العلم الحديث بين القوة والحكمة
]هذا العمود المعنون بـ "وجهات نظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته.[
يُنظر إلى العلم الحديث على نطاق واسع بوصفه أنجح نظام لإنتاج المعرفة عهده تاريخ البشر، وتستمد سلطته من قدرته العجيبة على كشف العلاقات العلِّيَّة والسببية التي تحكم الأحداث والعمليات في العالم الطبيعي، وإخضاع هذه العلاقات للملاحظة المنهجية، والقياس الدقيق، والضبط التجريبي. وعلى هذا الأساس، لم يُنتج العلم معرفة موثوقة فحسب، بل أفضى أيضًا إلى مستوى غير مسبوق من القدرة التكنولوجية. ومع ذلك، فإن هذا النجاح الباهر يتضمن توترًا فلسفيًا جوهريًا. فالالتزامات المنهجية ذاتها التي تمكّن العلم من بلوغ أرقى درجات الدقة، هي ذاتها التي تُقيّد نطاق الأسئلة التي يمكن للعلم طرحها أو يرغب في تناولها. وحين يُحصر البحث العلمي في العلل الفاعلة ويُفصل عن التأمل في الغايات والقيم والعواقب البعيدة، فإنه يميل إلى إنتاج قوة بلا حكمة: قدرة على التحكم في العالم تفوق فهمنا لكيفية ممارستها، ولماذا ينبغي ممارستها، أو ما إذا كان ينبغي ممارستها أصلًا.
ومن منظور فلسفي، يُمثّل العلم الحديث تضييقًا تاريخيًا مخصوصًا لمفهوم العقلانية. فقد ميّزت التصورات الكلاسيكية للتفسير، ولا سيما عند أرسطو، بين أنواع متعددة من العلل، شملت الفاعلة والمادية والصورية والغاية. أما العلم الحديث، فيعرّف التفسير غالبًا تعريفًا ينحصر في السببية الفاعلة وحدها: أي تحديد الآليات التي تُفضي إلى آثار قابلة للملاحظة على نحو منتظم. وليس هذا التقييد عَرَضيًا، بل هو جوهر العقلانية العلمية الحديثة. فبإقصاء أسئلة الغاية والمعنى، يجعل العلم العالم الطبيعي قابلاً للحساب، والتنبؤ، والتلاعب. وما يُكتسب هو الدقة؛ وما يُفقد هو فهم أعمق للظواهر بوصفها عناصر ضمن كلٍّ منظّم يتجه نحو غايات معقولة.
والتفسير العلمي بهذا المفهوم انتقائي بالضرورة. فمن أجل إنتاج معرفة دقيقة وقابلة لإعادة التحقق، يجب عزل المتغيرات واستبعاد العوامل السياقية التي لا يمكن ضبطها. وليس هذا التجريد عيبًا في العلم، بل إنه شرط أساسي لنجاحه. ومع ذلك، فإنه ينطوي على قيد معرفي عميق، إذ إن الأحداث والعمليات الطبيعية لا تقع في عزلة، بل هي منغمسة في أنظمة معقدة متداخلة تتكشف عبر الزمان والمكان. ومن خلال التجريد من هذا التعقيد، يُنتج العلم معرفة تصح ضمن شروط شديدة الخصوصية، لكنها تصبح على نحو متزايد منفصلة عن شروط الواقع المعيش. ويبرز الخطر حين يُعاد تفسير هذه المعرفة ضمنيًا بوصفها شاملة لا جزئية، وكأن ما يمكن قياسه هو ذاته ما هو واقعي وذو دلالة.
