فهم القرآن والحاجة إلى تحقيق الروايات التفسيرية
(الحلقة الرابعة والأخيرة)
(أ)
بغضّ النظر عن كون جميع هذه القراءات التي يدعى ثبوتها إنما رُويت عن رواةٍ مجروحين غير موثوقين عند المحدّثين، فإن أنصار القراءات السبع أو العشر لا يجيبون أبدًا عن هذا السؤال المنطقي الجوهري: كيف يمكن أن يُقرأ لفظٌ واحد من القرآن سبع مرات أو عشر مرات بطرق مختلفة؟ وكيف كان رسول الله ﷺ يقرؤه في الواقع؟
وفي معرض نقده للحديث المشهور في مسألة «الأحرف السبعة»، يكتب العلامة شبیر أحمد أزهر ميرٹهي ما خلاصته:
"إن هذا الحديث لغوٌ من أوله إلى آخره، ولم يتأمل واحدٌ من رواته في الأسئلة التالية
1- لماذا تمنى رسول الله ﷺ القراءة على أكثر من حرف؟ ولماذا لم يكتفِ بالحرف الذي قرأه عليه جبريل عليه السلام ابتداءً؟
2- إن قراءة أي كتاب على أسلوب واحد أيسر بكثير من قراءته على سبعة أو ستة أو خمسة أو أربعة أو ثلاثة أو أسلوبين مختلفين: فكيف يتصور مثلًا أن تُقرأ مرة "أنعمتَ عليهم "ومرة
ثم مرة أنعمتُ"و«أُنعمتَ»، ثم «نُعمتَ»، ثم «أُنعُمتَ»
«نَعمتَ»، ثم ثم مرة أخرى «إِنعمتَ»، ثم «إِنعمتَ»
مع أن تغيّر هذه الأوجه يؤدي بالضرورة إلى تغيّر المعاني والدلالات.
إن هذا يفضي إلى حرجٍ شديد، وتكلّفٍ ومشقّة، ووقوعٍ في الغلط، ومن المستحيل أن تكون هذه رغبة النبي ﷺ لأمته، إذ لا يُعقل أن يريد لهم الضيق والعنت في شأن القرآن.
ثم ليُبيّن لنا أحدٌ: أيَّ آيةٍ من القرآن، أو أيَّ جملة، أو أيَّ كلمة، قال النبي ﷺ للصحابة عنها: «اقرؤوها هكذا، ويجوز أن تقرؤوها هكذا أيضًا»؟ لا يوجد مثل هذا البيان لا في حديث صحيح ولا حتى في حديث ضعيف.
لقد علّم رسول الله ﷺ القرآنَ للصحابة، وتعلّمه عنهم عددٌ لا يُحصى من التابعين، ثم عنهم أتباع التابعين، وهكذا وصل إلينا القرآن كاملًا بآياته وكلماته عبر التواتر والاستمرار في كل عصر. وكانت المصاحف تُكتب إلى عهد الحجاج بن يوسف الثقفي بلا نقط ولا حركات، ثم كلّف الحجاج بن يوسف سبعين من العلماء الثقات بضبط القرآن بالحركات والإعراب تيسيرًا للمسلمين الحاضرين واللاحقين. وهذا هو المصحف الذي يُقرأ ويُحفظ ويُطبع في أنحاء العالم المعاصر.
لكن هواة الخلاف والتشغيب لم يرضَوا بذلك، فسعوا إلى جعل القرآن نفسه ساحةً للاختلاف، واخترعوا لإثبات هذا الخلاف أحاديث مرفوعة، ونسبوا آثارًا إلى الصحابة. وقام رواة جهلة لا يتقون الله بنقل هذه الموضوعات، ثم دوّنها بعض المصنفين من المحدثين بسبب السذاجة وقلة البصيرة. ومن هذه الأحاديث الموضوعة – بحسب بحثنا – هذا الحديث محل النقاش، الذي رواه الزهري عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس (انظر: دراسة صحيح البخاري بالأردية 2 /49)(31).
ولا يملك أحدٌ جوابًا عن هذه الإشكالات إلا تأويلاتٍ متكلفة ضعيفة. وإنما تبنّى البعض موقفًا غير منطقي وغير عقلي تجاه القرآن، متأثرين ببعض الروايات، لأن "الكبار قالوا ذلك"، فيُطلب الإيمان به بلا سؤال.
