فهم القرآن والحاجة إلى تحقيق الروايات التفسيرية
(الحلقة الأولى )
من الناحية النظرية، فإن المصدر الأصلي للدين هو القرآن الكريم. وفي أكثر المواضع يكون هو نفسه شارحه ومفسره. ولذلك فالمبدأ المقرر عند أهل العلم هو: القرآن يفسر بعضه بعضًا. غير أن القرآن لما كان كتاب أصول وكليات، كان لابد في الجزئيات والفروع من الرجوع إلى السنة، أي إن السنة والحديث الصحيح الثابت هما التطبيق والبيان العملي للقرآن الكريم. فمفتاح فهم القرآن هو القرآن نفسه، ثم السنة. وبعد ذلك تعين أخبار الآحاد وآثار الصحابة والتابعين، والأدب الجاهلي القديم، وتاريخ العرب، والكتب السماوية السابقة، على فهم القرآن. ومع ذلك يجب أن يظل واضحًا أن هذه المادة التاريخية لصدر الإسلام – على أهميتها – لا يمكن جعلها حاكمةً على القرآن. لأنها وإن كانت تعين على فهم القرآن، إلا أن هناك مئات المواضع التي تعيق فيها عن الفهم الصحيح للقرآن. والكتب الحديثية والتفسيرية مملوءة بالأمثلة على ذلك، خصوصًا روايات أسباب النزول، والإسرائيليات، والضعيف والموضوع من الروايات التي لا تخلو منها كتب التفسير. ومع أن المحققين من المفسرين حاولوا التخلص من الإسرائيليات، إلا أن ذلك لم يتحقق.
كيف دخلت الإسرائيليات إلى الأدب التفسيري؟
بحسب الباحث في الروايات الإسرائيلية المولانا أسير أدروي رحمه الله:
"بعض الصحابة الكرام بدافع حب الاستطلاع والغيرة الدينية كانوا يسألون المسلمين الجدد من أهل الكتاب عن تفاصيل وقائع الأنبياء التي أجملها القرآن. وكان أولئك من كبار علماء التوراة، يعرفون الروايات الإسرائيلية، فكانوا يذكرون القصص المشهورة عندهم عن الأنبياء. ……… وقد ذكر الصحابة ذلك على سبيل التذكرة لمن بعدهم، ثم ذكره التابعون لمن جاء بعدهم، فجرى بذلك النقل. ثم في القرن الثاني والثالث لما صار التفسير فنًا مستقلاً بعد أن كان بابًا من أبواب الحديث، وأُلفت فيه الكتب، جُمعت تلك القصص في الكتب بأسانيد الصحابة والتابعين وأتباعهم. ثم إن الذين كانوا مولعين بالعجائب والغرائب والقصص الخارقة للعادة، بحثوا عنها وأدرجوها في كتبهم، ولم يجر نقد علمي لها ولا بحث في صحتها وضعفها، وإنما حصل ذلك في وقت لاحق".
ويضيف المولانا الأدروي معلقًا:
"الوقائع التي ذكرها القرآن الكريم عن مختلف الأنبياء، قد ملأ مفسرونا في تفسير الآيات القصيرة المتعلقة بها صفحات وصفحات بما نقله لهم أهل الكتاب من تفاصيل، وفيها روايات كثيرة تخالف صراحةً روح التعاليم الإسلامية وتصريحاتها، وكثير من الوقائع والقصص مخالفة للفطرة والعقل والتجربة والمشاهدة. ومثل هذه القصص التي لا سند لها ولا أساس يطلق عليها في الاصطلاح الإسلامي (الروايات الإسرائيلية) أو (الإسرائيليات). وهذه ليست روايات إسلامية، بل مصدرها ومنشؤها حقيقةً هو اليهود". (2)
خذ مثلًا تفسير ابن جريرالطبري أو تلخيصه تفسيرالقرآن العظيم لابن كثير، أو تفسير البيضاوي وتلخيصه في مدارك التنزيل، أو تفسير الخازن (الذي أثّر كثيرًا في تفسير المولانا أشرف علي التهانوي رحمه الله)، أو غيرها من التفاسير القديمة، فستجد أن في الأدب التفسيري الممتد لألف عام أكوام من الروايات والحكايات، وشبكة لم يستطع المفسرون المتقدمون والمتأخرون أن ينجوا منها. بل حتى التفسير الأكثر تداولًا في العصر الحديث بالأردية، وهو تفہيم القرآن، لم يستطع التخلص من هذا الطوفان الروائي. فعلى سبيل المثال، في سبب نزول سورة البروج يذكر صاحب التفهيم المولانا المودودي رحمه الله أربعة قصص نقلت في المسند أحمد، مسلم، النسائي، الترمذي، ابن جرير، عبد الرزاق، ابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم. وهذه القصص الأربعة يستحيل ترجيح أحدها، لأن رواة كل منها من كبار المحدثين. فيبقى طالب القرآن حائرًا: أيها هو السبب الحقيقي للنزول؟ والمودودي رجّح القصة الرابعة، ولكن سبب ترجيحه هو ميله إلى بعض كتابات المؤرخين المسيحيين الذين أشار إليهم في الهوامش، ووجد تأييدًا لذلك في بحوث الآثار العتيقة.
