الاختلاط بين الرجال والنساء
في ضوء نصوص الشريعة
دراسة تحليلية مقارنة
(الحلقة الأولى)
الملخّص
إن هذا البحث يهدف إلى دراسة تحليلية مقارنة لحكم الاختلاط بين الرجال والنساء في ضوء نصوص الشريعة. عرض فيه الباحث آراء العلماء من المتقدمين والمعاصرين في القضية، وحللها وناقشها مع المقارنة بين أدلتها، وبيَّـن القول الراجح المحقق فيها عنده. وبالإضافة إلى ذلك خرَّج الباحث كل ما استدل به العلماء من الأحاديث النبوية لمواقفهم المختلفة مع بيان درجاتها. واتبع فيه منهجين: المنهج المقارن، والمنهج التحليلي، وتوصل إلى أن حكم آية الحجاب الذي وجَّه الله فيها الخطاب إلى أزواج النبي صلي الله عليه وسلم بالخصوص، وأمرهن فيه بالاحتجاب عن الأجانب بشخوصهن، والتحجب الكامل، وعدم الاختلاط بهم، فهو -على القول المحقق- خاص بهن لا يصح تعميمها إلى عامة نساء المسلمين في ضوء النصوص القرآنية والحديثية وعمل المسلمين الثابت في عهد الرسالة، بل يجوز شرعًا اجتماع عامة الرجال والنساء من المسلمين في البيوت، ومجال العلم، أو العمل، بمختلف الوجوه إذا اهتموا جميعًا عند مواقع الاختلاط بامتثال الآداب والأحكام المتعلقة بالنظر، واللباس، والزينة، والاختلاط التي جاءت لهم على العموم في سورة النور.
الكلمات المفتاحية: مواقف، العلماء، الاختلاط، بين الرجال والنساء، آية الحجاب.
التعرف بالموضوع
اختلف العلماء والمفسرون في حكم الاختلاط بين الرجال والنساء واحتجاب المرأة المسلمة من الأجانب قديمًا وحديثًا. هل يجب على رجال المسلمين ونسائهم في ضوء نصوص الشريعة أن لا يختلطوا في أي مكان أو يسدلوا ستارا بين الرجال والنساء عند مواقع الاختلاط؛ كي لا يرون شخوصهن، ولا يرين شخوصهم أم لا يجب عليهم شرعًا؟ وهل يجب على المرأة المسلمة أن تحتجب من الأجانب أم لا؟ فذهبوا في هذه المسألة إلى موقفين مختلفتين من الجواز وعدمه سلفًا وخلفًا.
فيودُّ الباحث أن يقوم بدراسة شاملة لهذه القضية، ويناقش آراء العلماء فيها، ويقارن بين أدلتهم كي يتبين منه الموقف الصحيح الموافق للقرآن والأحاديث الصحيحة وعمل الصحابة والصحابيات في عهد الرسالة.
الدراسات السابقة
لم يجد الباحث مع استقرائه دراسةً شاملةً تختصُّ بموضوع ومحتوى هذا المقال، وتشتمل على دراسة متميزة لمواقف العلماء المتقدمين والمتأخرين التي ناقشها الباحث في الموضوع؛ لأنه -حسب استقصاء الباحث المتواضع- لم يتناوله السابقون من الباحثين في دراساتهم الموضوعية بصورةٍ مستقلةٍ ودراسة مقارنة. فلذلك من الصعب على الباحث أن يذكر دراساتٍ مستقلةً سابقةً عليه في الموضوع التي تقارن المواقف المختلفة في حكم الاختلاط، وتناقشها مع التحليل العلمي، ما عدا بعض ما بيَّنه أصحاب التفسير والحديث وشارحو الحديث وأهل العلم من السلف والمعاصرين من اتجاهاتهم الخاصة في الموضوع متناثرةً في طي كتب التفاسير، أو مؤلفات متفرقة، أو مقالات وفتاوى مختلفة تتعلق بقضايا الموضوع. وسيقوم الباحث هنا باستعراض بعض ما يمكن اعتباره دراسات سابقة في الموضوع، وهي:
الاختلاط بین الجنسین: حقیقته وحکمه وضوابطه، للدكتور یوسف القرضاوی،[8] وهو مقال بيَّن فيه القرضاوي اتجاهه في حكم الاختلاط بين الرجال والنساء في ضوء النصوص الشرعية، وهو جواز الاختلاط مع القيود الشرعية، ولكن لا توجد فيه دراسة مواقف الطرفين في القضية ومناقشة أدلتهما، كما اهتم الباحث في هذا المقال.
