logo
أخرى

موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح

موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح

[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]

(الحلقة الثانية عشرة)

يتضح من القرآن الكريم أن كل فرد على الأرض من آدم عليه السلام وذريته – أي البشرية كلها – سوف يمر بثلاث مراحل: الأولى الولادة، والثانية الموت، والثالثة البعث بعد الموت أي يوم القيامة. وقد ذكر الله تعالى استثناءً في هذه المسألة في القرآن الكريم. وهذا هو حدث إحياء يسوع المسيح للأموات. ولكن تفاصيلها لم تذكر في القرآن الكريم.و إذا صحت نسبة أحاديث نزول المسيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي المسيح عليه السلام له استثناء ملحوظ من بين البشرية جمعاء في هذا الأمر. أي أنه ليس هناك عنده ثلاث مراحل حسب القاعدة العامة، بل خمس مراحل:

1- المولد

2- الموت والصعود إلى السماء، أي الموت ورفع جسده إلى السماء،

3- انتهاء الموت والنزول إلى الأرض، أي انتهاء حالة الموت والنزول إلى الأرض،

4- الموت الطبيعي

5-البعث بعد الموت، أي الإعادة إلى الحياة يوم القيامة.

وإذا تم تفسير هذا الاستثناء الملحوظ في تاريخ البشرية من خلال أخبار من المفترض أنها مثبتة وليس أخبار مثبتة بشكل قاطع، فلن يكون من المستبعد أن يتم تجاهله.ويثارالسؤال عن حقّيته.

علاوة على ذلك، فإن هناك جانب مهم جدًا أيضًا: أنه عندما تحدث يسوع المسيح في المهد عن نفسه ووصف جميع مراحل الحياة من الولادة إلى القيامة، لماذا لم يذكر نزوله إلى العالم في ذلك الوقت؟ وكانت المناسبة وروعة الخطاب تقتضي أنه إذا كان هذا النزول واقعاً فلا بد أن يذكر بوضوح في هذه المناسبة.

سادساً: وفي الآيات 155-158 من سورة النساء (4) وصف الله تعالى جرائم بني إسرائيل التي استحقوا بسببها لعنة الله. وأول جريمة في هذا الصدد هي أنهم نقضوا العهد الذي أخذوه مع الله. والجريمة الثانية هي أنهم رفضوا الإيمان بآيات الله. والجريمة الثالثة هي أنهم قتلوا أنبياء الله بغير حق. الجريمة الرابعة هي أنهم سلكوا طريق الكفر والعصيان. الجريمة الخامسة هي أنهم سبوا السيدة مريم. الجريمة السادسة هي أنهم زعموا كذباً أنهم قتلوا النبي عيسى عليه السلام. وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه الجريمة السادسة، ودحض ادعائهم بشكل صريح. وفي هذا الصدد أوضح الله تعالى أنه:

• لم يتمكن الإسرائيليون من قتل يسوع المسيح أو صلبه.

 •بل في هذه المناسبة رفعه الله إليه.

 •وقد شُبه لهم الأمر فقال تعالى: وَّ قَوۡلِہِمۡ اِنَّا قَتَلۡنَا الۡمَسِیۡحَ عِیۡسَی ابۡنَ مَرۡیَمَ رَسُوۡلَ اللّٰہِ ۚ وَ مَا قَتَلُوۡہُ وَ مَا صَلَبُوۡہُ وَ لٰکِنۡ شُبِّہَ لَہُمۡ ؕ وَ اِنَّ الَّذِیۡنَ اخۡتَلَفُوۡا فِیۡہِ لَفِیۡ شَکٍّ مِّنۡہُ ؕ مَا لَہُمۡ بِہٖ مِنۡ عِلۡمٍ اِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَ مَا قَتَلُوۡہُ یَقِیۡنًۢا. بَلۡ رَّفَعَہُ اللّٰہُ اِلَیۡہِ ؕ وَکَانَ اللّٰہُ عَزِیۡزًا حَکِیۡمًا. (النساء 4: 157-158)

والغرض هنا هو دحض ادعاء اليهود بأنهم نجحوا في قتل يسوع المسيح. وإذا كان قد ذكر صعود عيسى عليه السلام في هذا الرد فإن ذكر نزوله أيضاً في غير محله. أي أنه كان موافقاً لكلمة الله أن يقال لهم أن ادعائكم بأنكم كنتم قدرتم على قتل المسيح هو ادعاء كاذب. ولم تستطيعوا قتله ولكن الله بعثه وسينزله قبل يوم القيامة فيقتلكم جميعا ويطهر الأرض من وجودكم.