ولا شك أن مجموعات الحديث والسنة أهم بكثير من مجرد بيانات تاريخية، غير أن هذه الروايات مرت بمراحل النقل والفهم والتعبير البشري، فلا يمكن إغفال احتمال الخطأ فيها. ولذلك فإن هذه المادة التاريخية في صدر الإسلام بحاجة إلى ميزان نقد صارم في القبول والرد، ولا يجوز بحال أن تُجعل حاكمة على الوحي – مع أنها جُعلت كذلك في واقع الأمر. وقد فهمت هذا مدرسة الفراهي وكذلك مدرسة صاحب مفتاح القرآن العلامة شبير أحمد أزهر الميرٹهي رحمه الله، فكلهم يحاولون تعيين أسباب النزول من الشهادات الداخلية للآيات نفسها. ولهذا جاءت تفاسير هاتين المدرستين – مثل نظام القرآن، تدبر القرآن، البيان، ومفتاح القرآن- للمدرسة الثانية – خالية تمامًا من الإسرائيليات وروايات أسباب النزول الفضولية.
نظرة عابرة على الروايات الإسرائيلية
هناك بالفعل كمّ هائل من الروايات الإسرائيلية التي نُقلت في كتب التفسير، إلا أن كثيرًا منها انتقدها المفسرون المحققون، إما ردًّا كليًا أو استنادًا إلى معيار الدراية. ومن أبرز هذه الروايات:
- دور الشيطان والثعبان والوزغ في إخراج آدم عليه السلام من الجنة، والروايات التي تنسب الشرك إلى آدم وحواء.
- قصة هاروت وماروت، وحكاية المرأة المسماة زهرة التي عوقبت فصارت كوكبًا.
- القصص المبالغ فيها حول تابوت السكينة.
- قصة عوج بن عنق من العمالقة بطول جسد خارق.
- رواية كعب الأحبار الموضوعة في قصة هابيل وقابيل، اختلقت للزينة السردية.
- الأساطير الإسرائيلية حول نزول المائدة.
- الروايات الإسرائيلية في قصة الطور وتجلي الرب.
- القصص المتعارضة لليهود حول ألواح التوراة.
- المبالغات اليهودية في إلقاء موسى الألواح غضبًا.
- الأساطير حول سفينة نوح عليه السلام.
- الزيادات القصصية في قصة يوسف وزليخا.
- الأساطير الإسرائيلية حول أصحاب الكهف.
- الإضافات الإسرائيلية في قصة ذي القرنين.
- الزيادات في قصة يأجوج ومأجوج.
- رواية "تلك الغرانيق العلى" الموضوعة وما أُلحق بها.
- الإضافات الإسرائيلية في قصة سليمان عليه السلام وملكة سبأ بلقيس.
- الروايات المدخلة في قصة زينب بنت جحش رضي الله عنها.
- الخلاف في مَن هو الذبيح، حيث تأثر بعض كبار المفسرين بالإسرائيليات.
- الأكاذيب الإسرائيلية عن داود وسليمان عليهما السلام.
- المبالغات حول اللوح المحفوظ الأسطوري.
- القصص اليهودية عن أيوب عليه السلام.
- قصة الحوت العظيم (نون) وبهموت.
- تفسير جنة شداد أو إرم ذات العماد من خلال الإسرائيليات.
- تدخل الإسرائيليات في تفسيرالآية: (فجعلناهم قردة خاسئين).
- الأساطير التي نسجت حول عصا موسى وغيرها.
- قصة موت نمرود، وأن الوزغ كان ينفخ النار على إبراهيم (عن ابن جريج، البخاري والنسائي).
وقد تناول المولانا أسير أدروي معظم هذه الروايات – ما عدا الأخيرة – بنقد وتحليل مفصل.
فهذه بعض الخرافات والأساطير التي نُقلت في كتب التفسير، وقد رفضها أو أولها بعض المفسرين المحققين. وكلها مروية عن أحبار وقصاص من أهل الكتاب مثل وهب بن منبه، كعب الأحبار، وتميم الداري رضي الله عنه، وعن طريق رواة التفسير البارزين كسدي، ومقاتل بن حيان، وابن جريج.
الحواشي:
١ - مولانا أسیر أدرَوي، تفسیروں میں اسرائیلی روایات، ص ٣٣، منشورات: مکتبہ عثمانیہ، أعظم مارکیٹ، اقبال روڈ، کیفی چوک، راولپنڈی.
٢- المرجع نفسه ص ٣٣
٣ - يُنظر: تفهيم القرآن، سورة البروج، الجزء السادس، ص ٢٩٠، منشورات: ادارہ ترجمان القرآن، لاهور.
٤- قال الزركشي في كتابه البحر المحيط في مسألة (حاجة الكتاب إلى السنة): قال الأوزاعي: «الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب». قال أبو عمرو: يريد أنها تقضي عليه وتبيّن المراد منه. وقال يحيى بن أبي كثير: «السنة قاضية على الكتاب» رواه الدارمي.
ويُرى كيف كان السلف – على حدّ تعبير الكاتب – يُجْرون النهر مقلوباً. غير أنّ الإمام أحمد ـ ولله الحمد ـ أبدى استنكاره لهذا القول وقال: «ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن أقول: إن السنة تفسر الكتاب وتبينه». (سنن الدارمي، ص ٧٧، مطبعة نظامي، كانپور، الهند).
على أن رأي الكاتب أنّه إذا فُسّرت السنة في أقوال السلف هنا بمعناها الأوسع أي «التواتر العملي» لا مجرد الحديث (كما هو اعتقاد غالب العلماء)، فإن لقول الأوزاعي وأمثاله وجهاً صحيحاً يمكن حمله عليه.
(يتبع...)
