حیاة أمين
سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي
[وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش ]
(12)
رغم أن مجلة "الإصلاح" كانت مجلة علمية بامتياز ومختلفة عن السائد في مجالات الصحافة العامة، إلا أنها لم تحظَ بالشعبية المرجوة بين عامة الناس. ومن ثم، اقترح بعض الأصدقاء على الشيخ الإصلاحي أن يدرج في المجلة موضوعات تجذب اهتمام القراء العاديين، إلا أنه رفض إجراء أي تعديل على أهداف المجلة المنشودة. وفي سياق الحديث عن هذا الطرح، أشار إلى ذلك في إحدى ملاحظاته، وجوابه كان على النحو التالي:
"إن الناس في الغالب لا يقدرون الأهمية العلمية والدينية لمجلة "الإصلاح"، وهم يفتّشون عن متعة الروايات والقصص. وبما أن هذه الملذّات غير موجودة في المجلة، فإنهم لا يودّون أن يبددوا أموالهم عليها. ولو تم الانصياع لرغبات الجمهور، ربما توسع نطاق انتشار المجلة، لكن هذا الأمر يتجاوز فهمنا. ونحن لسنا غافلين عن النتائج المحتملة، غير أننا نعتمد كل الاعتماد على عون الله وتوفيقه." (مايو ١٩٣٧م)
على الرغم من أن المجلة لم تكن تحظى بشعبية واسعة بين العامة، إلا أنها كانت محل تقدير واحترام بالغين في الأوساط العلمية والأدبية آنذاك. والسبب الرئيس لذلك يعود إلى نشر جميع كتابات الإمام حميد الدين الفراهي باللغة الأردية، كما كان ينشر في صفحاتها الترجمة الأردية لتفسيره الشهير "نظام القرآن" بقلم الشيخ الإصلاحي. إلى جانب ذلك، كانت المجلة تضم مقالات شخصيات علمية معاصرة، وقد كان لرئيس التحرير حق الاختلاف مع آرائهم العلمية، إلا أنه كان يدرج كل ما يستوفي معايير الجودة العلمية من المحتوى. ومن الأمثلة على ذلك، نشر مقالات كل من غلام أحمد برويز وأسلم جيراجبوري. كما أدرجت بعض كتابات المستشرقين، شريطة أن تحمل قيمة علمية حقيقية. كان المبدأ الإرشادي للمجلة هو أن كل نص يُعدّ قابلاً للنشر إذا كان قد كُتب بعيدًا عن التقليد الذهني، ومؤسسًا على القرآن الكريم والسنة النبوية، ويقدّم نقطة علمية جديرة بالاعتبار.
نظرًا للسياسة المستقلة التي اتبعتها المجلة، كانت تصل إليها أحيانًا كتابات لا ترتقي بأي وجه من الوجوه إلى المعايير العلمية المطلوبة. وبالمثل، كانت تقدّم للمراجعة والنقد بعض الكتب التي لا تستند إلى أي أساس علمي رصين. وكان الشيخ الإصلاحي ينتقد بشدّة هذه المحاولات الزائفة التي تقدّم تحت شعار "حرية الفكر" مؤكّدًا على أن مجرد التظاهر بالبحث العلمي لا يرقى إلى قيمته الحقيقية. وإذ نوضح ذلك، نورد هنا على سبيل المثال تعليق الشيخ الإصلاحي على تفسير ما، ليبيّن منهجه النقدي الدقيق والرصين.
كتب خواجة أحمد الدين أمرتسري تفسيرًا عربيًا في أربعة مجلدات أطلق عليه عنوان "بيانٌ للنّاس". وكان هذا العالم آنذاك أستاذًا للمؤلّف المعروف أسلم جيراجبوري والشاعر الصوفي المشهور غلام مصطفى تبسّم. وكان منهجه في الفقه والفكر الإسلامي يقوم على اعتبار القرآن وحده مصدرًا للدين، نافياً عن السنة والحديث صفة المصدر الشرعي. وقد علّق الشيخ الإصلاحي، بصفته رئيس تحرير مجلة "الإصلاح"، على هذا التفسير بتعليق نقدي، جاء فيه:
"أما بالنسبة لتفسير خواجة أحمد الدين أمرتسري "بيانٌ للنّاس"، فتأتي في ذهننا دائمًا حكاية روىها أحد العلماء، ونود اليوم، رغم عدم رغبتنا، أن نرويها لأصدقائنا الكرام:
"كان أحد العلماء يتناول طعامه في دكان طباخ سيء الطبع، حيث كان الطباخ كثير الأخطاء وغير مهتم بالنظافة. وكان كل يوم يجد في طبق الطعام بضع ذبابات ميتة، فيغضب ويرفض الطبق. وهكذا كانت القصة تتكرر يوميًا. وفي يوم من الأيام، شاهد أن الطبق كله مليء بالذباب الميت. لكنه صبر وابتسم ولم يعترض. فسأله الطباخ بدهشة:
"سيدي، عندما كان هناك ذبابتان أو ثلاث في الطبق، كنت تغضب وتعيد الطعام، واليوم والطبق كله مليء بالذباب، ولم تقل شيئًا، فما السبب؟"
فأجاب: "عندما كان هناك ذباب قليل، كنت أغضب على أمل أن تنتبه وتتحرى الدقة. أما اليوم، وقد أصبح الطبق كله ذبابًا، فما الذي يمكن توقعه منك؟ ومن ستشتكي؟"
أيها الأصدقاء الأعزاء، عرشي وشفيع، صدّقوا أن حالنا مع تفسير خواجة أمرتسري كانت مشابهة تمامًا. القليل من الأخطاء يمكن معالجته ونقده، فهذا ليس عيبًا ولا إثمًا، لكن إذا اعتبرت الأخطاء نفسها مقياس العمل، فما الذي يمكن فعله؟
لذلك، فإن تفسير خواجة أمرتسري ليس ذا قيمة علمية حقيقية. إنه أشبه بـ"قورمة الذباب" التي وصلت إلى أيدي القرّاء، فجلسوا حائرين مذهولين، يدعون الله أن يغفر للخواجة أمرتسري، وأن يوفقكم لتتركوا هواية التفسير وتختاروا عملًا آخر." (مجلة "الإصلاح"، فبراير ١٩٣٨م)
(يتبع ...)
