انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(الحلقة السابعة)
رابعًا: إن السبب الأصلي لمنح الأنبياء عليهم السلام المعجزات هو إتمام الحجة على الناس، وكونها ردًا على مطالبهم بالعذاب، أي أنها تأتي كتحذيرات أخيرة قبل وقوع العقاب. وعادةً تمنح المعجزات في مرحلة إتمام الحجة ضمن الدعوة، إلا أن بعض الأنبياء يزوّدون بها منذ بداية بعثتهم. في هذه الحالات، يكون الهدف هو إقناع المخاطبين وإظهار قوة الرسول، حتى يتوقفوا عن أي تصرفات قسرية ويصبحوا مستعدين للاستماع إليه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك المعجزتان اللتان أعطيتا لموسى عليه السلام: العصا واليد البيضاء. وكذلك، أحد جوانب المعجزة العظيمة للرسول ﷺ في القرآن الكريم هو نفسه.
ويشير الإمام الأمين أحسن الإصلاحي إلى هذا المعنى عند حديثه عن معجزات موسى عليه السلام:
"السنة المعروفة في باب المعجزات أن الأنبياء يعطونها عندما يصر قومهم على مطالبتهم بها، ويكون المقصود من ذلك إتمام الحجة بحيث لا يبقى للناس أي عذر للانحراف عن الحق، خاصة أولئك الذين لا يستعملون العقل والفكر ويعاندون الحق.
أما مع موسى عليه السلام، فالأمر استثنائي، إذ أعطي مع بداية نبوته معجزتين. ويرجع السبب إلى أنه أُرسل إلى حاكم مستبد ومتسلط، كان عدوًا شخصيًا وقوميًا له، وكان مجرد معرفة فرعون بموسى كافية لإصدار حكم بالقتل. وقد أصدر بالفعل هذا الحكم بعد حادثة القتل القبطية، إلا أن موسى عليه السلام فرّ إلى مدين، ففشل الحاكم في تحقيق مبتغاه.
لذلك، لم يكن من الممكن أن يستمع فرعون إلى كلام موسى عليه السلام إلا إذا ظهرت أمامه معجزة تُظهر قوته وتثير رهبة في قلبه. ومن هنا منح موسى عليه السلام منذ البداية معجزتين، تمكنه من الوقوف بأمان أمام أي عدوان من فرعون، وأظهرهما أمامه كتحذير، فالعصا في يده كافية لهدم كل كبرياء وغرور." (تدبر القرآن ٥ /٣٦)
خامساً: عند تحديد نوعية الآيات البينات او معجزات الأنبياء، يؤخذ في الاعتبار احوال المخاطبين وميولهم. اي ان وقوع هذه الظواهر الخارقة للعادة بيد الانبياء يكون بما يتناسب مع فهم الناس واستدلالهم واسلوب حياتهم وحضارتهم. ومن ثم، فان هذه المعجزات تجذب الانتباه وتثير الدهشة والاستعجاب، لتكون وسيلة لاتمام الحجة عليهم.
ويكتب الأستاذ الإمام الأمين أحسن الإصلاحي:
"في باب المعجزات، تظهر سنة الله أن المعجزات تمنح مع مراعاة أذواق وميول الأقوام، لكي تكون حجة عليهم. ففي مصر، تشير المصادر التاريخية إلى أن السحر والشعوذة كان لهما أثر كبير، وكان للسحرة مكانة بارزة في المجتمع، لذا من الله على موسى عليه السلام بمعجزات تمكنه من تفنيد سحرهم. أما في العرب، فقد كانت الفصاحة والبلاغة هي المرموقة، وكان للخطاب والشعراء سلطان على المجتمع، ومن ثم اعطي رسولنا ﷺ القرآن الكريم، الذي افحط الفصحاء والبلغاء بعظم فصاحته وبلاغته." (تدبر القرآن ٣ /٣٤٣)
سادساً: فيما يتعلق بهذه الآيات، يتضح ان صدورها بيد النبي لا يعني انها من مسؤولياته النبوية الرسمية، بل هي من عند الله وحده. فطبيعة المعجزات، وظهورها او عدمه، وتوقيت صدورها، لا يقرره النبي، ولا تظهر استجابة لمطالب المخاطبين. وقد اوضح القرآن ذلك ببيان صريح في سورة الرعد:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الآية: ٧)
كما قال تعالى:
﴿اللہَ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (الرعد: ٧–٨)
يكتب الأستاذ الإمام الأمين أحسن الإصلاحي في توضيح هذه الآيات:
"المقصود بـ 'آية' هنا هو أي علامة للعذاب. في الآية السابقة التي ذكر فيها استعجال العذاب، يشير ذلك إلى سؤال الناس: لماذا لا تظهر لنا أي علامة من العذاب الذي يهددنا به النبي دائمًا؟
فأجاب القرآن أن عملكم يقتصر على تحذير الناس من هذا العذاب، وليس عليكم إظهار أي علامة له أو إنزال العذاب بأنفسكم. هذا شأن الله وحده. أنجزوا مهمتكم ودعوا أمرنا لنا. ولا تعيروا اهتمامًا لكلام الباطل الذي يقول خلاف ذلك.