ويُفاقم التخصص المتزايد في الحقول العلمية هذه المشكلة، إذ كلما ازداد البحث دقة، ازدادت المعرفة تفتتًا وتشظيًا. فكل اختصاص يطور أدوات وأساليب متقدمة للتحقيق في مجال ضيق للغاية، بينما يُعطى اهتمام ضئيل بالمهمة الفلسفية الأكبر المتمثلة في ربط هذه المعارف الجزئية ببعضها لتكوين رؤية شاملة. ومن منظور نظرية المعرفة، يؤدي هذا الوضع إلى تكاثر حقائق محلية ومعزولة، دون تقديم إطار منهجي يوضح العلاقات بينها ويضعها في سياق أوسع. ومن منظور العقل العملي، يُنتج وضعًا لا يكون فيه أي فاعل أو مؤسسة مسؤولة عن فهم الكل، فالمعرفة تصبح مجزأة، بينما الأفعال تؤثر في أنظمة يفوق تعقيدها إدراك أي مجال منفرد.
ولا يعود هذا التفتت أساسًا إلى إخفاقات فردية للعلماء، فمعظمهم يعمل بحسن نية ضمن أعراف تخصصاتهم، ملتزمين بالصرامة المنهجية والمساءلة التجريبية. لكن المشكلة الأعمق تكمن في الإدماج الاجتماعي والمؤسسي للمعرفة العلمية. فالعلم الحديث لا ينفصل عن البُنى الاقتصادية والسياسية التي تدعمه، وهذه البُنى موجّهة نحو الكفاءة والربحية والسيطرة. وكما لاحظ ماكس فيبر، فإن العقلنة الحديثة تُعلي من شأن العقل الأداتي، أي تحسين الوسائل دون تأمل في الغايات. وبما أن البحث العلمي يعتمد على التمويل الخارجي، فإنه يتشكّل تبعًا لأولويات تقع خارج المجال المعرفي ذاته، فتُفضَّل الأسئلة التي تعد بتطبيق تكنولوجي وعائد اقتصادي، بينما تُهمَّش الأسئلة التي تقاوم التسليع.
ويجسّد قطاع الصناعات الدوائية هذا المنطق بوضوح خاص. فقد يُعدّ الدواء ناجحًا إذا حقق نتائج ذات دلالة إحصائية في ظل شروط مضبوطة، حتى وإن كانت فعاليته جزئية وآثاره الطويلة الأمد غير مؤكدة. وتكفي مثل هذه النتائج لتبرير الإنتاج الواسع والاستثمار اللاحق. وعلى النقيض من ذلك، فإن العلاجات التقليدية أو الشمولية التي تُظهر فعالية مماثلة لا توفّر حافزًا اقتصاديًا يُذكر. وبدلًا من تقييمها وفق شروطها الخاصة، تُفكّك إلى مكوّنات قابلة للعزل يمكن تسجيل براءات اختراع لها وتسويقها. وتعكس هذه العملية التزامًا فلسفيًا أعمق: افتراض أن المعرفة ذات قيمة بقدر ما تُفضي إلى السيطرة، وأن الفهم مكافئ للقدرة على التلاعب بعناصر منفصلة، فيما يُهمل تصور الصحة بوصفها حالة متكاملة من العافية الجسدية والاجتماعية والبيئية.
وتتجلّى الحدود الفلسفية لهذا النهج بوجه خاص حين تُترجم المعرفة العلمية إلى تدخلات تكنولوجية في أنظمة طبيعية معقدة. فالعلم التجريبي قادر على تحديد آثار مادة كيميائية واحدة على نسيج حي بدقة تحت شروط مضبوطة، وعند إعطائها بكميات محددة ولمدد زمنية قصيرة، قد تبدو غير ضارة. ومن منظور علمي ضيّق، تكون هذه الاستنتاجات صحيحة، لكنها تقوم على تجريدات تتلاشى خارج المختبر. ففي البيئات الواقعية، تتعرض الكائنات الحية لمواد كيميائية متعددة في آن واحد وعلى فترات ممتدة، وضمن نظم بيئية تتسم بحلقات تغذية راجعة معقدة، فتظل آثار التفاعل، والأضرار التراكمية، والعواقب العابرة للأجيال خارج نطاق الطرائق التجريبية القياسية.
