logo
أخرى

قانون الشهادة

قانون الشهادة

(الحلقة الثانية والأخيرة)

غير أن الاستدلال بهذه الآية، في نظرنا، محل نظر من وجهين اثنين:

أولًا: هذه الآية لا تتعلق أصلًا بالشهادة على الوقائع والأحداث، وإنما تتعلق بالشهادة التحفظية التوثيقية، أي الشهادة على الوثائق والمعاملات. والفرق بين هذين النوعين من الشهادة واضح تمامًا لكل عاقل. ففي الشهادة التوثيقية (كالديون والعقود)، نحن من نختار الشهود، لأننا ندون العقد بإرادتنا ونطلب ممن نثق بهم أن يشهدوا عليه. أما في الشهادة على الوقائع (كالزنا، والقتل، والسرقة، ونحوها)، فالشاهد يكون حاضرًا في موقع الحدث بمحض الصدفة وليس باختيار أحد. وبالتالي، لا يصح قياس أحد النوعين على الآخر، لأن طبيعة كل منهما مختلفة تمامًا.

ثانيًا: إن السياق والأسلوب الذي جاءت به الآية لا يدل على أنها تشريع قضائي يطلب فيه من القاضي أن يستند إلى هذا العدد من الشهود في حكمه.

فالخطاب موجه للمتعاملين بالدين والبيع الآجل، لا إلى القضاة أو إلى أجهزة القضاء. والغرض من الآية هو إرشاد الناس إلى أسلوب يجنبهم الوقوع في النزاعات والخلافات، من خلال توثيق معاملاتهم بشهادة أشخاص موثوقين، يشهد لهم بالصلاح والعدالة والكفاءة في أداء الشهادة. ولهذا نصّت الآية على أن الشهود يجب أن يكونوا "ممن ترضون من الشهداء"، أي ممن يتصفون بالأمانة والقدرة على أداء الشهادة بشكل دقيق. ولذلك جاءت التوصية بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، حتى إذا نسيت إحداهما أو أخطأت، أعانتها الأخرى على التذكّر. وهذا المعنى واضح من قول الله تعالى:’أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ‘.

وهذا لا يعني أبدًا، كما هو واضح، أن القضاء لا يقضي في أي دعوى إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين؛ بل هي توصية اجتماعية ٣ تهدف إلى التحصين الوقائي من الخلافات والنزاعات، ولا تعد معيارًا قضائيًا ملزمًا للحكم. ولذلك، فإن جميع التعليمات التي وردت في هذا السياق وصفها القرآن بقوله:

﴿ ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللہِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (البقرة: ٢٨٢)

وقد علّق ابن القيم على هذه الآية في كتابه إعلام الموقعين بقوله:

"فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه، لا في طريق الحكم وما يحكم به الحاكم، فإن هذا شيء، وذاك شيء آخر."

(إعلام الموقعين، ١  /١٣٢)

في هذا العصر، حاول بعض الناس دعم موقف الفقهاء بشأن الشهادة استنادًا إلى الآيتين: الآية الرابعة من سورة النور، والآية الخامسة عشرة من سورة النساء، حيث ورد فيهما التعبير: "أربعة شهداء" و"أربعة منكم".

وقد نسجت حجّة هؤلاء على النحو التالي:

بما أن كلمة "أربعة" مؤنثة، وكان يجب وفق قواعد اللغة العربية أن يكون المعدود مذكرًا، فإن المقصود بـ"أربعة شهداء" هم أربعة رجال دون النساء. وهذه على ظاهرها تبدو حجة لغوية، لكنها في الحقيقة من أغرب ما يمكن أن يقال في ميدان العلم والاستدلال، إذ إنها بعيدة كل البعد عن قواعد اللغة العربية الصحيحة، بل تكاد تكون أجنبية عنها تمامًا. فكل من له دراية بلغة العرب يعلم أن القاعدة ليست كما صوّرها أصحاب هذا الرأي، بل إن من قواعد اللغة أيضًا: إذا كان الاسم المعدود مما يستعمل للمذكر والمؤنث معًا، فإن العدد قبله يأتي مؤنثًا أيضًا. فانظر مثلًا إلى ما ورد في سورة الأنعام:

﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...﴾ (الأنعام: ١٤٣)

كلمة "أزواج" هنا، ورغم أنها مذكرة، جاء العدد قبلها مؤنثًا: "ثمانية"،

وذلك لأن الكلمة تطلق على الذكر والأنثى. وكذلك جاء في سورة المجادلة:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ...﴾ (المجادلة: ٧)

العدد "ثلاثة" و"خمسة" هنا مؤنثان، رغم أن المعدود المحذوف بقرينة السياق هو "نفر"، وهي كلمة تستخدم للمذكر والمؤنث على السواء.