المشكلة الثانية: الحوار بين الله تعالى وعيسى المسيح يوم القيامة

فتحكي الآيات 116-119 من سورة المائدة (5) حوار الله تعالى مع النبي عيسى (عليه السلام) يوم القيامة. أي أنه أمر واقع في المستقبل، وقد جاء به الله تعالى سابقاً.

فقد جاء فيه:

• يسأل الله تعالى عيسى (عليه السلام) أمام قومه: أأنت أمرت قومك أن يتخذوك وأمك إلهين من دون الله؟

 •فيقول عيسى عليه السلام: كيف يحل لي أن أقول للناس ما ليس لي أن أقوله؟

• وسيقول أيضًا لو قلتُ شيئًا كهذا أو كان في قلبي شيء كهذا لكنتَ عرفته بالتأكيد. فقد تحدثت معهم فقط بما أمرتَ َبه

• وبناء على أمرك أمرتهم أن اعبدوا الله الذي هو ربي وربكم.

ثم يقول: (أ)بقيت أراقبهم طيلة وجودي بداخلهم.

 ب. ثم توفيتني ولم أعد مسؤولاً عن مراقبتهم.

ج. فكنت أنت وليهم والرقيب عليهم من بعد يوم الوفاة إلى يوم القيامة.

 د. الآن القرار لك إما أن تعاقبهم على جريمتهم أو تسامحهم

•  بعد هذا التوضيح لعيسى عليه السلام يقول الله تعالى:

 أ. اليوم هو اليوم الذي لن تظهر فيه إلاماهو صدق وحق. اليوم ينعم الله على لأولئك الذين يقفون من أجل الحقيقة في العالم.

ب. أعظم إنجازاتهم أن الله رضي عنهم ورضوا عن الله.

وتحدثت الآيات التالية عن ذلك:

وَ اِذۡ قَالَ اللّٰہُ یٰعِیۡسَی ابۡنَ مَرۡیَمَ ءَاَنۡتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُوۡنِیۡ وَ اُمِّیَ اِلٰہَیۡنِ مِنۡ دُوۡنِ اللّٰہِ ؕ قَالَ سُبۡحٰنَکَ مَا یَکُوۡنُ لِیۡۤ اَنۡ اَقُوۡلَ مَا لَیۡسَ لِیۡ بِحَقٍّ ؕ اِنۡ کُنۡتُ قُلۡتُہٗ فَقَدۡ عَلِمۡتَہٗ ؕ تَعۡلَمُ مَا فِیۡ نَفۡسِیۡ وَ لَاۤ اَعۡلَمُ مَا فِیۡ نَفۡسِکَ ؕ اِنَّکَ اَنۡتَ عَلَّامُ الۡغُیُوۡبِ. مَا قُلۡتُ لَہُمۡ اِلَّا مَاۤ اَمَرۡتَنِیۡ بِہٖۤ اَنِ اعۡبُدُوا اللّٰہَ رَبِّیۡ وَ رَبَّکُمۡ ۚ وَ کُنۡتُ عَلَیۡہِمۡ شَہِیۡدًا مَّا دُمۡتُ فِیۡہِمۡ ۚ فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِیۡ کُنۡتَ اَنۡتَ الرَّقِیۡبَ عَلَیۡہِمۡ ؕ وَ اَنۡتَ عَلٰی کُلِّ شَیۡءٍ شَہِیۡدٌ. اِنۡ تُعَذِّبۡہُمۡ فَاِنَّہُمۡ عِبَادُکَ ۚ وَ اِنۡ تَغۡفِرۡ لَہُمۡ فَاِنَّکَ اَنۡتَ الۡعَزِیۡزُ الۡحَکِیۡمُ. قَالَ اللّٰہُ ہٰذَا یَوۡمُ یَنۡفَعُ الصّٰدِقِیۡنَ صِدۡقُہُمۡ ؕ لَہُمۡ جَنّٰتٌ تَجۡرِیۡ مِنۡ تَحۡتِہَا الۡاَنۡہٰرُ خٰلِدِیۡنَ فِیۡہَاۤ اَبَدًا ؕ رَضِیَ اللّٰہُ عَنۡہُمۡ وَ رَضُوۡا عَنۡہُ ؕ ذٰلِکَ الۡفَوۡزُ الۡعَظِیۡمُ. (المائدہ5: 116-119 )

ففي هذه الآيات من المائدة إن عبارة: ’وَ کُنۡتُ عَلَیۡہِمۡ شَہِیۡدًا مَّا دُمۡتُ فِیۡہِمۡ  فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِیۡ کُنۡتَ اَنۡتَ الرَّقِیۡبَ عَلَیۡہِمۡ‘ (وتعني: وكنت عليهم حافظاً ما دمت في وسطهم ثم لما توفيتني كنت أنت حافظهم من بعد ذلك) لها أهمية كبيرة في موضوعنا. وتشير دلالتها ومعناها إلى نفي مفهوم نزول المسيح. ومن هذا يتبين أمران:أولاً:  ذكرت فيها  ثلاث فترات من حياة وموت اليسوع:

أ۔ فترة من الولادة إلى الوفاة وتؤشر عليها ألفاظ: ’مَّا دُمۡتُ فِیۡہِمۡ‘

ب۔ فترة من الوفاة إلى القيامة۔ تدل عليها ألفاظ: ’فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِیۡ‘ ولفظ: ’ہٰذَا یَوۡمُ یَنۡفَعُ الصّٰدِقِیۡنَ صِدۡقُہُمۡ.

ج۔ مرحلة القيامة والحساب، تعينها ألفاظ: "هٰذَا یَوۡمُ یَنۡفَعُ الصّٰدِقِیۡنَ صِدۡقُہُمۡ ؕ لَہُمۡ جَنّٰتٌ تَجۡرِیۡ مِنۡ تَحۡتِہَا الۡاَنۡہٰرُ خٰلِدِیۡنَ فِیۡہَاۤ اَبَدًا".

ومن الواضح من الآيات أن هناك ارتباطاً تاماً بين الفترات الثلاث المذكورة فيها. ويشهد ترتيب سرد النص على هذا الارتباط. وهذا يعني أن هناك ثلاث فترات فقط فيما يتعلق بحياة ووفاة عيسى (عليه السلام). ولو كان هناك فترة رابعة أيضا لكان من الممكن ذكرها هنا أو لما كان هناك أي ارتباط بين هذه الفترات الثلاث. ويمكن فهم هذه الدليل من خلال آية في القرآن الكريم نفسه. فقد جاء في سورة الكهف (18):

اَمۡ حَسِبۡتَ اَنَّ اَصۡحٰبَ الۡکَہۡفِ وَالرَّقِیۡمِ ۙ کَانُوۡا مِنۡ اٰیٰتِنَا عَجَبًا. اِذۡ اَوَی الۡفِتۡیَۃُ اِلَی الۡکَہۡفِ فَقَالُوۡا رَبَّنَاۤ اٰتِنَا مِنۡ لَّدُنۡکَ رَحۡمَۃً وَّ ہَیِّیٔۡ لَنَا مِنۡ اَمۡرِنَا رَشَدًا. فَضَرَبۡنَا عَلٰۤی اٰذَانِہِمۡ فِی الۡکَہۡفِ سِنِیۡنَ عَدَدًا. ثُمَّ بَعَثۡنٰہُمۡ لِنَعۡلَمَ اَیُّ الۡحِزۡبَیۡنِ اَحۡصٰی لِمَا لَبِثُوۡۤا اَمَدًا. (9-12)

تتحدث هذه الآيات عن ثلاث فترات من حياة أصحاب الكهف. الأولى هي الفترة التي لم يلجأوا فيها إلى الكهف، والثانية هي الفترة التي لجأوا فيها إلى الكهف فنومهم الله فيه، والثالثة هي الفترة التي استيقظوا فيها من النوم وخرجوا من الكهف،فالكلام هناصريح جدًا أنه لا يمكن إدخال فترة رابعة فيها. أي لو قال أحد أنه استيقظ أصحاب  الكهف من النوم مرتين لا مرة واحدة ثم خرجوا من الكهف، فهذه مخالفة للكلام وتجاوز عليه ولا معنى له.

ثانیاً: يترشح من لفظ "فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِیۡ کُنۡتَ اَنۡتَ الرَّقِیۡبَ عَلَیۡہِم" أن سیدنا مسیح علیہ السلام كان بعد وفاته (ورفعه) لم يكن يعلم بأمر أتباعه إلى يوم القيامة. أي أنه أوضح لله أنني قبل وفاته كنت ولي أمرهم، ولكن بعد وفاتي لم أعد ولي أمرهم؛ لقد أصبحت أنت الوصي عليهم .

لذا مهما كانت الانتهاكات التي ارتكبوها، أنت تعرفها، فأنا لست على علم بها. ولم يتسق كلام المسيح هذا ولايتزامن مع سياق مجيه ثانياً. بل كان يجب أن يقول أنه عندما أرسلتني إلى العالم ، أصبحت على دراية بكل ضلالاتهم.[4] 

الإشكال الثالث

الإعلان عن عمل يسوع المسيح الكامل وعدم ذكر نزوله:

تصف الآية 55 من سورة آل عمران (3) برنامجاً عن اليسوع وأتباعه حتى يوم القيامة. وتذكرمايلي:

سيتوفاه الله تعالى

ثم سيرفعه الله إليه وهكذا يطهر اتباع اليسوع المسيح من منكريه وجاحديه.

ويغلب الله أتباعه (المسيحيين) على منكريه ومعانديه (اليهود) حتى يوم القيامة.

ثم في يوم القيامة  يعود اليهود والنصارى وجميع الأمم إلى الله تعالى.

وحينئذ يقضي الله في خلافاتاهم

قال تعالى: اِذۡ قَالَ اللّٰہُ یٰعِیۡسٰۤی اِنِّیۡ مُتَوَفِّیۡکَ وَرَافِعُکَ اِلَیَّ وَمُطَہِّرُکَ مِنَ الَّذِیۡنَ کَفَرُوۡا وَجَاعِلُ الَّذِیۡنَ اتَّبَعُوۡکَ فَوۡقَ الَّذِیۡنَ کَفَرُوۡۤا اِلٰی یَوۡمِ الۡقِیٰمَۃِ ۚ ثُمَّ اِلَیَّ مَرۡجِعُکُمۡ فَاَحۡکُمُ بَیۡنَکُمۡ فِیۡمَا کُنۡتُمۡ فِیۡہِ تَخۡتَلِفُوۡنَ. (آل عمران 3: 55)

إذا كان اليسوع (عليه السلام) عليه أن يلعب دورا في العالم مرة أخرى بعد رفعه إلى الله ، فمن المستحيل عدم ذكره في هذه اللائحة العملية. في هذه الحالة ، يمكن أن يكون تسلسل الإجراءات على النحو التالي:

سيتوفاه الله تعالى

ثم يرفعه الله إليه

ثم سينزله الله تعالى بعد مدة من السماء إلى الأرض

 ثم يقتل الدجال ويقيم دولة الإسلام الغالب على الأرض كله

ثم يتوفاه الله

ثم يعود المسيح واليهود والنصارى وسائر الأمم إلى الله تعالى،

وحينئذ يقضي الله في خلافاتاهم

(للبحث صلة ...)