الاختلاط بين الجنسين مفهومه وحكمه وآثاره، لإبراهيم بن عبدالله الأزرق[9]، وهو كتاب قام فيه المؤلف بدراسة الموضوع، وركز فيه برأي التحريم ورجحانه فقط، ولم ينتاول فيه موقف العلماء الآخرين الذي يجيز الاختلاط بشرط التزام بعض الآداب الشرعية.
فقد اتضح مما سبق من الكلام أن مثل هذه الدراسات في الموضوع ونتائجها متعارضة بعضها مع بعض، وهي تشهد بأن أصحابها أبرزوا اتجاهاتهم الخاصة وأثبتوها، فالباحث كما يقصد أن يستفيد من هذه الدراسات للوصول إلى الموقف الراجح في القضية، كذلك يودُّ أن يتناول في هذا المقال موقف الجصاص، وابن العربي، والقرطبي، الطبري، والزمخشري، والرازي، وابن الجوزي، والألوسي من المتقدمين، وكذلك موقف المفتي محمد عبده، والعلامة رشيد رضا، والعلامة ابن عاشور، والأستاذ أبو الأعلى المودودي، والدكتور حسن عبد الله الترابي، والأستاذ جاويد أحمد غامدي من المعاصرين، فيتحقق من نتائج أفكار أصحاب المواقف، ويناقشها بالمقارنة والتحليل.
منهج البحث
يعتمد الباحث في هذا المقال على المنهجين الآتيين، وهما:
1- المنهج المقارن: وذلك ليقارن به الباحث مواقف العلماء في القضية، ويوازن بينها من النواحي العلمية، ويرجح الراحجة منها بعد المناقشة التفصيلية.
2- المنهج التحليلي: يستخدمه الباحث لتحليل آراء العلماء، ونقدها مع العناية بمعايير البحث العلمي المعتمدة.
تعريف "الاختلاط" و"الحجاب" لغةً واصطلاحًا
يتبين من كلام علماء اللغة أن لفظ "الاختلاط" يطلق لغةً على الامتزاج، والاجتماع، والمداخلة، والمجاورة، والاشتراك من الشريك[10]. أما المعنى الاصطلاحي لهذا اللفظ حسب موضوع بحثنا هذا، فلم يقف الباحث على من وضع له تعريفًا جامعًا مانعًا من العلماء المتقدمين، غير أن بعض المعاصرين ذكروا له تعريفات بتعبيرات مختلفة[11]. والمعنى الاصطلاحي المراد بـــ "الاختلاط" في هذا البحث، هو اجتماع الرجال والنساء غير المحارم في البيوت، ومجال العلم، أو العمل، بمختلف الوجوه، كالاختلاط في دور العلم، والحوانيت، والمكاتب، والمستشفيات، والمدارس، أو في أثناء الدراسة الجامعية، أو في ميدان العمل بالدوائر الرسمية، والمحلات التجارية، والشركات، والمعامل وغير ذلك.
وأما كلمة "الحجاب" فمعناها اللغوي في ضوء كلام أهل اللغة: الستر، وهو كل ما حال بين شيئين من الثوب أو الجدار أو غيره[12]. وأما معناها الاصطلاحي، فقال المناوي: "الحجاب كل ما ستر المطلوب، أو منع من الوصول إليه. ومنه قيل للستر: حجاب؛ لمنعه المشاهدة، وقيل للبواب: حاجب؛ لمنعه من الدخول. وأصله جسم حائل بين جسدين"[13].
ومن المعلوم أن كلمة الحجاب قد استعملت في كتاب الله وبعض الأحاديث بمعنى الساتر أي الحاجز بين شيئَين، وقد يكون ذلك الحاجز مِن قُماش، أو جدارٍ، أو خشب، ولم تُستعمل فيهما بمعنى من معاني اللُّبْس أو اللباس، وهو المراد في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:53 ]، ومن أمثلة إطلاق كلمة "الحجاب" على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:51 ]، وكذلك قوله تعالى عن مريم: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم:17 ]، وقوله تعالى عن النبي سليمان: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:32 ]، وكذلك وردت في بعض الأحاديث بمثل هذا المعنى، فالحجاب ليس لباسًا يلبسه أحد، إنما هو ساترٌ بين شيئين، وقد يستعمل في اللغة على حاجز بين رجالٍ ورجالٍ؛ كما جاء في حديث عن أنس في قصةِ وفاة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم، بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، وأرخى النبي صلى الله عليه وسلم، الحجاب، فلم يقدر عليه حتى مات"[14].