والعجيب أن أكثر من يرفع نعرة «الإجماع» هنا هم أولئك الذين لا يعترفون أصلًا بحجية أي شيء سوى القرآن والحديث، ويشنّعون على التقليد الفقهي، لكنهم في مسألة القرآن يقعون في تقليدٍ أعمى وغير علمي!
(ب) وكان كفار مكة والمشركون المعاندون واليهود يتهمون رسول الله ﷺ بأنه ساحر أو مسحور أو مجنون أو كاهن، وقد ردّ القرآن هذه التهم ردًّا قاطعًا في مواضع كثيرة، لكن بعض الروايات التفسيرية جاءت لتؤكّد بنفسها تهمة السحر!
قد يُفهَم أن السحرة حاولوا إيذاء النبي ﷺ، لكن القول بأن محاولتهم نجحت، وأنه ﷺ بقي ستة أشهر في حالة مسحورية – كما في روايات البخاري ومسلم – أمرٌ خطير. بل إن صاحب تفہيم القرآن نفسه، متأثرًا بكثرة هذه الروايات، قبل هذا التصور، وذهب إلى أن السحر أثّر في شؤون البيت فقط دون الوحي.(32)
والسؤال البديهي: إذا قُبل مبدأ تأثر النبي ﷺ بالسحر مرة واحدة، فعلى أي أساس نُفرّق بين الوحي وغيره؟ وحتى لو سلّم المسلم – مؤقتًا – بذلك، فكيف سيُقنع غير المسلم؟ ومن هنا وجد المستشرقون مادةً للطعن، حتى زعموا أن النبي ﷺ كان مصابًا بالصرع أو باضطراب نفسي. (والعياذ بالله)
وقد وُجّهت انتقادات شديدة لهذه الروايات حتى عند بعض السلف؛ إذ ردّها الإمام الرازي والإمام الجصاص الحنفي ونسباها إلى الزنادقة. لكن التيار الحديثي المتشدد يرفض رأيهما بحجة أن «الحديث ليس فنّهما»
أما العلامة شبير أحمد أزهر الميرٹهي، فيرى أن الروايات لا تثبت إلا محاولة السحر، أما التأثير فقد انتفى بنص قوله تعالى:
﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67 )
ويقول:
إن الروايات التي رواها هشام بن عروة لا يثبت في أيٍّ منها أن عروة سمع هذا الحديث من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بل السند فيها دائمًا معنعنا: «هشام عن أبيه عن عائشة». وأغلب الظن عندي أن هذه القصة نُسبت إلى عائشة من قِبل شخصٍ ما، ولم يذكر عروة اسمه، فروى ذلك بقوله «عن عائشة». ولدينا أمثلة كثيرة لروايات قال فيها عروة «عن عائشة» دون أن يكون قد سمعها منها مباشرة. وعليه، فالسند غير متصل، والحديث غير صحيح أصوليًا، وباطل درايةً. والخلاصة: أن محاولة السحر وقعت، لكنها فشلت ولم تؤثّر، تنفيذًا لقوله تعالى:
﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾(33)
وخلاصة القول: إن الروايات التفسيرية تحتاج إلى تمحيصٍ علمي دقيق، ولا يزال أمام الباحثين عملٌ ضخم لم يُنجز بعد. أما قبول هذه الروايات كما هي، فسيحول دون الفهم الصحيح للقرآن. وقد أُنجزت بعض الأبحاث المعاصرة حول الإسرائيليات، لكن لا بد من توسيع هذا الجهد، وإعادة النظر في مجمل الروايات التفسيرية بروح نقدية علمية شاملة.
الهوامش
31- يُنظر: إشراق (الأردية – أمريكا)، عدد أغسطس 2025
32- سيد أبو الأعلى المودودي، تفہيم القرآن، تفسير المعوذتين، المجلد السادس: من سورة التحريم إلى سورة الناس، ص 555، إدارة ترجمان القرآن، لاهور.
33- يُنظر: العلامة شبيبر أحمد أزهر الميرتهي رحمه الله، هل تأثّر النبي ﷺ بالسحر؟، إشراق العربية أمريكا2025.
