استقبال شهر رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
إن الله سبحانه وتعالى منّ على عباده في هذه الحياة القصيرة بمواسم عظيمة تتضاعف فيها الأجور، وترفع بها الدرجات، وجعل فيها فرصًا ثمينة للتقرب إليه، وجبر ما فات من تقصير. ومن أعظم هذه المواسم وأجلّها شهر رمضان المبارك، الذي تفيض فيه الطاعات، وتتنوّع فيه أبواب الخير، وتتهيأ النفوس للإقبال على الله بالعبادة والإنابة.
وقد اختصّ الله تعالى شهر رمضان بفضائل عظيمة وخصائص جليلة؛ فهو شهر نزول القرآن، وشهر الجود والإحسان، وموسم التوبة والمغفرة والعتق من النيران. وفيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفّد الشياطين، كما شرّفه الله بليلة مباركة هي خير من ألف شهر، فكان رمضان مدرسة إيمانية متكاملة، وميدانًا عظيمًا للتزود بالتقوى والعمل الصالح.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة." ١
مرحبًا بالمطهّر !
بعد أيام قليلة، سيأتي شهر رمضان ليمنح القلوب الصفاء، والنفوس النور، والضمائر النقاء، بعدما أرهقتها مشاغل الحياة ومتاعب الدنيا. فيأتي رمضان ليعيد لها الحياة، ويوقظها من الغفلة. كان سلفنا الصالح يتمنون بلوغ رمضان، ويستقبلونه بفرح وشوق، ويعتبرونه فرصة عظيمة للتوبة والطاعة. وكانوا يهنؤن بعضهم البعض عند قدوم رمضان قائلين:
"مرحبًا بالمطهّر"
لأن رمضان يطهّر القلوب، وينقي النفوس، ويمحو الذنوب.
رمضان في حياة رسول الله ﷺ
رمضان شهر مليء بالخيرات والبركات، اختصه الله بفضائل عظيمة، منها أنه الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم، كما قال الله تعالى:
﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ﴾ ٢
وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان، فقد قال:
"أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم." ٣
وقد صام النبي ﷺ رمضان تسع سنوات، حيث فُرض الصيام في شعبان من السنة الثانية للهجرة، وظل يصومه حتى وفاته في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة. وكان رمضان عند النبي ﷺ مختلفًا عن باقي الشهور، فقد كان يجتهد فيه بالعبادة والطاعة أكثر من أي وقت آخر، رغم أنه ﷺ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه كان أعظم الناس عبادة واجتهادًا، لما في رمضان من فضل كبير وكرم إلهي عظيم. كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وقد أثنى الله تعالى عليه بقوله:
﴿وإنّك لعلى خلق عظيم ﴾ ٤
وقد حذّر النبي ﷺ من سوء الأخلاق بوجه عام، وأكّد على ضرورة التحلّي بحسن الخلق على وجه الخصوص في شهر رمضان؛ إذ إن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تهذيب للنفس وضبطٌ للسلوك. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
"الصيام جُنّة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم." ٥
كما بيّن النبي ﷺ أن الصيام الحقيقي لا يكتمل إلا بترك القول السيئ والعمل الباطل، فقال:
"من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه." ٦
كان رسول الله ﷺ شديد الكرم في رمضان، فكان يضاعف صدقاته على الفقراء والمساكين أكثر من أي وقت آخر. وقد وصفه الصحابة رضي الله عنهم في عطائه خلال رمضان بأنه كالريح المرسلة، دلالة على كثرة إنفاقه وسرعته في مواساة المحتاجين في هذا الشهر المبارك. كان النبي ﷺ يكرّس وقته في رمضان لتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والصدقة، والصيام، وكان يقلل من طعامه، منشغلًا بالعبادة والتقرب إلى الله.
كان النبي ﷺ أحسن الناس معاملة، ويتضاعف ذلك في رمضان. كان أجود بالخير من الريح المرسلة، يعفو عن المسيئين، ويتعامل بلين ورفق. حث على إطعام الطعام وفطر الصائمين، وكان متواضعًا، صبورًا، وحسن الخلق، يوصي بعدم الرد على الإساءة أثناء الصيام.