مواقف العلماء من حكم اختلاط الرجال والنساء مع أدلتهم
إن للعلماء في هذه المسألة موقفين نذكرهما مع الأدلة على النحو الآتي:
الموقف الأول وأدلته: ذهب بعض العلماء إلى أنه على الرغم من توجيه الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، واختصاصِه بهن وفق سياق الآية، المرادُ بالحكم جميع نساء المسلمين، وهن داخلات فيه بالمعنى؛ إذ كان المسلمون مأمورين باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، إلا ما خصه الله به دون أمته، فبناءً على ذلك الاحتجابُ من الرجال الأجانب، وعدم الاجتماع بهم مطلوب شرعًا من عامة النساء المسلمات أيضًا، فلا يجوز لهن أن يلقين الأجانب وجهًا لوجهٍ، أو يختلطن بهم في مكان. وإذا خرجن من البيوت عليهن ستر أبدانهن كلهن مع تغطية وجوههن وأيديهن، كما يقتضيه حكم آية الحجاب هذا، وهو موقف الجصاص،[15] وابن العربي[16]، والقرطبي[17] من المتقدمين. وأخذ بهذا الموقف من المعاصرين الأستاذ المودودي[18]. وأما الآخرون من العلماء المتقدمين والمتخصصين في التفسير وأحكام القرآن مثل الطبري، والزمخشري، والرازي، وابن الجوزي، والألوسي، فهم سكتوا عن الكلام في هذه المسألة عند تفسيرهم لهذه الآيات، ولم يصرحوا باختيار أو رد ما ذهب إليه هؤلاء العلماء الثلاثة من تعميم الحكم إلى عامة المسلمات.
أما أدلة هذا الموقف، فنعرضها هنا على النحو الآتي:
1- إن المسلمين مأمورون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته، قاله الجصاص[19].
2- كانت الأستار قد أسدلت على أبواب بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأرخيت كذلك في بيوت المسلمين؛ لما كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم أنموذجًا وأسوةً حسنةً لجميعهم، قاله الأستاذ المودودي[20].
3- علل الله حكم الاحتجاب هنا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما يسبب الميل والشهوة، فقطعهما الله بتشريع الحجاب أي الستار، قاله الجصاص[21].
4- إن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، يشير بذاته إلى أن من يبتغون من الناس أن تبقى قلوب رجالهم ونسائهم في المجتمع نظيفةً وطاهرةً، فعليهم أن يعملوا بهذا الحكم الرباني، يعني هو يدل على تعميم ما اشتملت عليه الآية من حكم ضرب الحجاب إلى عامة المسلمين، بينه الأستاذ المودودي[22].
5- يتضح لمن أنعم الله عليه بالبصر أن الكتاب الذي ينهى عن الحديث بين الرجال والنساء بلا ستر وجهًا لوجهٍ، ويوضِّح أن المصلحة في حكم الكلام من خلف الستار هي طهارة قلوب الرجال والنساء، لا يمكن أن يستنبط منه حكم إباحة الاختلاط بين الجنسين في ميادين العمل المختلفة بلا تكلف، ويرى أنه لا يؤثر في طهارة قلوبهم ومشاعرهم، بينه الأستاذ المودودي[23].
6- إن كثيرًا من الأحكام الواردة في الأحاديث تدل على أن المجالس المختلطة من الرجال والنساء لا تجوز للمسلمين، وهي على النحو الآتي:
الأول: أعفى الرسول صلى الله عليه وسلم النساء عن وجوب الجمعة، وعن الصلاة بالجماعة في المسجد،[24] على الرغم من أهميتهما وفضلهما.
الثاني: صرّح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن صلاتهن في البيوت خير من صلاتهن في المساجد مع بيان الإذن لهن في حضور الصلاة في المساجد إذا أردن[25].