وما يجب فهمه هو أن مجرد عدم معرفتكم بالوقت المحدد لحدوث أمر ما، أو عدم إمكانية إظهاره استجابةً لمطالب الناس، لا يثير أي شك منطقي. فكما أن المرأة الحامل يعلم الله وحده جنس الجنين وما يحدث له من زيادة أو نقصان، ويعرف الوقت المحدد لوضعه، كذلك هو شأن العذاب الإلهي للظالمين. لقد قبل الظالمون بسبب فساد عقائدهم وأعمالهم بهذا العذاب، وسيظهر في الوقت المحدد له، ولكن موعد ظهوره وشكله بالتحديد لا يعلمه إلا الله.
لدى الله لكل شيء نظام محدد، وأوقات معينة، وضوابط محكمة. ولا تغير استعجالات الناس سنة الله التي رسمها لكل شيء." (تدبر القرآن ٤ /٢٧٤)
سابعاً: يتضح من القرآن الكريم أن المعجزات، رغم كونها خارقة للعادة ومخالفة للأنماط والقوانين المعتادة، تظهر ضمن دائرة الأسباب الطبيعية ومن خلالها. ولهذا السبب، يرفض الله الطلبات التي تتجاوز حدود الأسباب.
في سورة المائدة، عند ذكر الله تعالى لآياته المتعلقة بالمسيح عليه السلام، يظهر سؤال الحواريين: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا من السماء مائدة؟ وقد تنبه المسيح عليه السلام لهم بعدم تجاوز الحد، ولم يرض الله هذا الطلب. جاء في الآيات:
﴿إِذْ قَالَ الحَوَارِیُّوْنَ یَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ. قَالَ اتَّقُوا اللہَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللہُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ.﴾ (المائدة: ١١٢-١١٥)
ويعلّق الأستاذ الإمام الأمين أحسن الإصلاحي على كلمات "هل يستطيع ربك" قائلاً:
"في باب سؤال 'هل يستطيع ربك' يجب التذكير بأن الحواريين لم يسألوا عن قدرة الله، بل عن حكمته؛ أي هل إظهار هذه الآية المكشوفة يتوافق مع حكمته؟ الحواريون كانوا مؤمنين، ولم يكن بإمكانهم تجاهل حقيقة أن طلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل رؤية الله، الذي عاقبهم الله عليه بشدة.
فالمعجزات، رغم كونها خارقة للعادة، تظهر ضمن أسبابها الطبيعية، ولا يرفع جميع الحجب. لذلك، لم يشجع الله مثل هذه الطلبات التي تتجاوز حدود المعجزات المقررة في سنة الله. وعندما كرر الحواريون طلبهم، لم يرض الله ذلك، بل أرشدهم بأن المائدة سينزلها، لكن الذين يكفرون بعد رؤية هذه الآيات سيعاقبون بعذاب لم يعط لأحد غيرهم. بعد ذلك، تراجع الحواريون عن طلبهم. ويعتقد بعض المفسرين أن المائدة لم تنزل، ولم يذكر ذلك أيضًا في الأناجيل." (تدبر القرآن ٢ /٦٠٨)
(للحديث صلة ...)
