logo
أخرى

الحوارات بين زعماء فارس والصحابة الكرام


الحوارات بين زعماء فارس والصحابة الكرام رضي الله عنهم

(نقلاً عن كتاب المؤلّف "تفهيم الآثار")

(الحلقة الأولى)

(1)

عن كرب بن أبي كرب العكلي – وكان في المقدمات أيام القادسية – قال: … وبعث سعد عيونا إلى أهل الحيرة وإلى صلوبا ليعلموا له خبر أهل فارس، فرجعوا إليه بالخبر بأن الملك قد ولى رستم بن الفرخزاد الأرمني حربه، وأمره بالعسكرة، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل المنظرة والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم وفلجا عليهم. (تاريخ الطبري ٣  /٤٩٥)

الشرح اللغوي:

كلمة "فَلَجًا" تعني الغلبة والنجاح على الخصم. يطلق على الفائز في القمار "الفالِجُ"

(والفالِجُ: الغالب في قماره. لسان العرب ٢  /‏٣٤٨)

الشرح والتوضيح:

١- في السنة السابعة للهجرة، كتب النبي ﷺ رسالة إلى ملك فارس كسرى أبرويز، يدعوه إلى الإسلام، ويعلمه أنّ عليه أوزار المجوس إن أعرض. غير أنّ كسرى لمّا وقف على مضمون الرسالة ثار غضبه، فمزّقها، وأقصى رسول النبي ﷺ عبد الله بن حذافة عن بلاطه. فدعا رسول الله ﷺ على أهل فارس أن يمزّق ملكهم، ويحلّ بهم الخراب. (صحيح البخاري، رقم ٤٤٢٤) وتكرّر في كلام النبي ﷺ الإخبار بأن المسلمين سيفتحون أرض فارس، وأن كنوز كسرى ستنفق في سبيل الله.  (صحيح البخاري، رقم ٣٤٠٠ - صحيح مسلم، رقم ٢٩٠٠)

وعقب رسالة النبي ﷺ كتب كسرى أبرويز إلى عامله على اليمن باذام (ويقال: باذان) أن يبعث برجال يقبضون على صاحب الكتاب ويأتون به إليه. فلما قدم رسلُ باذام على النبي ﷺ قال لهم: "ارجعوا إليّ غدًا". فلما كان من الغد أخبرهم أن الله قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه، فقتله في ليلة كذا من شهر كذا. فرجع الرسل بالخبر إلى باذام، فلما تبيّن له صدقه أسلم، وآمن بدعوة النبي ﷺ. (ابن كثير، البداية والنهاية، ٤ /٢٦٧-٢٦٩)

٢- وانطلاقًا من رسالة النبي ﷺ وبشاراته، شرع الصحابة رضي الله عنهم في فتح أبواب المواجهة مع الدولة الفارسية إبّان خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وتمكنت الجيوش الإسلامية، بقيادة خالد بن الوليد وعياض بن غنم رضي الله عنهما، من فتح بعض أقاليم العراق، ثم توجّه الثقل العسكري لاحقًا إلى الشام، بينما كانت فارس آنذاك تعيش اضطرابًا سياسيًا وانقسامات داخلية.

ولمّا تولّى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الخلافة سنة ١٣هـ، تتابعت إليه الأخبار بأن الفرس لا يقتصرون على إثارة الاضطرابات في مناطق العراق التي دخلها المسلمون، بل يعدّون العُدّة لحشد عسكريّ واسع يتّجهون به إلى العرب. فبعث الخليفة جيشًا إسلاميًا عظيمًا بقيادة سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه، فنزل بالقادسيّة، حيث وقعت سنةَ ١٤هـ أولى المواجهات الكبرى بين العرب والفرس، وهي المعركة المشهورة في كتب التاريخ بمعركة القادسيّة. وقبيل القتال، جرت مفاوضات ومحاورات بين يزدجرد ملك فارس وقائد جيوشه رستم من جانب، وبين نفرٍ من الصحابة رضي الله عنهم من جانب آخر. وتشير الرواية التي نقلناها عن الطبري إلى الظروف والسياق الذي دار خلاله أحد هذه الحوارات.

٣- وقد كلّف عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يوفد إلى يزدجرد جماعةً من أهل الوجاهة والرأي والحكمة من جيش المسلمين ليعرضوا عليه دعوة الإسلام. وكان تقديم الدعوة قبل بدء القتال وبيان الخيارات المتاحة للعدو من السنن التي رسّخها النبي ﷺ، كما كان عمر رضي الله عنه يرجو أن يظهر هذا الإيضاح موقفَ المسلمين وعزمهم الصادق أمام الفرس، فيضعف بذلك روحهم القتالية ويحدّ من عزيمتهم على الحرب، وهو ما يعدّ نصراً معنويًا للمسلمين قبل أي مواجهات عسكرية.

ويذكر الطبري أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، امتثالًا لتوجيهات عمر رضي الله عنه، شكّل وفدًا يرسل إلى يزدجرد، برئاسة النعمان بن مقرن رضي الله عنه، وضمّ في صفوفه رجالًا من ذوي الوجاهة والحكمة. وكان من بين هؤلاء: بسر بن أبي رهم، وحملة بن جوية الكناني، وحنظلة بن الربيع التميمي، وفرات بن حيّان العجلي، وعدي بن سهيل، والمغيرة بن زرارة بن النبّاش بن حبيب، وعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معدي كرب، والمغيرة بن شعبة، والمثنّى بن حارثة رضي الله عنهم أجمعين. (تاريخ الطبري، ٣ /٤٩٦)

غير أن مؤرخًا آخر، هو المدائني، أورد قائمةً تختلف جزئيًا عن تلك التي نقلها الطبري، إذ ذكر بدل بعض الأسماء: طليحة بن خويلد، وزهرة بن جوية، ولبيد بن عطارد، وشرحبيل بن السمط. (الكلاعي، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء، ٢ /٤٤٥)

ويبدو، في ظاهر الأمر، أن ذكر المغيرة بن شعبة والمثنّى بن حارثة في قائمة الطبري غير دقيق، إذ كان المثنّى قد توفي قبل هذه الأحداث، بينما يرد ذكر المغيرة بن شعبة في معظم الروايات ضمن من حاوروا رستم لا يزدجرد، كما سيأتي بيانه في الآثار اللاحقة.

التخريج واختلاف الطرق:

ويذكر الكلاعي أيضًا هذا الخبر عن رواية سيف بن عمر (الاكتفاء بما تضمّنه من مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء، ٢ /٤٤٥). كما أورد النص الكامل لرسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنه لم يذكر المصدر الذي استند إليه في النقل. ونصّ الرسالة هو:

"وكتب إليه عمر: أتانى كتابك تذكر مكان عدوك ونزولك حيث نزلت، ومسافة ما بينك وبين ابن كسرى، وأنه من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، فأرسل إلى ابن كسرى من يدعوه إلى الإيمان أو إعطاء الجزية أو الحرب، فإن أسلم فله ما لكم وعليه ما عليكم، وإن اختار إعطاء الجزية ولم يسلم فله ما كسب وعليه ما اكتسب وقد حقن دمه وأحرز أرضه، ولا سبيل عليه إلا فى حق عليه، فإن أبى الإسلام وإعطاء الجزية فلا يعظم عندك حربه ولا يكربنك ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتوك به، فاستعن باللّٰه واستنصره وتوكل عليه …"

(يتبع...)