ومن السنة النبوية نجد أمثلة على هذا النمط من التعبير:

١- "طعام الاثنين يكفي الأربعة"٤

٢- "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان" ٥

٣- "ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا وجبت له الجنة" ٦

٤- "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ..." ٧

ففي هذه الأحاديث أيضًا، استخدم العدد المؤنث رغم أن المعدود قد يكون مذكرًا أو مشتركًا. فهل يمكن لأحد أن يدّعي، وهو يفهم أساليب العربية، أن المقصود من هذه الأعداد هم الرجال فقط دون النساء؟! قطعًا لا.

أما الدليل الثاني الذي يستند إليه بعضهم، فهو ما ورد في الآية ٢٨٢ من سورة البقرة ٨، حيث ذكر أن المرأة قد تنسى أو تضطرب أثناء الشهادة، فيرون أن شهادتها تحيطها شبهة، ولذلك، وفقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم:

"ادرؤوا الحدود بالشبهات"٩، لا يمكن أن تبنى على شهادتها حدود، بل تعزيرات فقط. وهذه الحجة، إذا تمعنا فيها، نجدها خالصة البطلان:

أولًا: لأن المرأة إذا اضطربت أثناء الشهادة، ووجد القاضي أن هذا الاضطراب أثّر على قوتها، فللقاضي حينها أن يرفض تلك الشهادة في القضية المعروضة. لكن كيف يستنتج من ذلك أن القانون يجب أن يقيد دائمًا وأبدًا بعدم قبول شهادة النساء؟! نعم، يوجد احتمال أن تضطرب المرأة أثناء الشهادة، وهذا لا ننكره. ولكن هل هذا الاحتمال حتمي؟ بالطبع لا. فقد تدلي المرأة بشهادتها بكل ثقة ووضوح، دون أي تردد. والقرآن حين قال ذلك، قاله على سبيل الاحتمال لا القطع، بقوله: ’أن تضل إحداهما‘، ولم يقل إنها ستضل حتمًا.

فكيف يجوز إذًا تحويل احتمال ظني إلى قاعدة تشريعية قطعية تمنع بها شهادات النساء؟

ثانيًا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، لا يفهم منه أن الحد فقط هو ما يدرأ، أما التعزير فلا. بل المقصود أن العقوبة مطلقًا تدرأ بالشبهة، أي أنه إذا وجد الشك، فالجريمة لم تثبت، وبالتالي لا توقع أي عقوبة، لا حد ولا تعزير. وهنا تظهر تناقضات القائلين:

فإن قالوا إن شهادة المرأة تثبت بها الجريمة لكن لا يوقع بها الحد، بل التعزير، فهم بذلك يقرّون بثبوت الجريمة، فينبغي وفق منطقهم إقامة الحد. وإن قالوا إن الشبهة في شهادتها باقية، أي أن الجريمة لم تثبت يقينًا، فكيف يطبق التعزير؟

وعلى أي أساس يعاقب المتهم؟ إن الجريمة لا تثبت بنسبة تسعين أو تسعة وتسعين في المئة، بل إما أن تثبت مئة في المئة، أو لا تثبت أصلًا. وليس هناك منزلة بين المنزلتين في إثبات الجرم. نعم، يمكن أن تختلف العقوبة باختلاف نوع الجريمة أو ظروف الجاني، لكن لا يصح أبدًا أن يكون مستوى ثبوت الجريمة هو معيار التفرقة بين الحد والتعزير. فالعقل السليم يرفض ذلك بشدة، والفطرة الإنسانية تأباه تمامًا.

[١٩٨٧م  ]

الهوامش:

٣- فانظروا، كما هو الحال مع سائر أحكام القرآن، فإن هذا التوجيه أيضًا يتوافق مع الفطرة؛ فالعالم اليوم يشهد يوميًا كتابة ملايين الوثائق، ومع ذلك نادرًا ما تختار النساء للشهادة، وربما لا يتجاوزن واحدة من كل ألف.

٤- الدارمي، رقم ٢٠٥٠ "طعام الاثنين يكفي الأربعة."

٥- مسلم، رقم ٥٦٩٤ "إذا كانوا ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث."

٦- الترمذي، رقم ١٠٥٩ "ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا وجبت له الجنة."

٧- أبو داود، رقم ٤٣٩٨ "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ..."

٨- هذه الآية قد وردت سابقًا في سياق هذه الدراسة.

٩- تلخيص الحبير، ابن حجر، ٤ / ٥٦ وقد ورد هذا المعنى نفسه في الترمذي، رقم ١٤٢٤، وابن ماجه، رقم ٢٥٤٥، بلفظ: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم" و"ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا".