إشراقة الدم المسلم البريء المسفوح في السودان وغيرها من المسؤول عنه: مقاربة تحليلية في المسؤوليات الداخلية والخارجية
تتناول كلمة المدير هذه الأزمة السودانية خاصةً بوصفها نتاجًا لتفاعل معقّد بين الإرث الاستعماري، والتدخلات الدولية، وفشل النخب السياسية والعسكرية فيها، ولا سيما الحركات ذات المرجعية الإسلامية، في بناء دولة وطنية مستقرة وفشل الإدارات العالمية الإسلامية بمافيها رابطة العالم الإسلامي والدول الإسلامية وخاصة أعضاء منظمة التعاون الإسلامي الدولي في حل مشكلات الأمة. وتجادل بأن اختزال المأساة في "المؤامرة الخارجية" وحدها يغفل أدوارًا داخلية حاسمة أسهمت في تفكك الدولة، وإشعال الحرب الأهلية، وتحويل السودان من دولة ذات إمكانات هائلة إلى ساحة صراع مفتوح.
أولًا: السياق العام للأزمة السودانية
بينما انشغل الرأي العام الإسلامي والدولي خلال عامين ماضيين بمأساة غزة، كانت مأساة أخرى تتفاقم في صمت داخل دولة إسلامية إفريقية مركزية هي السودان. غير أن خصوصية الحالة السودانية تكمن في أن العنف لم يكن نتيجة عدوان خارجي مباشر، بل جاء في معظمه نتيجة صراع داخلي مسلح بين قوى عسكرية سودانية، راح ضحيته شعب أعزل، ودولة تتآكل مؤسساتها.
تشير تحليلات عدد من الباحثين السودانيين، ومنهم الدكتور عبد السلام الطالب، إلى أن السودان كان منذ عقود هدفًا لمشاريع تفكيك غربية، غير أن هذه المشاريع لم تكن لتنجح لولا هشاشة البنية السياسية الداخلية، وعدم المساعدة السخية المرجوة من دول الخليج الثراء،وغياب مشروع وطني جامع قادر على إدارة التنوع وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.
ثانيًا: السودان وحالة الثروة والموارد
تمثل السودان حالة فريدة من حيث التناقض بين الثروة الكامنة والفقر الواقعي. فالبلاد تمتلك مقومات اقتصادية نادرة، تشمل مثلاً:
أ- مساحات زراعية تُقدّر بنحو 250 مليون فدان
ب- ثروة حيوانية تُصنَّف ضمن الأكبر عالميًا
ج- احتياطات كبيرة من الذهب والمعادن
د- موارد نفطية وغازية غير مستغلة بالكامل
ه- وفرة مائية وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن استثمار جزء محدود من هذه الموارد كفيل بتحقيق عوائد سنوية تضاهي اقتصادات نفطية كبرى كالاقتصاد السعودي. غير أن هذه الإمكانات تحولت، paradoxically، إلى عامل جذب للصراع، بدل أن تكون أساسًا للتنمية، بسبب غياب الحوكمة الرشيدة، وعدم المساعدة من دول إسلامية ثراء غنية لدولة السودان حتى تتمكن من الحصول على الموارد الاقتصادية الهائلة بوسيلة الآليات الحديثة التي تفقدها ،وانتشار الفساد، وسيطرة شبكات عسكرية واقتصادية غير رسمية على مفاصل الثروة.
ثالثًا: دارفور كنموذج للصراع على الموارد
لا يمكن فهم الأزمة السودانية دون التوقف عند إقليم دارفور،تسكنه قبائل متحاربة، الذي يشغل قرابة ثلث مساحة البلاد، ويُعد من أغناها بالموارد الطبيعية. تاريخيًا، مثّل الإقليم مركزًا اقتصاديًا وجغرافيًا مهمًا، غير أن الدولة المركزية فشلت في دمجه تنمويًا وسياسيًا.
وقد أدى هذا التهميش، مقترنًا بتنافس محلي ودولي على الموارد، إلى عسكرة الإقليم، وتحويله إلى ساحة نزاع دموي، استخدمت فيه المليشيات تارة من قبل االخرطوم وتارة من دول الخليج مثل الإمارات المتحدة العربية كأدوات صراع، وأسهم في تدويل القضية، ثم في تفكك النسيج الاجتماعي، وشرعنة التدخل الخارجي تحت عناوين إنسانية.
