي وَالْأُلَى

وَاللُّؤْمُ دَيْدَنُهُمْ بِغَيْرِ أَنَاةِ

رَاحُوْا بِعُهْرٍ يَنْهَشُوْنَ مَفَاتِنِي

أَنِّي رَأَيْتُ الطَّعْنَ مِنْ شَفَرَاتِي

قَدْ زَادَ مِنْ أَسَفِي وَهَشَّمَ أَعْظُمِي

قَدْ جَمَّعَ الْأَبْنَاءَ بِالنَّكِرَاتِ!!

آَهٍ مِنَ الزَّمَنِ الرَّدِئِ وَسَهْمِهِ

أَنَّ الْخُصُوْبَةَ مِنْ أَخَصِّ شِيَاتِي

يَصِمُوْنَنِي بِالْعُقْمِ وَيْحِي مَا دَرَوْا

لَمْ يَعْرِفُوْا قَدْرِي وَكُلَّ صِفَاتِي

طَأْطَأْتُ مِنِّي الرَّأْسَ وَيْلِي إِنَّهُمْ

جَمَّعْتُ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالشَّارَاتِ

بَحْرٌ أَنَا آَيَاتُ حُسْنِيَ جَمَّةٌ

مَا شِيْبَ شَعْرُ الرَّأْسِ بِالصَّبْغَاتِ

مُنْذُ الْخَلِيْقَةِ فِي الشَّبَابِ مُقِيْمَةٌ

وَفَصَاحَةٌ مِنْ فِيْهِ بِالْكَلِمَاتِ

نَطَقَ الرَّسُوْلُ بِيَعْرُبٍ مِنْ لَفْظِهِ

فَكَمَالُهُ فِي نُطْقِهِ بِحَصَاتِي

مَا رِئَ يَوْمًا نَاطِقًا مِنْ غَيْرِهَا

بِاللَّفْظِ مِنْ وَحْيِي وَمِنْ مَلَكَاتِي

جَاءَ الْكِتَابُ مُنَزَّلًا مِنْ رَبِّهِ

وَتَفِيْضُ عَيْنُ الصَّبِّ فِي الْخَلَوَاتِ

آَيَاتُهُ تُتْلَى صَبَاحًا أَوْ مِسَا

وَيُتَمْتِمُوْنَ بِمُحْكَمٍ آَيَاتِي

فِي الذِّكْرِ يَحْيَا الصَّالِحُوْنَ بِشَوْقِهِمْ

مَا كَانَ مِنْ نَهْرٍ وَنِيْلِ فُرَاتِ

لَا شَاطِئٌ يَسْطِيْعُ حَمْلَ مَرَاكِبِي

فِي السَّطْرِ كُنْتُ الصَّدْرَ وَالرَّايَاتِ

إِنَّ اللُّغَاتِ إِذَا تَوَاتَرَ ذِكْرُهَا

وَمِدَادُ حَرْفِي حَافِلٌ بِهِبَاتِي

كُنْتُ الْوِعَاءَ لِكُلِّ عِلْمٍ نَافِعٍ

أَبْغِي الْعَلَاءَ لِأُمَّتِي بِدَوَاتِي

مَا ضِقْتُ يَوْمًا بِالْعُلُوْمِ جَمِيْعِهَا

بِمِدَادِ تِبْرٍ فَوْقَ تُرْبِ عُدَاتِي؟!

