logo
أخرى

من هو الفاعل في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾؟

من هو الفاعل في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾؟

(في ضوء دراسة تفسيرية جديدة)

يرى جمهور المفسّرين أن فاعل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ هو النبيّ الكريم ﷺ. غير أنّ بعض المتأخّرين—ومنهم المحدّث العلّامة الداؤودي—ذهب إلى أنّ الفاعل هو كافرٌقرشي لا النبي ﷺ. وغالب الظن أنّ المقصود بالداؤودي هو الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن مظفّر الداوودي. وقد نقل الحافظ ابن حجر هذا القول في فتح الباري، ويذكر الداووديَ غير مرّة: فتارة يقبل كلامه، وتارة يردّه، وأحيانًا يمرّ عليه معلقا بقوله : وقد أغرب الداوودي وقال…، مما يدلّ على مكانته العلمية. وفي عصرنا اختار العلّامة شبير أحمد أزهر الميرتهي رحمه الله الرأيَ نفسه. وفيما يلي ننقل للقارئ مقطعًا مختارا من تفسيره مع ما يتعلّق به يقول الكاتب:

تمهيد السورة

"هذه السورة مكيّة، وسُمّيت بأوّل لفظٍ فيها. ويُرجّح نزولها بعد سورة النازعات، وموضوعها قريبٌ من موضوعها؛ إذ ذُكر في النازعات طاغيةٌ سابق (فرعون) وعاقبة طغيانه النار، وهنا ذُكر طاغيةٍ آخرمتكبّر من طغاة مكّة.

الخلفية

كان عبدُ الله بن أمّ مكتوم رضي الله عنه صحابيًا جليلًا قديمَ الإسلام، ضريرًا. وأمّه عاتكة بنت عبد الله المخزومية—المعروفة بأمّ مكتوم—خالةُ أمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها. وقد كان الشاب ابن أمّ مكتوم كثيرَ التردّد على النبي ﷺ، مشتغلًا بحفظ القرآن وتعليمه، ويخرج للدعوة بين الناس. وفي يومٍ قصد رجلًا من كفّار مكّة معروفًا بمخالطة الأغنياء، لا يلتفت لنصيحة الداعي إلى الحق. ويُرجّح أنّ ابن أمّ مكتوم قصده للدعوة. فلمّا حضر، استقبح ذلك الرجل مجيئه بسبب عماه، فتقطّب وجهه وأعرض عنه وانصرف. فذمّ الله هذا المتكبّر، وبيّن عمى بصيرته، ووبّخه على تملّقه لأهل المال.

ولا يذكر القرآن اسم ذلك المتكبّر، إذ القرآن كتاب هدايةٍ وإصلاح؛ يذكر الأسماء حيث تقتضي الحكمة، ويكتفي بالصفات حيث لا حاجة لذكر الأسماء.

قال تعالى:

عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى  أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى  فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى  وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى  وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ  فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾

بيان الآيات

﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾

التعريف يدلّ على شخص معيّن، وليس في المهاجرين الأوّلين أعمى غير ابن أمّ مكتوم رضي الله عنه، لذا حمله المفسّرون عليه. والذي يأتي طالبًا اللقاء يُعدّ ضيفًا، وسوءُ معاملته فظاظةٌ ظاهرة. ولو كان في مجيئه ضررٌ متوقَّع لكان ثَمّة عذر، أمّا أن يُقابَل بالجفاء لكونه أعمى فقط فهذه خسّة. وكان الأولى إكرامه والاستماع إليه؛ فربّ صحبةٍ نافعة، وربّ كلمةٍ مُثمرة.

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾

أي: لمَ لمْ تُحسن استقباله؟ لعلّه صالحٌ فتنتفع بصحبته، أو طالبُ هدايةٍ فتفيدُه النصيحة. لكنّك أعرضت عنه لأجل عماه، بينما تلاحق الغنيّ وتُجامله، ولا يهمّك فساد سيرته.

﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾

تسعى للقائه في المجالس والأسواق، وتتعلّق به.

﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكّى﴾

غناه يحجبك عن رؤية عيوبه.

﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾

تُعرض عنه وتشتغل بغيره.

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾

القرآن نزل للناس كافة: غنيّهم وفقيرهم، صحيحهم ومعذورهم، عربيّهم وأعجميّهم. من وعاه وعمل به نال رحمة الله.

تنبيهات

  1. ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى أَوْ يَذَّكَّرُ﴾:  أو للتنويع؛ فالآتي إمّا نافعٌ بصحبته، أو منتفعٌ بالنصيحة، أو مُضرّ. وكان معلومًا أنّ الأعمى ليس من القسم الثالث، فكان مقتضى العقل والمروئة إكرامه.
  2. الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ مؤنّث عائد على الآيات، وفي ﴿ذَكَرَهُ﴾ مذكّر عائد على القرآن؛ إذ الموعظة تقع بآيات، والمطلوب استذكار القرآن كلّه.

