تاريخ جمع وتدوين القرآن الكريم: دراسة نقدية
(الحلقة السادسة)
الفصل الأول
الروايات الواردة في جمع القرآن على يد أربعة أشخاص في حياة محمد ﷺ.
المحتويات
أ- المقدمة
(ب) النصوص الممثلة
(ج) تحليل التفسيرات والانتقادات
أ. المتن
ب. دلالة لفظ جمع
ج. وجود تعارض بين الروايات
د. أسلوب الحصر في الروايات
ه. الإسناد
و. الخلاصة
ط. الملاحق
أ. بعض الروايات المشابهة
ب. التعريف بأبي زيد رضي الله عنه
المقدمة
ورد في بعض الروايات أن أربعة أشخاص من الأنصار قد قاموا بجمع القرآن في حياة النبي ﷺ. وعلى الرغم من أن غالبية العلماء فسّروا لفظ "جمع" jama‘a في العربية) الوارد في هذه الروايات على أنه الحفظ عن ظهر قلب، إلا أن هناك من ذهب إلى أن المقصود به هو الجمع الكتابي للقرآن.
وسيتم في هذا الفصل تناول هذه الروايات بالتحليل وفق الترتيب الآتي:
أولًا: عرض نصوص ممثِّلة لهذه الروايات.
ثانيًا: بيان التفسيرات والانتقادات التي وُجِّهت إليها من قبل عدد من الباحثين.
ثالثًا: إخضاع تلك التفسيرات والانتقادات للتحليل والنقد العلمي.
وأخيرًا: الوصول إلى خلاصة عامة بشأن التفسير الراجح لهذه الروايات.
وفي نهاية الفصل، سيجد القارئ ملاحق تشتمل على بعض المواد ذات الصلة بالموضوع.
ب -النصوص الممثلة
تنقسم الروايات الواردة في هذا الشأن إلى فئتين:
الفئة الأولى تذكر أن أربعة أشخاص — وجميعهم من الأنصاررضي الله عنهم — قد جمعوا القرآن في حياة النبي ﷺ.
أما الفئة الثانية، فتورد ذلك بأسلوبٍ حصريّ، حيث تنصّ على أنه لم يجمع القرآن في حياة النبي ﷺ أحدٌ غير هؤلاء الأربعة من الأنصار.
الفئة الأولي: فقد جاءفيها:
"حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام حدثنا قتادة قال سألت أنس بن مالك رضي اللّٰه عنه من جمع القرآن علی عهد النبي.(92-93) قال أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد .
الفئة الثانية وجاء حديث آخرفي ذلك:
"حدثنا معلی بن أسد حدثنا عبد الله بن المثنی قال حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس بن مالك قال مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قال ونحن ورثناه.(94)
تحليل التفسيرات والانتقادات (95)
يمكن تصنيف التفسيرات والانتقادات التي قدّمها عدد من العلماء بخصوص هذه الروايات إلى نوعين:
ما يتعلّق بمتن الروايات، وما يتعلّق بأسانيدها. وسيُبحث كلٌّ منهما على حدة.
أ. متن الروايات
يمكن تصنيف التفسيرات والانتقادات المرتبطة بمتن الروايات إلى المحاور الآتية:
دلالة لفظ "جمع"
2- دعوى وجود تعارض بين الروايات
3- مسألة الأسلوب التقييدي في الروايات
دلالة لفظ "جمع"
يرى الرحماني(96) والعمادي(97) والخوئي(98) أن لفظ "جمع" الوارد في هذه الروايات يُراد به الجمع الكتابي، أي التدوين في صورة مكتوبة. أما العثماني(99)(المولود 1943م)، فمع أنه يميل إلى أن اللفظ يدل على الحفظ، فإنه يقرّ بإمكان أن يكون المقصود به الكتابة، ويرجّح أن هؤلاء الأربعة هم وحدهم الذين كتبوا القرآن كاملًا، بينما كان غيرهم إمّا حافظين له فقط أو كاتبين لبعض أجزائه دون بعض.
ولم يُفصّل أحدٌ من هؤلاء في تعليل حمل اللفظ على معنى الجمع الكتابي سوى الرحماني، ويمكن تلخيص وجوه الاستدلال له على ذلك فيما يأتي:
أولًا:
إن المعنى اللغوي الأصلي للفعل "جمع" هو الضمّ والترتيب، وهو معنى ينسجم مع الكتابة أكثر من انسجامه مع الحفظ. صحيح أن لفظ "جمع" قد يُستعمل أحيانًا بمعنى الحفظ، إلا أن هذا الاستعمال مجازي، والأصل حمل اللفظ على معناه الحقيقي ما لم توجد قرينة تصرفه عنه. ولا توجد هنا قرينة توجب العدول عن المعنى الحقيقي، بل إن حمله على معنى الحفظ يوقع في إشكال، إذ من المعلوم تاريخيًا أن حفظة القرآن كانوا كثيرين، لا محصورين في عدد محدود.