أَيْنَ الْأُلَى مُذْ كُنْتُ أَحْفُرُ أَحْرُفِي

وَلِسَانُهُمْ كَالسَّيْفِ فِي الْوَثَبَاتِ

فَالْعُرْبُ كَانُوْا فِي الْقَدِيْمِ أَعِزَّةً

شَادُوْهُ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ نَفَحَاتٍ

فَاسْأَلْ بَلَنْسِيَةً وَقُرْطُبَةً وَمَا

سَادُوْا الْمُلُوْكَ وَحَطَّمُوْا الصَّهَوَاتِ

وَاسْأَلْ عِرَاقًا وَالْمُعِزَّ تَرَاهُمُ

لَكِنَّ قَوْمِي فِي ظُبَا الْغَفَوَاتِ

وَاللهِ مَا شِبْتُ وَلَا ظَهْرِي انْحَنَى

وَيَهِيْمُ بَعْضُهُمُ مِنَ السَّكَرَاتِ

يَتَكَفَّفُوْنَ الْغَرْبَ لَفْظًا سَاقِطًا

فِي الذَّيْلِ أَضْحَوْا لَاعِقِي الْقَصَعَاتِ

جَعَلُوْا حَضَارَةَ عِزِّهِمْ وَتُرَاثِهِمْ

عَجَزَتْ فُهُوْمٌ مَا دَرَتْ حَسَنَاتِي

يَا قَوْمُ عُوْدُوْا مَا هَرِمْتُ وَإِنَّمَا

وَالشَّمْسُ تُشْرِقُ مِنْ سَنَا نَفَثَاتِي

يَأْتُوْنَ عِرْضِيَ بِالسِّبَابِ صَرَاحَةً

فَيُنِيْرُ ضَوْءُ نَهَارِهِ الظُّلُمَاتِ

اللهُ أَكْبَرُ سَوْفَ يَبْزُغُ فَجْرُنَا

غَيْدَاءُ تَرْفُلُ فِي رُبَى الزِّيْنَاتِ

فِي يَوْمِهَا قَدْ جِئْتُ أَهْتِفُ بِاسْمِهَا

وَالْعُرْبُ قَوْمِي لَا بَدِيْلَ لِذَاتِي

لُغَتِي حَيَاتِي وَالْكِتَابُ هُوِّيَّتِي

اللهُ رَبِّي وَالشَّرِيْعَةُ ذَاتِي

سَأَظَلُّ أَحْيَا بِالْعُرُوْبَةِ دَاعِيًا

وَالْحُلْمُ آَتٍ وَالطَّرِيْقُ مُوَاتِي

وَالْقُدْسُ مَسْرَى وَالرَّسُوْلُ شَفَاعَتِي

ــــــــــــــــــــــــ

* يسرّ مجلة "الإشراق" أن تعرّف قرّاءها في هذا العدد بالشاعر والأكاديمي البارز الأستاذ الدكتور محمد دياب غزاوي، أستاذ ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة الفيوم، مصر ووكيل كلية الآداب السابق، وعضو اتحاد الكتّاب في مصر.

ولد الدكتور غزاوي في الثاني من أبريل ١٩٧٤م، ويعدّ من الأصوات الشعرية المتميّزة التي تمزج بين عمق الفكرة وجمال التعبير، وتفتح آفاقًا رحبة للتأمّل والإبداع.

الأعمال الإبداعية للأستاذ الدكتور محمد دياب غزاوي:

الدواوين الشعرية: الحب في زمن الكورونا – تراتيل العشق – معزوفات تائهة – أشجان الناي – ترانيم الهجر – لا إكراه في العشق – وتريات حزينة – على أعتاب الأقصى – ويبقى الأثر – بوح العرام – سطور الوجد – نبضات قلب – من وحي الألم – أنين الوجد – دمعة على خدّ الذكريات – السابع من تشرين

المجموعات القصصية: العاشقان والخريف – غدًا نلتقي – قبل فوات الأوان – الغروب

الرواية: أقبية الخوف

الأعمال النثرية: مقامات الغزاوي – رقائق الذهب – لآلئ الكلم (خواطر) – من فصول الفتى العاشق (سيرة ذاتية) – من الأدب الكوروني: صوت وأصداء

وقد أنجزت الدكتور غزاوي علی سبع أطروحات علميّة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، توزّعت بين جامعات مصر والعراق وإيران وباكستان، كما نال عددًا من الجوائز المحليّة والدوليّة تقديرًا لعطائه العلمي وإسهاماته الفكريّة.

وجدير بالذكر أنّني قد سعدت بلقائي الأوّل بشاعرنا الغالي الدكتور غزّاوي، وذلك بمناسبة انعقاد المؤتمر الدولي الثالث في رحاب جامعتنا الحبيبة، جامعة العلامة إقبال المفتوحة (AIOU) بإسلام آباد، خلال الفترة من ١٣ إلى ١٤ ديسمبر ٢٠٢٣م، تحت عنوان: "الاتجاهات الحديثة في الرواية العربية في النصف الأول من القرن العشرين". وقد ازدادت سعادتي بما تفضّل به من هدية نفيسة، هي مجموعته القصصية الممهورة بتوقيعه "غدًا نلتقي"، التي أعدّها ذكرى عزيزة ودليلًا على عمق تواصله الأدبي والإنساني.

(الأستاذ عثمان فاروق)