الثالث: عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن»[26].
الرابع: قالت عائشة عندما رأت ما عليه النساء في عهد بني أمية: "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل"[27].
الخامس: كان في المسجد النبوي باب مخصوص للنساء،[28] وكان عمر في عهده ينهى أن يدخل الرجال من هذا الباب[29].
السادس: كانت صفوف النساء خلف صفوف الرجال، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها»[30].
السابع: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من الصلاة مكث قليلًا، وكانوا يرون أن ذلك كيما تخرج النساء قبل الرجال[31].
الثامن: كانت النساء يحضرن صلاة العيد، ولكن كان مكانهن في المصلى على حدة من مكان الرجال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من خطبة الرجال، يأتي النساء فيذكرهن[32].
التاسع: عن أبي أُسيد الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: «استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق»، قال: فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به[33].
فليلاحظ أن الدين الذي لا يسمح باختلاط الجنسين حتى عند العبادة في المساجد، هل لأحد أن يتصور عنه أنه يبيح الاختلاط بينهما في الكليات، والمكاتب، والمجالس، والنوادي؟
ذكر هذه المستدلات الأستاذ المودودي[34].
الموقف الثاني وأدلته: إن حكم آية الحجاب الذي يمنع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من لقاء الرجال الأجانب، والاختلاط بهم في مكان دون ستار، ويأمرهن بالابتعاد بشخوصهن تمامًا عن أبصارهم خاصٌّ بهن، ويحصر عليهن، كما يصرّح به الخطاب القرآني، وهو يتبين من تعليل الحكم في سياق الآية. ويتحقق كذلك من الروايات الصحيحة الواردة في سبب نزول هذا الحكم أنه إنما نزل لنساء النبي صلى الله عليه وسلم في ظروف معينة لهن خاصةً، يعنى هو نزل صيانة لهن من شرور المنافقين وكيودهم ضد أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلا يمكن تعميمها إلى سائر النساء المسلمات، ولذلك لم يكن على حجب عامة النساء والعزل بين الرجال والنساء العملُ عند عامة المسلمين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه الراشدين؛ فلذا لا يجب على عامة النساء في الشريعة أن يحجبن شخوصهن من الأجانب، ولا يطالبن بالتحجب الكامل في ملابسهن كما فُرض ذلك على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، بل يجوز لهن شرعًا اجتماع الرجال والنساء، والتقاءهم لأغراض الخير العامة في جماعة بدون ستار مسدل بينهم، مع رعاية الأحكام المشروعة لهم في سورة النور، أما الخلوة بين رجل وامرأة أجنبيين، فهي لا تجوز لما نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ،[35] وهو موقف المفتي محمد عبده[36]، والعلامة رشيد رضا[37]، والعلامة ابن عاشور[38]، والدكتور حسن عبد الله الترابي[39]، والأستاذ جاويد أحمد غامدي[40] من المعاصرين، وقد نص على خصوصية حكم آية الحجاب بنساء النبي صلى الله عليه وسلم غيرُ واحد من العلماء والفقهاء المتقدمين كالإمام أحمد، وأبي داود، وابن قتيبة، والقاضي عياض، والمهلب، وابن بطال، وابن جزي الكلبي[41].
أما أدلة هذا الموقف، فنقدمها لكم هنا على النحو الآتي:
1- لما أن وجه المرأة وكفيها ليسا من عورتها، فسترهما ليس بواجب عليها في الشريعة كما قال به جمهور العلماء والفقهاء سلفًا وخلفًا استدلالًا من النصوص القرآنية والحديثية، فبناءً على ذلك النظرُ من كل من الرجل والمرأة إلى ما عدا العورات مباح إذا كان بدون شهوة، ويتحقق به أن حكم آية الحجاب لم يشرع لعامة نساء المسلمين، بينه العلامة رشيد رضا[42].
2- إن آية الحجاب هذه قد نزلت في ذي القعدة من السنة الخامسة للهجرة، ولم يتأثر به وضع عامة نساء المسلمات من كرائم الصحابيات، ولم يطالبن بامتثال هذا الحكم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين، ولم يمتثلنه أنفسهن، وهذا لما ليس عليه دليل ولا شاهد في مصادر الحديث والآثار والتاريخ، قاله حسن الترابي[43].
3- إن ما قررته آية الحجاب، وحكمت به من أن لا تَظهر زوجة من أزواج النبي أمام الرجال الأجانب ولو بوجهها وكفيها فقط، يدل أيضًا على أنه مما يجوز بالطبع لعامة النساء المسلمات، بينه الدكتور الترابي[44].
4- لا يمكن لقائل أن يقول بجريان القاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" في هذه الآية؛ لأن لفظ آية الحجاب خاص ليس بعام، قاله العلامة رشيد رضا[45].
5- إن كل تصرفات عامة النساء لم تكن في عصر الرسالة من وراء حجاب على الرغم من نزول آية الحجاب، وعلى العكس مما كانت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تمتثل حكم هذه الآية بعد نزولها، وهذا أيضًا يشهد بخصوصية هذا الحكم بهن. وأما شواهد ما كان عليه عمل عامة النساء المؤمنات يجري في عصر النبوة، وعصر خلفائه الراشدين، فهي على النحو الآتي:
الأول: اتفق المسلمون على مشروعية صلاة النساء في المساجد مع كشف وجوههن وأكفهن.
الثاني: وأجمعوا كذلك على إحرامهن بالحج والعمرة مكشوفات الوجوه والأكف.
الثالث: كانت النساء يصلين في الجماعة وراء الرجال.
الرابع:كن يسافرن للحج والعمرة مع الرجال محرمات بدون تغطية وجوههن وأكفهن، وكذلك كن يطفن بالبيت على مشهد من الرجال، ويقفن يوم عرفة في عرفات، ويرمين الجمار على مرأى من الرجال.
الخامس: وكذا كن يخدمن الضيوف في بيوتهن.
السادس: كن يسافرن للجهاد مع الرجال، ويخدمن الجرحى، ويسقينهم الماء، ومنهن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنفسهن، ويشاركن مع الرجال في القتال أيضًا.
السابع: كن كذلك يقاضين الرجال إلى القضاة والحكام.
الثامن: صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث الرجل الذي يريد خطبة امرأة ويأمره أن ينظر إليها، ولو بدون علمها مع النهي عن التجسس على المرأة والتطلع إلى عورتها.
التاسع: أجمع المسلمون على جواز شهادة النساء لنص كتاب الله عليه، وأمره باستشهادهن.
العاشر: اتفقوا على صحة بيع المرأة وشرائها، وسائر تصرفاتها فيما تملك.
الحادي عشر: أجمعوا كذلك على جواز تلقي المرأة العلم عن الرجال، وكذا حكم تلقيهم عنها.
الثاني عشر: إن راويات الحديث كثيرة من نساء الصحابة والتابعين، ومن تبعتهن من النساء بعدها على الرغم من أنهن قليلات، وأسماؤهن مكتوبة في كتب التاريخ والرجال، ولم يكن أى شيء من ذلك من وراء حجاب لعامة نساء المسلمين في تلك القرون.
الثالث عشر: ثبت على عدم وجوب تغطية الوجه حديث المرأة الخثعمية، ونظرها إلى الفضل بن العباس، ونظره إليها،[46] وفيه دلالة واضحة على جواز النظر عند أمن الفتنة وبدون الشهوة لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراها في الوقت نفسه.
إن كل هذه المستدلات التي ذكرها العلامة رشيد رضا تشهد بأن حكم آية الحجاب خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كما يصرّح به النص القرآني نفسه، وليس لعامة النساء فيه حكم ولا أسوة، وهكذا فهمه الصحابة ونساؤهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن الأستار ضربت على كرائم الصحابيات كما لم ينهين عن الخروج من بيوتهن لحوائجهن المتنوعة، ولم يحظر عليهن من حضور مواقع الاختلاط قط[47].
