موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(الحلقة التاسعة)
ثانيا:إجماع علماء الأمة عل فكرة نزول المسيح
يقول العلماء إن هناك إجماعاً بين علماء الأمة على فكرة نزول المسيح. فهو من الأمور التي أجمعت عليها الأمة: قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان: والإجماع على أنه حي في السماء وينزل ويقتل الدجال ويؤيد الدين.(2/52) ويقول الإمام ابن عطية في كتابه البحرالمحيط: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من: أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير. (2 /360) ويقول الإمام الأشعري: وأجمعت الأمة على أن اللّٰہ سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء. (الإبانة عن أصول الدیانة1 / 115) وجاء في التلخيص الحبير: فاتفق أصحاب الأخبار والتفسير على أنه رفع ببدنه حيا.(3/ 462) ويقول شمس الدين السفاريني وهو إمام حنبلي كبير: وأما الإجماع فقد اجتمعت الامة علی نزوله ولم یخالف فیه أحد من أهل الشریعة وإنما أنکر ذلک الفلاسفة والملاحدۃ مما لا یعتد بخلافه وقد انعقد إجماع الامة علی أنه ینزل ویحکم بهذہ الشریعة المحمدیة. (شرح العقیدة للسفاریني 2 / 90)
ثالثاً: نزول المسيح وختم النبوة
إن المجيء الثاني لعيسى المسيح سوف يحدث بعد رحيل نبي آخرالزمان النبي محمد صلى الله عليه وسلم من هذا العالم، ولذلك فإن مفهوم نزول المسيح يبدو متناقضاً مع مفهوم اكتمال النبوة. ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه بطبيعة الحال هو أنه في حالة قبول نزول المسيح ما يكون توجيه و تفسير النصوص الصريحة في القرآن والحديث من مثل: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين" وحديث"أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"؟
والجواب على هذا السؤال عند العلماء هو أنه بعد نزوله لن ينزل على عيسى (عليه السلام) الوحي، ولن يتبع شريعته الخاصة، أي الشريعة الموسوية. فإنه يأتي إلى الدنيا عضواًوفرداً من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبع شريعته. وسيكون نزوله لأداء بعض المهام الخاصة به. وإنه سيموت إثر تنفيذه لها، والحجة هي أنه لن يتصف بالصفتين الأساسيتين للنبوة: الوحي وتنفيذ الشريعة، وبالتالي فإن قدومه لن يغير من واقعة انتهاء وختم النبوة.
يقول العلّامة التفتازاني في شرح العقائد النسفية:
"ثبت أنّه آخر الأنبياء … فإن قيل: قد رُوي في الحديث نزول عيسى عليه السلام بعده، قلنا: نعم، لكنّه يتابع محمّدًا عليه السلام، لأن شريعته قد نُسخت، فلا يكون إليه وحي ولا نصب أحكام، بل يكون خليفة لرسول الله عليه الصلاة والسلام." (ص 135)
وكما يصرّح الآلوسي في روح المعاني بأن نزول المسيح لا ينفك عن نبوّته، غير أنّه يتّبع الرسالة المحمّدية في الأصول والفروع جميعًا، حيث قال:
ثم إنه عليه السلام حين ينزل باقٍ على نبوّته السابقة، لم يُعزل عنها بحال، لكن لا يتعبّد بها لنسخها في حقه وحق غيره، وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلًا وفرعًا، فلا يكون إليه عليه السلام وحي ولا نصب أحكام، بل يكون خليفة لرسول الله ﷺ وحاكمًا من حكام ملّته بين أمّته. (روح المعاني 22/290)
وعلى المنوال نفسه، يذهب الإمام الرازي إلى أنّ النبوّة قد خُتمت بسيّدنا محمّد ﷺ، ومن ثمّ يكون المسيح بعد نزوله تابعًا لشريعة محمّد صلى الله عليه وسلم لا غير، حيث قال:
انتهاء الأنبياء إلى مبعث محمّد ﷺ، فعند مبعثه انتهت تلك المدّة، فلا يبعد أن يصير (أي عيسى ابن مريم) بعد نزوله تبعًا لمحمّد عليه الصلاة والسلام.
(التفسير الكبير 11/83)
وقد نقل المولاناالمودودي من السلف موقهم هذا فقال في تفسيره "تفهيم القرآن":
"إن نزول عيسى ابن مريم لا يكون في صورة نبي" لن ينزل عليه الوحي، ولن يأت برسالة جديدة أو أوامر جديدة من الله، ولن يزيد أو ينقص من الشريعة المحمدية، ولن يأت إلى العالم لتجديد الدين، ولن يأت لدعوة الناس إلى الإيمان به، ولن يشكل جماعة منفصلة من أتباعه.
سيتم مجيئه لمهمة محددة واحدة فقط، وهي القضاء على فتنة المسيح الدجال. ومن أجل ذلك ينزل بحيث لا يشك المسلمون الذين ينزل فيهم أنه عيسى بن مريم الذي جاء في الوقت المناسب حسب نبوءات رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيأتي ويلتحق بالجماعة، ويصلي خلف من يكون إمام المسلمين في ذلك الوقت، ويضع أمامه من يكون أمير المسلمين، حتى لا يكون هناك مجال للشك في أنه عاد للقيام بواجباته النبوية، كما كان في منصبه النبوي السابق. ومن الواضح أنه إذا كان لجماعة نبي من أنبياء الله فلا يمكن أن يكون إمامها وقائدها أحد غيره. ولذلك عندما ينضم إلى المجتمع الإسلامي كفرد عادي، فإن ذلك سيكون تلقائياً إعلاناً بأنه لم يأت نبياً، ومن ثم لن يكون هناك أي مجال على الإطلاق لكسر خاتم النبوة عند وصوله.
وسيكون وصوله مشابهًا بشكل لا يقارن بوصول رئيس سابق إلى الرئاسة وتقديم بعض الخدمات للدولة في عهد الرئيس الحالي. …
وبالمثل فإن وصوله لن يثير أية أسئلة جديدة تتعلق بالإيمان أو الكفر بين المسلمين. وحتى اليوم، من لم يؤمن بنبوته السابقة أصبح كافراً. لقد آمن محمد (صلى الله عليه وسلم) بهذه النبوة بنفسه، وكان كل أمته مؤمنين به منذ البداية. وسوف يسود نفس الوضع في تلك المرة أيضًا. ولن يؤمن المسلمون بأية نبوءة جديدة، بل سيؤمنون بالنبوءة السابقة لعيسى ابن مريم، كما يفعلون اليوم. وهذا لا يخالف نهائية النبوة اليوم، ولا سيحدث في ذلك الوقت. (4 /163-164)
(للبحث صلة ...)