مناقشة الرأي المشهور

ذهب جمهور المتقدّمين والمتأخّرين إلى أنّ الفاعل في "عبس وتولى "هو النبي ﷺ اعتمادًا على روايةٍ اشتهرت، وخلاصتها أنّ ابن أمّ مكتوم جاء النبي ذات يوم وكان مشتغلا في الحديث مع بعض أشراف مكة، فقطع على النبي ﷺ حديثه مع أشراف قريش، فكره ذلك فعبس النبي صلى الله عليه وسلم ونزل الوحي زاجراًله على ماصدرمنه من عبوس الوجه إلى الأعمي. غير أنّ هذه الرواية غير ثابتة؛ لم يخرجها البخاري ولا مسلم ولا أبو داود ولا النسائي ولا ابن ماجة، وإنما أخرجها الترمذي مع التصريح بالاضطراب في إسنادها؛ ذكر بعض الرواة أن هذا القول هو من كلام التابعي عروة بن الزبير، بينما نسبه آخرون إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وقد أخرج الترمذي هذا الخبر بلفظه فقال:

عن عائشة قالت: نزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى. أتى رسولَ الله ﷺ فجعل يقول: يا رسولَ الله، أرشدني. وكان عند رسول الله ﷺ رجلٌ من عظماء المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يُعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول: «أترى بما أقول بأسًا؟» فيقول: لا. ففي هذا نزلت…

ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وروى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه قال: نزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه عائشة.
(سنن الترمذي، ج 2، أبواب التفسير، سورة عبس)

كما هو واضح للناظرين، تذكر هذه الرواية أن النبي ﷺ كان مشغولًا بالكلام مع أحد المشركين من ذوي المال والنفوذ، وأن هذا المشرك كان متأثرًا بموعظة النبي ﷺ.

وهنا يبرز سؤال عقلي مباشر:

لو صحّ هذا الحدث، فأين محل العتاب الحقيقي؟ أليس الأولى باللوم – بحسب هذا التصوير – هو ابن أم مكتوم لا غيره؟ حتى الإمام الرازي قد أثارهذا السؤال.

فالآية تقول بوضوح: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ ثم يخاطب الله تعالى هذا العابس المتولي بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾

أي أن الخطاب موجَّه إلى من عبس وتولى، وبيَّن له قصور نظره. ثم إن مقاطعة الواعظ أثناء دعوته، والتدخل بينه وبين من جاءه طالبًا للهداية، هو تصرّف فظّ لا يليق، خاصة إذا كان النبي ﷺ منشغلًا بالتبليغ. وكان الأولى بابن أم مكتوم – لو صحّ المشهد – أن يصبر حتى يفرغ النبي ﷺ ثم يطلب التعليم.

وفي رواية الترمذي أصلًا لا ذِكر إلا لرجلٍ واحد من المشركين، لكن بعض الناس أضافوا من عند أنفسهم:أبا جهل، وعتبة بن ربيعة، وأُبيّ بن خلف، بل وأضاف بعضهم في المجلس العباس بن عبد المطلب!

وقد روى ابن جرير الطبري هذا الخبر بإسناده:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس. (تفسير الطبري – سورة عبس)

غير أن هذا الإسناد ظلّ عند أهل العلم لغزًا مظلمًا لا حل له. وقد أكثر ابن جرير من الروايات بهذا السند، حتى لم يجد العلماء وصفًا له أدق من قولهم: "إسناد مظلم"(۱) يقول محقق كتاب الإمام أبي بکر ابن العربیي العواصم من القواصم عن هذا الإسناد:

إسناد: حدثني محمدبن سعد قال ثني عمي قال ثني أبي عن أبیه عن ابن عباس، یجهل علماء الجرح والتعدیل أسماء أکثرهم فضلاعن أن یعرفوا شیئا من أحوالهم، العواصم من القواصم تحقیق محب الدین الخطیب المطبعة السلفیة  القاہرة 1371 هجرية)

وقد سألتُ عددًا من كبار أهل العلم في زماني عن هذا الإسناد، فلم يكن عند أحد منهم جواب شافٍ. ومع ذلك، بنى كثير من المفسرين تفاسيرهم على هذه الرواية الواهية.

وصدق القائل:

حقیقت خرافات میں کھو گئی

یہ اُمّت روایات میں کھو گئی

"هذه الأمة ضاعت في الروايات وضاعت الحقيقة في الخرافات."

(3) كما أن تفسيرهم لقوله تعالى:

﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَة مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَة بِأَيْدِي سَفَرَة كِرَامٍ بَرَرَة﴾

جاء عجيبًا وغريبًا أيضا وأغرب ما قيل في ذلك ما كتبه أبو الأعلى المودودي، حيث قال:

"السَّفَرة هم الملائكة الذين كانوا يكتبون القرآن في تلك الصحف مباشرةً بإرشاد الله، ويحفظونها، ثم يسلّمونها للنبي ﷺ كما هي."

(تفهم القرآن – سورة عبس، حاشية 6)

وهنا سؤال منطقي بسيط: هل كان القرآن ينزل على النبي ﷺ مكتوبًا في صحف؟
وأين ذهبت تلك الصحف التي كتبها الملائكة؟ ولماذا لم يُرِ النبي ﷺ أحدًا منها قط؟

الواقع المشاهد أن القرآن يُزكّي النفوس، ويُطهّر من الذنوب، ويُصلح العقائد، ويصنع إنسانًا مستقيمًا. وقد ذمّ الله تعالى من يُعرض عن هذا التأثير. فكيف يُعقل أن يكون المخاطَب بالذم هو رسول الله ﷺ؟

4- والحق أن هذه الرواية وحدها هي التي دفعت بعض الناس إلى هذا الفهم الخاطئ، ولولاها لما خطر ببال أحد أصلًا أن يُسند هذا العتاب إلى النبي ﷺ. لقد كانت هذه الرواية حاجزًا ذهنيًا منع من فهم الآيات على وجهها الصحيح.

وأرى أن فاعل عبس وتولى هو رجل كافر، لا النبي ﷺ. وقد سُررتُ حين علمت أن هذا الرأي قال به عالم كبير قبل قرون.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:

"لم يختلف السلف في أن فاعل عبس هو النبي ﷺ، وأغرَبَ الداودي فقال: هو الكافر." (فتح الباري، تفسير سورة عبس، ج 9، ص 521 – ط. مصر)

وليت ابن حجر نقل كلام الداودي كاملًا…"

ـــــــــــــــــــــــــ