6- نظرًا لأن آية الحجاب تأمر الرجال الأجانب بأن يتحدثوا مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب، وتحكم بحرمة زواج نسائه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، ولما كانت الظروف التي نزلت فيها آية الحجاب خاصة، يتبين منه ويتحقق أن حكم الاحتجاب واضح الحصر على زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يمكن تعميمه إلى سائر نساء المسلمين لما كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم محور الدعوة، ومركز الدولة، وكان كذلك مزار شتى الناس مما قد يجرح أهل بيته خاصَّةً، وتثبت تلك الأوضاع المعينة -بالإضافة إلى الحصر المذكور- بعدة روايات صحيحة جاءت فيها صراحةً أن آية الحجاب نزلت تصديقًا باقتراح معين من سيدنا عمر في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم خاصة فلا يمكن تعميم الحكم نظرًا إليها أيضًا؛ لأن عمر بن الخطاب كان يتمنى ذلك لهن خاصة لسبب بيّنه نفسه، وطلبه من النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية، ولم يكن قصده أن يُحجب سائر نساء المسلمين، ولم يتكلم فيه قط[48]، بيَّنه الدكتور حسن الترابي[49].
7- إن ضرب الحجاب على امرأة كان علامة معروفة في المجتمع النبوي على أنها من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرات، ثم هو لم يضرب فعلًا على غير نساء النبي صلى الله عليه وسلم في عهده كما تشهد به الروايات، فكيف يقال بتعميم هذا الحكم إلى عامة النساء، قاله الدكتور الترابي[50].
8- أما الاختلاط فلم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم شيء يختص للرجال سوى أمور من تكاليف الحياة العامة تجب عليهم وتجوز للنساء أن يفعلنها كالنفقة على الأسرة، وإقامة صلاة الجماعة، والنفير إلى القتال، يعني لم يكن يجب عليهن أن يمتثلن شيئًا من هذه الأوامر، ولكن ليس معناه أن مشاركة المرأة في هذه الشؤون غير جائزة، بل لها أن تشارك في كل من هذه الشؤون إذا أرادت على الرغم من توافر الرجال، ولا يجوز لأحد أن يمنعها من أي عمل صالح في الحياة العامة، ولذلك كان العمل عليه عند نساء المسلمين في خير القرون كما يشهد به كثير من الروايات الثابتة، ومن ذلك ما كانت النساء يشهدن صلوات الجماعة كلها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الفجر والعشاء على الرغم من أنه لم يجب عليهن.
9- لما أن صلاة الرجال والنساء كانت مشتركة في عصر النبوة، وكانوا جميعًا يجتمعون لها في المسجد كما يختلطون جميعًا في مناسك الحج والعمرة على الرغم من الازدحام الكبير عند أدائها، فهو أيضًا يدل على أن الحياة العامة ليست مسرحًا للرجال وحدهم في الشرع، ويشهد كذلك بنفى العزل بين الرجال والنساء في مجال جامع.
10- حاول بعض الولاة باجتهاد منهم تفريق الرجال والنساء في الطواف، ولكن أهل السنة كانوا يعترضون على تبديل ما كان عليه الأمر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فثبتت السنة، وزال التبديل. منع محمد بن هشام والي مكة طواف النساء مع الرجال، فقال عطاء: كيف تمنعهن وقد طاف نساء النبي مع الرجال؟ وكان ذلك بعد الحجاب سوى أنهن كن يتجافين عن الرجال، ويختلط سائر النساء ويستلمن رغم الزحام[51]".
11- إن كرائم الصحابيات كن يخرجن -في عصر الرسالة- للصلاة في المساجد مثل الرجال، ويخرجن للجمعة والأعياد كما كن يخرج لحوائجهن الأخرى، وأمرهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجن للعيدين حتى غير المصليات ليشهدن الخير، ودعوة المسلمين، وهو يدل صراحة على أن للنساء شهود مجتمعات المسلمين ومهرجاناتهم العامة. وكانت مجالس علم النبي صلى الله عليه وسلم ووعظه مشتركة للرجال والنساء جميعًا، ولم يكن العزل بينهم فيها أيضًا كما صحت به الروايات. وكن يشهدن المغازي حتى يشاركن في القتال ذاته، وكذلك يعبرن عن آرائهن بالحرية، ويجادلن بها بين أيدي الرجال، ويشاركن في شؤون الأسرة بالعون على المعاش، ويستقبلن كذلك ضيوف الأسرة، ويحدّثنهم، ويخدمنهم، فلم يكن عزلًا بين الرجال والنساء في ذلك العهد[52]، بل الاختلاط بينهم بمراعاة الآداب الشرعية العامة كان معروفًا عند المسلمين حينذاك. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يزور بعض النساء، ويعودهن، ويأكل عندهن، ويصلي في بيوتهن كما ثبتت في ذلك أحاديث نبوية، حتى ثبتت من فعله صلى الله عليه وسلم زيارة بعض الأسر بغير انفصال. وكان الرجل يسلم على المرأة، ويكلمها بقصد ولفظ طاهر كما صح ذلك عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وتشهد كذلك بعض الأحاديث بجواز مجالس الأسر في البيوت وخارجها، وبإباحة أكلهم الطعام مجتمعين رجالًا ونساءً مع رعاية الأحكام المشروعة. كل هذه الأدلة التي ذكرها الباحث آنفًا عن جواز الاختلاط فصلها الدكتور حسن الترابي[53].
