logo
أخرى

مقطتف من ’’ميزان‘‘

ميزان

(12)

 

المقدمة-2

الدين الحق

إذا أردنا بيان حقيقة الدين في لفظة واحدة فهو عبادة الله تعالى في مصطلح القرآن فما يشاء خالق العالم أصلًا من عباده هو عبادته فقال تعالى:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْاِنْسَ اِلَّا لِيَعْبُدُوْنِ. (الذاريات: 56) 

وقد أبان القرآن في أكثر من مقام أن الله تعالى قد أرسل رُسله إلى الناس لإعلامهم بهذه الحقيقة فقد قال:

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِيْ كُلِّ اُمَّةٍ رَّسُوْلًا اَنِ اعْبُدُوا اللّٰهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوْتَ. 

(النحل: 36)

فما هو معنى العبادة هذه؟ يتضح ذلك إذا تدبر من هذه الآية نفسها من سورة النحل فإنها تأمر باجتناب الطاغوت في مقابلة عبادة الله وحده، وقد استعمل "الطاغوت" و"والشيطان" في القرآن في المعنى المترادف، فالطاغوت هو من يستكبر ويتمرد على الله سبحانه، وضد ذلك هو العبودية والذل كما هو ظاهر. فمعني العبادة عند أئمة اللغة هو: أصل العبودية الخضوع والتذلل. وهذا الشيء إذا حصل مع الشعور الصحيح لرحمة الله وقدرته وربوبيته وحكمته اختار صورة التذلل الشديد أمام الله مع حبه الشديد وخوفه الكبير. وجاءت ألفاظ كثيرة من القرآن للتعبير عن هذا الكيفية الداخلية التي تتولد في داخل الإنسان وتحيط بوجوده كلمه من أمثال: الخشوع والخضوع والإنابة والخشية والتضرع والقنوت وغيرها. كما أن التعبيرات الذكر والشكر والتقوي والإخلاص والتوكل والتسليم والتفويض والرضا كلها مظاهر باطنية للعلاقة بين العبد ومعبوده.

ومعنى ذلك أن العبد في هذه العلاقة مع الله تعالى يطمئن قلب بذكره ويشهد في نفسه أن مشاعر الشكر والامتنان له تتصاعد كالسيل الطامي، ويخاف من سخطه ويكون له كله ويعيش توكلًا عليه، ويسلم إليه كل أموره وكل وجوده، ويرتضى بقضائه فيه. وجاء القرآن بتصوير هذه المظاهر لظهور علاقة العبد لله سبحانه بقوله: 

اِنَّمَا يُؤْمِنُ بِاٰيٰتِنَا الَّذِيْنَ اِذَا ذُكِّرُوْا بِهَا خَرُّوْا سُجَّدًا وَّسَبَّحُوْا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُوْنَ ١٥ﷳ تَتَجَافٰي جُنُوْبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُوْنَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَّطَمَعًاﵟ وَّمِمَّا رَزَقْنٰهُمْ يُنْفِقُوْنَ. (السجدة: 16)

فهذا الركوع والسجود والتسبيح والتحميد والدعاء والمناجاة والتضحية في سبيل الله رضاءً للرب تعالى هذا هو أصل العبادة. ولكن بما أن الإنسان له وجود فعلي تطبيقي أيضًا في هذا العالم وانطلاقاً منه. فإن هذه العبادة تتعلق بالوجود العملي له وهكذا تشتمل مع مظهر العبودية مظاهرَ الطاعة له. فحينئذ تتطلب من الإنسان أنه يجب أن يخضع ظاهره كما قد خضع له باطنه، ويجري ذلك على ظاهر الإنسان كما قد جرى في باطنه حتى لايستثنى منه جانب من جوانب حياة الإنسان، وفي تعبير آخر يكون العبد لله في كل معنى الكلمة كما قال تعالى:

يٰ٘اَيُّهَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا ارْكَعُوْا وَاسْجُدُوْا وَاعْبُدُوْا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ. (الحج: 77)

وهذه العبادة إذا تقوم بتعيين الأساسات ما بعد الطبيعية والأخلاقية وتعيين المراسم وتقرر الحدود والقيود لإحسان العلاقة بين العبد وربه، ولتكميل مقتضيات هذه العلاقة في الدنيا فيعبر ذلك بتعبير القرآن بالدين. وصورة هذا الدين التي قد أوضحها الله بطريق أنبيائه يسميها القرآن "الدين" ويهدي العباد أن يقيموه وأن لا يتفرقوا فيه كما جاء في سورة الشورى: ([6])

شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّيْنِ مَا وَصّٰي بِهٖ نُوْحًا وَّالَّذِيْ٘ اَوْحَيْنَا٘ اِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهٖ٘ اِبْرٰهِيْمَ وَمُوْسٰي وَعِيْسٰ٘ي اَنْ اَقِيْمُوا الدِّيْنَ وَلَا تَتَفَرَّقُوْا فِيْهِ. (الشورى : 13)

(يتبع ...)