رابعًا: من الدولة الوطنية إلى عسكرة السياسة
منذ استقلال السودان عام 1956، تعثرت محاولات بناء نظام ديمقراطي مستقر، إذ سرعان ما دخل الجيش إلى المجال السياسي كباكستان ومصر عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية. وقد تكرّس هذا المسار خلال حكم جعفر نميري، ثم بلغ ذروته مع انقلاب عمر حسن البشير المدعوم من الحركة الإسلامية.
ورغم الشعارات الأيديولوجية التي رفعت، فإن التجربة كشفت عن إخفاق مزدوج:
أ- إخفاق في بناء دولة مؤسسات
ب- وإخفاق في تحقيق الاستقرار أو العدالة الاجتماعية
ج- وإخفاق كبيرللعالم الإسلامي بأجمعه وإداراته ومنظماته الدولية لاتخاذ أي خطوات ناججة لحل الأزمات الداخلية.
كما أدى اعتماد النظام على قوات موازية للجيش، مثل "قوات الدعم السريع"، والتي بالأسف قد أسسها الرئيس السوداني السابق عمر البشير لقمع معارضيه السياسيين، إلى تفكيك احتكار الدولة للعنف، وخلق مراكز قوة مستقلة اقتصاديًا وعسكريًا، وهو ما انفجر لاحقًا في شكل حرب أهلية مفتوحة.
خامسًا: التدخلات الإقليمية والدولية
لا يمكن عزل الصراع الداخلي السوداني عن بيئته الإقليمية. فقد نظر كل من الغرب وبعض الأنظمة العربية بعين الريبة إلى أي نظام يُشتبه بقربه من الإسلام السياسي، وجرى التعامل مع السودان ضمن منطق ’’إدارة المخاطر‘‘ لا دعم الانتقال الديمقراطي والمساعدة الأخوية.
وفي هذا السياق، لعب الدعم المالي والعسكري حالياً لبعض القوى الإقليمية ودول الخليج لأطراف سودانية بعينها دورًا في تعميق الانقسام، وإطالة أمد الصراع، وتحويل البلاد إلى ساحة تنافس بالوكالة، خاصة في ظل ارتباط الصراع بالذهب والموارد الاستراتيجية.
سادسًا: السودان ضمن مشروع التفكيك الإقليمي
يرى عدد من الباحثين، ومنهم ظفر الإسلام خان خبير الشؤون الفلسطينية والعربية، أن ما يحدث في السودان يندرج ضمن نمط أوسع لتفكيك الدول المركزية في العالم الإسلامي إلى كيانات أصغر، على أسس عرقية أو طائفية، بما يسهّل السيطرة عليها، ويمنع تشكّل قوى إقليمية مستقلة.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، يظل قاصرًا إذا لم يُقترن بنقد داخلي صريح لأداء النخب المحلية التي أسهمت، بوعي أو دون وعي، في تهيئة البيئة المناسبة لهذا التفكيك.
ففي عام 2011 تعرّض السودان لانقسام جديد؛ إذ فصل الجزء الجنوبي ذو الأغلبية المسيحية، بعد سنوات طويلة من الحرب الأهلية، عن الشمال ذي الأغلبية المسلمة، وأعلن قيام دولة جنوب السودان وعاصمتها جوبا، ويبلغ عدد سكانها نحو 15 مليون نسمة حيث يشكل المسيحيون الأغلبية ولذا قد سارعت الأمم المتحدة والقوى الغربية وتدخلت في القضية فوراً وتدخلها أدى إلى انقسام البلد ،وقبل هذا الانقسام كان السودان، من حيث المساحة، أكبر دولة في قارة إفريقيا.