ولتوضيح المعنى الحقيقي للفظ: "جمع" يستشهد الرحماني بكلام الإمام البخاري في تفسير قوله تعالى
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾
حيث قال:
تأليف بعضه إلى بعض، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، فإذا جمعناه وألّفناه فاتبع قرآنه، أي ما جُمع فيه فاعمل بما أمرك الله وانته عما نهاك، ويقال: ليس لشعره قرآن، أي ليس فيه تأليف: ومعناه: إن المقصود بـ "جمعه" في الآية هو تأليف أجزائه وربط بعضها ببعض، لا مجرد حفظه في الصدور. وقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قرآنه) يدل على ذلك فأن السلف قد فسروه بماياتي:
أي: إذا جُمع وأُلّف ترتيبُه، فاتبع تلاوته والعمل بما فيه من أوامر ونواهٍ. ويُقال في اللغة ليس لشعره قرآن، أي ليس فيه ترتيب ولا تأليف.100
الهوامش
90- يُلاحظ أنّه إلى جانب هذه الروايات الواردة عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، توجد روايات أخرى عن عدد من الأعلام تذكر أسماء بعض الصحابة الإضافيين الذين جمعوا القرآن في حياة النبي ﷺ. وللاطلاع على مناقشة تفصيلية لهذه الروايات، انظر: الملحق (أ)
91- فتح الباري، ج 9، ص 42 هذا التفريق قد أشار إليه ابن حجر. انظر ابن حجر،.
92- يوجد خلاف بين العلماء حول الاسم الحقيقي لأبي زيد. ولمزيد من التفصيل، انظرالملحق (ب)
البخاري، الجامع الصحيح، ج 4، ص 1913، (رقم 4717). وانظر أيضًا:
93- المصدر نفسه، ج 3، ص 1386، (رقم 3599)؛ وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، الجامع الصحيح، ج 4 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت)، ص 1914، (رقم 2465)؛ والمصدر نفسه، ج 4، ص 1914، (رقم 2466)؛ و أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط، ج 2 (القاهرة: دار الحرمين، 1415هـ)، ص 150، (رقم 1542)؛ و أبو حاتم محمد بن حبان البستي، الصحيح، ط 2، ج 16 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1993م)، ص 72، (رقم 7130)؛ والترمذي، السنن، ج 5، ص 666، (رقم 3794)؛ والنسائي، السنن الكبرى، ج 5، ص 9، (رقم 8000)؛ وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، السنن الكبرى، ج 6 (مكة: مكتبة دار الباز، 1994م)، ص 211، (رقم 11972)؛ وأحمد بن حنبل، المسند، ج 3، ص 233، (رقم 13466)؛ وج 3، ص 277، (رقم 13972)؛ وأبو يعلى أحمد بن علي، المسند، ط 1، ج 5 (دمشق: دار المأمون للتراث، 1984م)، ص 258، (رقم 2878)؛ وج 5، ص 467، (رقم 3198)؛ وج 6، ص 22، (رقم 3255)؛ وأبو نعيم الأصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ط 4، ج 1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1405هـ)، ص 229؛ والنسائي، فضائل القرآن، ط 2 (بيروت: دار البيضاء، 1992م)، (رقم 25)؛ و أبو جعفر النحاس، الناسخ والمنسوخ، ط 1، ج 1 (الكويت: مكتبة الفلاح، 1408هـ)، ص 479–480؛ و أبو جعفر الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ط 1، ج 14 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1987م)، ص 220–221؛ وأبو داود الطيالسي، المسند، ج 1 (بيروت: دار المعرفة، د.ت)، ص 270، (رقم 2018)؛ و جمال الدين الظاهري الحنفي، مشيخة ابن البخاري، ط 1، ج 2 (مكة: دار عالم الفؤاد، 1419هـ)، ص 947؛ وابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2 (بيروت: دار صادر، د.ت)، ص 356؛ وابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 7، ص 323–324؛ وج 19، ص 308–309؛ وج 58، ص 397–398
94- البخاري، الجامع الصحيح، ج 4، ص 1913، (رقم 4718). وانظر أيضًا البخاري، التاريخ الكبير، ج 7، ص 76؛ والطبراني، المعجم الأوسط، ج 7، ص 362، (رقم 7735)؛ وابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 47، ص 110
95- يأتي تحليلي للنقد بعد كل فاصل مختصر في النقاط التي تمت مناقشتها. وقد اعتُمد هذا الأسلوب نفسه في بعض الفصول الأخرى أيضًا. غير أنّ العناوين في بعض المواضع تُبيّن موضع النقد صراحة.
96- رحماني، تاريخ القرآن، ص 54–56.
97- عمادي، جمع القرآن، ص 169–170.
98- الخوئي، البيان، ص 269–270.
99- محمد تقي الدين عثماني، تكملة فتح الملهم، ط 1، ج 11 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2006م)، ص 157.
100- صحيح البخاري، الجامع الصحيح، المجلد الرابع، الصفحة 1770.
