انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(الحلقة العاشرة)
ويفسره الأستاذ غامدي بما يلي:
"فلم تكونوا أنتم الذين قتلتموهم في هذه المعركة، بل الله هو الذي قتلهم، وما كنتَ – أيها النبي – أنت الذي رميتَ حين رميتَ، بل الله هو الذي رمى؛ وذلك ليُظهر آياته، وليمنح المؤمنين من عنده عطاءً حسنًا. إن الله سميع عليم."
وقد وضع الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي عنوانًا لتوضيح هذا المقام هو:
"معجزات اليد الغيبية الخارجة من كمِّ النبي ﷺ"، ثم كتب تحت هذا العنوان:
"إنَّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ موجَّه إلى عموم المسلمين، وأمّا قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ فالخطاب فيه موجَّه إلى رسول الله ﷺ، ولذلك وقع الفرق بين صيغة الجمع وصيغة المفرد في الموضعين.
وكلمة الرمي في العربية تُستعمل للرمي بالسهام، وإلقاء الحصى والحجارة، وكذلك لنثر التراب أو الرماد.
وقد ورد في الروايات أنه لما تواجهت جيوش الكفار، أخذ رسول الله ﷺ قبضةً من تراب الأرض، وقال : "شاهت الوجوه"، ثم رماها في وجوه الكفار.
وتعبير "شاهت الوجوه" في العربية هي جملة لعن، كما أن نثر التراب على شخصٍ ما كان منذ أقدم العصور أسلوبًا من أساليب اللعن.
وقد ورد ذكر هذا الأسلوب في التوراة أيضًا، وتدل عليه كذلك الروايات العربية. وقد أشار المولانا الفراهي إلى شواهد ذلك في تفسير سورة الفيل.
وينبغي هنا الالتفات إلى أسلوب لغوي مهم، وهو أن نفي الفعل في بعض المواضع لا يُقصد به نفي نفس الفعل، وإنما نفي نسبة تلك النتائج العظيمة التي ظهرت من خلاله.
فكونُ جماعةٍ قليلةٍ من المسلمين العُزَّل تمكَّنت من سحق جيش قريش المدرَّع سحقًا تامًّا، أو تحوُّلُ قبضةٍ يسيرة من التراب رماها النبي ﷺ بيده المباركة إلى عاصفةٍ عمياء أوقعت الغبار في عيون جميع الكفار—
لم يكن ذلك من إنجاز سيوف المسلمين البالية، ولا من أثر رمية النبي ﷺ في حدِّ ذاتها،
بل كان كل ذلك من أعمال تلك اليد الغيبية التي كانت مستترة في أغماد المسلمين، ومخفية في أكمام نبي العالم ﷺ." (تدبر القرآن، ج 3، ص 451)
وعَدّ معجزاتُ الرسالة المحمديّة ﷺ مثالًا بارزةً على ذلك، ومن أبرزها الإخبارات الغيبية التي أنزلها الله تعالى، وجرت على لسان النبي ﷺ إعلانًا وتبشيرًا. وقد ورد ذكرُ بعضِ هذه الإخبارات في القرآن الكريم، ونُقلت بعضُها الآخر في الروايات.
فقد أخبر النبي ﷺ—قبل وقوعها بزمنٍ طويل—عن أحداثٍ عظيمةٍ لم تكن متوقَّعة بحسب الموازين الظاهرة، مثل غلبته ﷺ في أرض العرب، وفتحِ أمِّ القرى مكة، ودخولِ الناس في دين الله أفواجًا.
ومن هذا القبيل أيضًا النبوءة بعودة انتصار الروم بعد هزيمتهم على يد الفرس، وهي نبوءةٌ كانت—حين أُعلنت—بعيدةً عن الوهم والاحتمال، وخارجةً عن دائرة الأمل الإنساني المعتاد.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بقوله تعالى:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بِنَصۡرِ اللّٰہِ ؕ یَنۡصُرُ مَنۡ یَّشَآءُ ؕ وَ هُوَ الۡعَزِیۡزُ الرَّحِیۡمُ ۙ. وَعۡدَ اللّٰہِ ؕ لَا یُخۡلِفُ اللّٰہُ وَعۡدَہٗ وَ لٰکِنَّ اَکۡثَرَ النَّاسِ لَا یَعۡلَمُوۡنَ. (الروم 30: 2 -6)
وقد عرض أستاذنا الفاضل تفاصيل هذا الحدث بهذه العبارات: إحالةً إلى المؤرخ الروماني الكبيرايدورد غبن صاحب كتاب انحطاط روما )
في الحقيقة وردت في القرآن عبارة ﴿أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، والمقصود بها هنا أرض الشام وفلسطين، وهي المنطقة الأقرب جغرافيًا إلى جزيرة العرب. وعندما وُلد النبي ﷺ، كان العالم تحكمه قوتان عظميان: الإمبراطورية الرومانية المسيحية، والإمبراطورية الفارسية المجوسية، وكانت المنافسة والصراع بينهما في حالة دائمة.
وفي سنة 603م، اتخذت فارس من قمع تمردٍ ذريعةً فشنّت هجومًا على الدولة الرومانية، ثم توالت الهزائم على الروم، حتى إنه بحلول سنة 616 م سقطت القدس، ومعها جزء كبير من القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، في قبضة الفرس. وكان ذلك في السنة السادسة أو السابعة من بعثة رسول الله ﷺ.
وقد ورد هذا الإخبار القرآني ما بين سنتي 617 م و620 م. ويذكر إدوارد جيبون، مؤلف كتاب انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية، أن هذه النبوءة، في الزمن الذي أُعلنت فيه، كانت من أبعد الأخبار احتمالًا للتحقق؛ إذ إن السنوات الاثنتي عشرة الأولى من حكم الإمبراطور هرقل كانت توحي بانهيار الدولة الرومانية بالكامل.
ومع ذلك، صرّح القرآن بوضوح أن هذا التحول سيقع خلال مدة قصيرة، لا تتجاوز عقدًا واحدًا (بِضْعِ سِنِينَ). وفعلاً، تحققت هذه النبوءة كما أُعلن عنها تمامًا، ففي مارس سنة 628م عاد الإمبراطور الروماني إلى القسطنطينية في مشهد مهيب، تجر عربته أربعة أفيال، وكان الناس بأعداد هائلة ينتظرون خارج عاصمة الإمبراطورية، يحملون المصابيح وأغصان الزيتون، لاستقبال بطلهم المنتصر.
بهذا التحديد الصريح، وبهذا الأسلوب القاطع، قُدِّمت هذه النبوءة دليلاً على صدق رسالة النبي ﷺ. وتُبيِّن الروايات أن المسلمين، بسبب القرب الديني من المسيحيين، وبسبب دعوة القرآن، وبسبب تعامل المسيحيين مع المسلمين—ولا سيما في الحبشة—كانوا يميلون إليهم بطبيعتهم ويتعاطفون معهم. فطمأنهم القرآن بألا يحزنوا، مؤكِّداً أن إخوانهم من أهل الكتاب سيحرزون الغَلَبة قريباً، وأن هذه النبوءة ستغدو برهاناً عظيماً على النبوة التي آمنوا بها؛ إذ لا يستطيع أحد، سوى الله، أن يُخبر عن المستقبل بمثل هذه الصراحة والحَتمية. (البيان 4 / 43–44)
(للحديث صلة ...)