وعلاوة على ذلك، فإن التمييز ذاته بين "صحة الإنسان" و"صحة البيئة" يعكس تجريدًا فلسفيًا يحجب الحقيقة. فالإنسان ليس مراقبًا خارجيًا للطبيعة، بل إنه مشارك مجسّد داخل النظم البيئية، وأي ضرر يلحق بالتربة أو الماء أو الهواء أو بالحياة غير البشرية لا بد أن ينعكس في نهاية المطاف على رفاهية الإنسان. غير أن هذه الآثار النظامية تقاوم الاختزال إلى سلاسل سببية معزولة، ومن ثمّ تقع خارج السلطة المعرفية للعلم بالمعنى الضيق. وتُنقل مسؤولية معالجتها إلى عمليات سياسية وإدارية تفتقر غالبًا إلى الأدوات المفهومية والاستقلال المؤسسي اللازمين لتحدي المصالح الراسخة، فتظهر بذلك صورة من أشكال اللامسؤولية المنظمة: لا ادّعاء كاذب، ومع ذلك يكون الكل مضلّلًا بعمق.
فالمشكلة الفلسفية الأساسية ليست خطأً معرفيًا، بل عمى معرفيًا. إذ تُنتج المعرفة العلمية في ظل شروط يُنسى حضورها عند تطبيقها، وتُرفَع النتائج المتعلقة بمتغيرات معزولة ضمنيًا إلى مستوى أوصاف شاملة للواقع، بينما تبقى التجريدات الكامنة وراءها غير مفحوصة. ويُفاقم هذا الإشكال المقدار الهائل من القدرة التكنولوجية التي يولّدها العلم. فالقدرة على التدخل الفعّال تُنشئ عدم تماثل أخلاقي بين الفعل والفهم، وما يمكن فعله يُعامل سببًا كافيًا للقيام به، بينما يُؤجَّل التفكير في ما إذا كان ينبغي فعله أو يُرفض باعتباره "غير علمي".
ولا تنطوي هذه المراجعة على رفض للعلم أو للمنهج العلمي، فليس ثمة بديل جاد للتحقيق التجريبي والتجربة المضبوطة والتحكيم النقدي من الأقران في اكتساب معرفة موثوقة بالعالم الطبيعي. بل إن النقد ذو طبيعة فلسفية، إذ يتعلّق برفع شكل معيّن من العقلانية الأداتية، والسببية، والموجّهة نحو السيطرة إلى نموذج حصري للعقل ذاته، وحين تُعامَل العقلانية العلمية بوصفها مكتفية بذاتها ومحايدة قيميًا، تصبح عاجزة عن معالجة الأبعاد الأخلاقية والسياسية لآثارها.
ومن ثمّ، فإن تصورًا أقدر للعلم يقتضي إعادة دمجه في العقل العملي والفلسفي، ويستلزم ذلك عناية متجددة بالعلل الغائية، لا بوصفها عقيدة ميتافيزيقية، بل باعتبارها بحثًا تأمليًا في الغايات والقيم والمقاصد الجماعية. كما يتطلب أشكالًا مؤسسية تُعزّز التركيب البين-تخصصي والمداولة الديمقراطية بشأن تطبيق المعرفة العلمية. فالحكمة بهذا المعنى لا تنافس العلم بل تُكمله، إذ هي القدرة على موضعة المعرفة التقنية ضمن فهم للحياة الطيبة وشروط إمكانها.
فالعلم الحديث قد حقق قدرته الاستثنائية من خلال تضييق تركيزه على ما يمكن قياسه والتنبؤ به والتحكم فيه، لكن هذا التضييق ذاته يُنتج أشكالًا من الجهل تصبح أكثر خطورة كلما تُرجمت المعرفة العلمية إلى فعل تكنولوجي واسع النطاق. وحين تُفصل القدرة عن الحكمة، تُخاطر الأدوات المصممة لتحسين الحياة الإنسانية بتقويض أسسها. ومن ثمّ، فإن المهمة الفلسفية ليست كبح العلم عن المعرفة، بل ضمان أن يظل ما يمكّننا من فعله خاضعًا للحكم التأملي بشأن ما يعنيه أن نعيش بأمن وسلام في عالم مشترك محدود الموارد.
استخدم الرابط التالي لمقالات الشيخ محمد أكرم الندوي:
channel on WhatsApp:
ـــــــــــــــــــــــــ