12- إن شريعة الإسلام خولت للمرأة المسلمة ما لرجال المسلمين من الحقوق، وألقت عليها كذلك أن تتبع أعمالها مدنية كانت، أو جنائية، أو غيرها، وبالإضافة إلى ذلك لها الحق شرعًا في أن تدير أعمالها، وأن تتصرف في أموالها بنفسها. وبناءً على ذلك أن الاحتجاب من الرجال، وعدم مخالطتهم، والتحجب الكامل الذي لم توجبه الشريعة على المرأة المسلمة، يتنافى مع أعمالها اليومية في ميادين المعاملات المختلفة، ولو ألزمناه عليها بدون دليل ثابت من الشريعة، فهو يعوقها عن معاملة الناس مباشرة، فكيف يتعاقد معها الرجال من غير أن يروها ويتحققوا من شخصيتها؟ وكذلك كيف هي تتصرف في أعمالها اليومية وهي وراء حجاب؟ لأنه قد يوقعها ذلك في حرج شديد، وكذا يوقع المتعاملَ معها في مأزق لا يستطيع دفعه، فليلاحظ أن هناك مضار للمرأة المسلمة وعوائق في احتجابها وتحجبها الكامل، وهي تنافي مصالح المرأة المسلمة نفسها، أو مصالح من يعاملها، فلا ينبغي للمسلمين أن يجعلوا الغلو فيما فيه تضييق وتشديد أو تعطيل لشيء من مصالح الحياة، بينه المفتي محمد عبده[54].
13- إن أحكام آية الحجاب وسياقها تنطوي على آداب خاصة للدخول في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، والمكث فيها، ومنع الناس من مخالطة نسائهن بضرب الستار عليهن، ونهي الناس عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبيان حرمة أزواجه على جميع الناس بعد وفاته، وبيان الإباحة لدخول المحارم عليهن ومن في حكمهم. إنما نزلت كل هذه الأحكام في سلسلة الأحكام السابقة التي نزلت أيضًا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة نفسها، وهي كانت مشتملة على النهي عن الخضوع في الكلام مع الأجانب، والأمر ملازمة البيوت، والنهي عن التبرج، والاهتمام الخاص بالصلاة، والزكاة، وطاعة الله ورسوله، والقيام بتبليغ آيات الله والحكمة. فعندما تبين أن المنافقين الأشرار لا ينتهون من شرورهم وكيدهم ضد أهل بيت الرسول بعد نزول تلك الأحكام، حتى تمنى بعض المنافقين وتحدث في نكاح بعض أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، وتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشدد الله في الأمر بإنزال هذه الأحكام المزيدة ههنا ليحمي بها أهل بيت رسوله صلى الله عليه وسلم من كل ما أرادوا من الشر والسوء، ورفع النقاب عن وجوه أولئك المنافقين الأشرار بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا. إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، وبين أن هذه الأحكام لم تنزل إلا مراقبةً لشرورهم ومكائدهم؛ لأن أولئك هم الذين كانوا يبتغون إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ، ويتمنون نكاح أزواجه صلى الله عليه وسلم ليجدوا سبيلًا لإثارة الفتنة في الناس عداوة لله ورسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا كان لا يتصور من مؤمن صادق قطعًا. فبناءً على هذا التفصيل للأحكام وعلتها ومناسبتها مع الأحكام السابقة مع صراحة النصوص المتعلقة بالرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه لا يمكن لأحد أن يعمم حكمًا واحدًا من هذه الأحكام المربوطة -يعني حكم الاحتجاب وعدم الاختلاط بالرجال- إلى عامة نساء المسلمين، بينه الأستاذ جاوَيد غامدي[55].