سابعًا: إشكالية الخطاب الإسلامي المعاصر والنظام الدولي
تعتمد قطاعات من الفكر الإسلامي المعاصر على خطاب أخلاقي مثالي يستند إلى القانون الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة، بوصفها مرجعيات عدالة عالمية. غير أن التجربة العملية المتمثل حاليا في ماجرى في فنزويلا وفي اليمن ومايجري في إيران من تدخل أميركي -إسرائيلي مشين وبغيض مايجعلهما القوة الدجالية العظمى يُظهر أن النظام الدولي يعمل وفق منطق القوة والمصلحة، لا وفق مبادئ مجردة.
ويكمن الخلل ليس في الاستشهاد بالقانون الدولي، بل في تقديسه، وبناء استراتيجيات سياسية عليه، دون امتلاك عناصر القوة التي تضمن احترامه.
خاتمة واستنتاجات
تمثل الأزمة السودانية نموذجًا مكثفًا لأزمات العالم الإسلامي المعاصر، حيث تتقاطع:
١- تدخلات خارجية انتهازية
٢- نخب محلية فاشلة
٣- عسكرة السياسة
٤- خطاب أيديولوجي غير قادر على إدارة الدولة
٥- غياب العالم الإسلامي من مشكلات الأمة على كل الأصعدة
ولا يمكن الخروج من هذا المأزق عبر الشعارات أو الخطاب العاطفي، بل عبر:
١- مراجعة نقدية جذرية لتجارب الإسلام السياسي
٢- إعادة الاعتبار للدولة المدنية والمؤسسات
٣- تبنّي واقعية سياسية أخلاقية
٤- وبناء وعي استراتيجي يقرأ العالم كما هو، لا كما يراد له أن يكون.
٥- تفعيل دورالعالم الإسلامي ومنظماته الدولية
وإلا فإن سيناريو السودان مرشّح للتكرار، بأسماء مختلفة، في أكثر من بلد إسلامي ونراه حاليامكررامعادا - لا قدرالله - في إيران الشقيقة.
أمّا العددُ الحاضرُ من مجلّتنا "الإشراق" العربي، فهو – كالأعداد السابقة – مزدان بأبحاث قرآنية وحديثية واجتماعية حرّة، إلى جانب ما يزدان به من النثر والشعر العربيّ الجديد الرصين.
ونسأل المولى سبحانه أن يوفّقنا للسداد في القول والكتابة، راجين أن يحظى هذا العدد أيضًا بالقبول والاستحسان لدى أصحاب القلم الأفاضل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الدين،
أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي
(16 يناير ٢٠٢6م، علي كره)
ـــــــــــــــــــــــــ
دعوة للكاتبين والباحثين للمشاركة في مجلة "الإشراق" العربي
تدعو مجلة "الإشراق" العربي الكاتبين والباحثين وأصحاب الأقلام المبدعة إلى المشاركة بأبحاثهم ومقالاتهم ودراساتهم في أعدادها القادمة، إسهاماً في إثراء الساحة الفكرية والأدبية، وخدمةً للغة الضاد وثقافة الأمة الإسلامية.
تعنى المجلة بتسليط الضوء على القضايا الفكرية والدينية المعاصرة، في ضوء المنهج القرآني، ومقاصد الإسلام، والتجربة الإصلاحية المتزنة. كما تفتح صفحاتها لكل قلم ملتزم، يسعى إلى تقديم معرفة أصيلة، وتحليل عميق، بلغة عربية فصيحة وأسلوب رصين.
وتشمل محاور النشر – دون حصر – ما يلي:
١- الدراسات القرآنية والأحاديث النبوية
٢- التزكية والتربية
٣- الفكر الإسلامي المعاصر
٤- نقد التراث وتجديد الخطاب
٥- قضايا الأمة والنهضة الإسلامية
٦- الشعر والأدب
٧- ترجمات علمية هادفة من لغات أخرى إلى العربية
شروط النشر:
أ- أن تكون المادة أصيلة، غير منشورة سابقًا.
ب- الالتزام بمنهج البحث العلمي والأمانة الفكرية.
ج- سلامة اللغة والأسلوب.
د- أن ترسل بصيغة Word
ه- مع سيرة ذاتية مختصرة للكاتب.
📧 ترسل البحوث والدراسات على البريد الإلكتروني الآتي:
ـــــــــــــــــــــــــ