خصوصية شهر رمضان مع القرآن
عند الحديث عن رمضان، يركز الكثيرون على كونه شهر الصيام والامتناع عن الطعام والشراب، لكن الله عرّفه بشيء أعظم، وهو أنه شهر نزول القرآن. فقد جعله الله ظرفًا زمانيًا لاستقبال أعظم هدية للبشرية، وهي القرآن الكريم، الذي لا يضاهيه أي عطاء آخر. لذلك، يتميز رمضان بعلاقة خاصة مع القرآن، حيث ينبغي أن يكون حاضرًا بقوة في هذا الشهر المبارك. فكما أن المسلم مدعو للارتباط بالقرآن طوال حياته، فإن رمضان فرصة عظيمة لتعزيز هذه المصاحبة. وقد كان النبي ﷺ يراجع القرآن مع جبريل عليه السلام في كل ليلة من رمضان، كما ورد في حديث سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنه. وفي السنة الأخيرة من عمره، عارضه جبريل القرآن مرتين، فأخبر النبي ﷺ ابنته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها بذلك، مشيرًا إلى قرب أجله، فبكت. ثم أخبرها بأنها ستكون أول أهله لحوقًا به، ففرحت، وتوفيت بعده بستة أشهر. يظهر هذا الحديث مدى أهمية القرآن في رمضان، حيث كان النبي ﷺ يحرص على مراجعته وتلاوته، مما يجعل هذا الشهر فرصة عظيمة لمضاعفة الاهتمام بالقرآن.كان الإمام مالك عليه الرحمة إذا دخل رمضان يترك تدريس الحديث ومجالسة العلماء، ويتفرغ لقراءة القرآن. وكان سلفنا الصالح يقولون:
"رمضان هو شهر قراءة القرآن وإطعام الطعام."
لذلك، ينبغي للمسلم أن يقتدي بالنبي ﷺ، فيحرص على تلاوة القرآن في هذا الشهر المبارك.
قيام الليل والاعتكاف
قيام الليل في رمضان من العبادات العظيمة التي أكد عليها النبي ﷺ، حيث قال:
"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه." ٧
كان النبي ﷺ يصلي إحدى عشرة ركعة في قيام الليل، ويطيل فيها القراءة.
ويستحب الاعتكاف في رمضان وفي غيره من أيام السنة، لكنه يكون أكثر فضلًا في رمضان، فقد كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك حتى وفاته. وكان أحد أسباب اعتكافه ﷺ تحري ليلة القدر، حيث قالت عائشة رضي الله عنها:
"كان رسول الله ﷺ يقول : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان." ٨
وهذه الليلة عظيمة، فقد جعل الله العمل فيها خيرًا من عمل ألف شهر، كما قال تعالى:
﴿ليلة القدر خير من ألف شهر ﴾ ٩
ختامًا، ينبغي لنا أن ندرك مكانة شهر رمضان ونعطيه حقه، فنغتنم أيامه ولياليه بالعبادة والطاعة، لعلنا ننال رضا الله وسعادتي الدنيا والآخرة. وما أحوجنا إلى الاقتداء بنبينا ﷺ في عبادته وسيرته، فإن لم نبلغ منزلته، فعلينا أن نجتهد ونسير على هديه، لأن النجاة في اتباعه، والفلاح في الاقتداء به. وقد قال الله تعالى:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾١٠
مما يؤكّد أن اتباعه هو الطريق إلى الخير والنجاح.
نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في شعبان، وأن يبلّغنا شهر رمضان، وأن يوفّقنا فيه للصيام والقيام وتلاوة القرآن، وأن يجعلنا من الذين يحسنون اغتنام أيامه ولياليه، ويقضونه على هدي رسوله ﷺ في الطاعة والعبادة وحسن الخلق. آمين
المصادر:
١- أخرجه الترمذي، رقم: ٦٨٢، وابن ماجه، رقم: ١٦٤٢
٢- البقرة: ١٨٥
٣- رواه أحمد، رقم: ٧١٤٨ والنسائي، رقم: ٢١٠٦
٤- القلم: ٤
٥- رواه البخاري، رقم: ١٨٩٤، ومسلم، رقم: ١١٥١
٦- أخرجه البخاري، رقم: ١٩٠٣، وأبو داود، رقم: ٢٣٦٢
٧- رواه البخاري، رقم: ٣٧ ومسلم، رقم: ٧٥٩
٨- رواه البخاري، رقم: ٢٠٢٠
٩- القدر : ٣
١٠- الأحزاب: ٢١
