دور الدعوة والداعية
(الحلقة الرابعة)
القرن العشرون والتحوّل السياسي
مع انهيار الإمبراطوريات الإسلامية (المغولية والعثمانية) وبروز الغرب كقوة مهيمنة، وجد المسلمون أنفسهم أمام تحدٍ سياسي. في الوقت نفسه انتشر الفكر الماركسي وتفسيره المادي للتاريخ. فتأثر بعض المفكرين المسلمين بذلك، وسعوا إلى إعادة تقديم الإسلام كأيديولوجيا سياسية.
أبرز هؤلاء:
- سيد قطب في مصر (ت 1966م).
- أبو الأعلى المودودي في الهند (ت 1979م).
فانتشر "التفسير السياسي للإسلام" بسرعة، ونشأت على أساسه جماعات ومؤسسات وحركات، كان هدفها الاستيلاء على السلطة لإقامة "النظام الإسلامي".
لكن رغم التضحيات، لم ينجحوا في الوصول إلى غايتهم، بل انقسم المسلمون إلى فريقين: حاكم ومستأثر بالسلطة، وآخر معارض محروم منها. ثم تطورت عقلية العداء إلى مواجهة مزدوجة: ضد الحكام وضد الغرب، ومع الوقت انبثق منها العنف والإرهاب، وصولاً إلى ظاهرة التفجيرات الانتحارية في القرن الحادي والعشرين.
الحاجة إلى مشروع جديد
هذه النتائج تثبت أن الحل لا يكمن في ردود الفعل أو في الانغماس في الصراع السياسي، بل في إعادة بناء الفكر الإسلامي على أساس الدعوة والاجتهاد.
المطلوب اليوم:
أ- أن نعتبر الكتب القديمة ذات الطابع السياسي مجرد "تراث كلاسيكي" نرجع إليه لفهم الماضي، لا كمرجع للعمل في الحاضر.
ب- أن نؤسس لكتابات جديدة تُعيد قراءة القرآن والسنة في ضوء ظروف العصر.
ج- أن يكون الفكر الإسلامي الجديد إنسانياً (man-oriented) لا "قومياً / طائفياً"، قائماً على "نحن ونحن" لا "نحن وهم".
الخلاصة
الإسلام دين دعوة وخير للناس، لكن التاريخ المكتوب جعل صورته صورة سياسية صِراعية. نهضة الأمة لن تتحقق إلا بانتقال الفكر الإسلامي من الذهنية السياسية إلى الذهنية الدعوية، ومن عقلية الصراع إلى عقلية النصيحة والخير للإنسانية جمعاء.
عهد الشباب
رُويت في كتب الحديث رواية جاء في مطلعها – كما عند البخاري:
"يأتي في آخر الزمان قومٌ حُدَثاءُ الأسنان، سُفَهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".
(صحيح البخاري، رقم الحديث 3611)
ومعناها: في الأزمنة المتأخرة ستظهر جماعة من الناس، صغار السن، ضعيفو العقل، يتكلمون بكلام حسن، لكنهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية.
هذه الرواية تشير إلى ظاهرة خطيرة، وتعرض صورة متطرفة منها. لكن بعيداً عن خصوص الظاهرة، يمكن أن نستخلص منها قاعدة فطرية عامّة، وهي: أنّ الإنسان في عهد شبابه يكون غير ناضج من حيث العقل والتجربة، ولذلك فإنّ الآراء التي يُظهرها في مرحلة النضج بعد اكتمال تجربته أوثق وأجدر بالاعتبار.
والقرآن يؤكد هذه القاعدة. فقد أخبرنا أن موسى عليه السلام في فترة شبابه ارتكب خطأً حين وكز قبطياً فقتله (القصص: 15). لكن نبوته لم تُعطَ له في تلك المرحلة، بل بعد أن بلغ سنّ الرشد والنضج، لأنه بصفته رسولاً كان عليه أن يخاطب فرعون ومن حوله بـ «قولٍ ليّن» (طه: 44).
ومن هنا تساعدنا هذه الأحاديث على فهم جانب من تاريخ المسلمين؛ إذ إنّ الفكر الإسلامي في مراحله المتأخرة اتجه شيئاً فشيئاً نحو الغلوّ والتشدّد، وهو ما وصفته الأحاديث بكلمة "الغُلوّ" (ابن ماجة، رقم الحديث 3029). والسبب النفسي الكامن وراء ذلك أنّ كثيراً من المفكرين الذين صار لهم تأثير واسع في الأمة، كانوا قد صاغوا أفكارهم في عهد شبابهم قبل أن يبلغوا مرحلة النضج. ومثال ذلك: ابن تيمية، محمد بن عبدالوهاب النجدي، وسيد أبو الأعلى المودودي.
في عهد الشباب يغلب على الإنسان الحماس والاندفاع، فينعكس ذلك في فكره على صورة تطرف ومبالغة، فيغلب عنده خطاب التشدد لا خطاب الاعتدال. ثم مع مرور الزمن تُقدَّس تلك الأفكار وتُنشَر على أنها تمثل الحقيقة النهائية، فيتعامل الناس معها من غير مراجعة ولا نقد.
خذ مثلاً ابن تيمية: في شبابه وقعت حادثة في الشام، إذ أساء نصراني إلى النبي ﷺ، فاعتُبر الأمر قضية سبّ للنبي. عندها ألّف ابن تيمية كتابه الضخم" الصارم المسلول على شاتم الرسول"(البدایة والنهایة، ج 13، ص 335-336)، وقرّر فيه أنّ عقوبة من يسبّ الرسول هي القتل. ولو أنه كان حينها في مرحلة أكثر نضجاً، لربما اتخذ موقفاً آخر: يجلس مع ذلك النصراني، ويخاطبه بلطف، ويكتب كتاباً يوضح فيه أنّ هذه الإساءات غالباً وليدة سوء فهم، وأنّ المطلوب هو الدعوة بالحكمة، والعمل الدعوي السلمي لإزالة اللبس.
ومثل ذلك ما حصل مع سيد أبو الأعلى المودودي؛ فقد ألّف كتابه" الجهاد في الإسلام" في شبابه، فكتب بحماسة واندفاع نصاً يركّز على الجهاد بمعنى القتال. لكن لو أنه كتب في مرحلة متقدمة من العمر، لربما ألّف كتاباً بعنوان" الدعوة إلى الله"، يوضح فيه أهمية الدعوة السلمية، ويحث المسلمين على التخطيط لعملهم وفق هذا المنهج.
وهذا ينطبق على غيرهما من المفكرين المسلمين أيضاً. والنتيجة: أن السبيل الأمثل لفهم الإسلام هو الرجوع المباشر إلى القرآن والسنة، لا الاكتفاء بالكتب التي ألّفها مفكرون في عهود شبابهم ثم تحولت لاحقاً إلى نصوص مقدسة في نظر الناس
