logo
أخرى

مقام الحُبّ

مَقَامُ الْحُبِّ

الْحُبُّ شَجْرَةٌ وَارِفَةٌ فِي صَحْرَاءِ الْحَيَاةِ الْقَاحِلَةِ، نَتَفَيَّأُ ظِلَالَهَا، وَنَهْفُوْ إِلَى ثَمَارِهَا، وَنَمِيْلُ إِلَى أُكُلِهَا، وَنَسْتَعْذِبُ طَعْمَهَا، وَنَشْرَبُ مِنْ دَنِّهَا، وَنَسْكَرُ مِنْ خَمْرِهَا، فَتُنْقِذَنَا مِنْ جَدْبٍ مُطْبِقٍ، وَصَدًى مُحَقَّقٍ، وَهَلَاكٍ مُؤَكَّدٍ، وَفَنَاءٍ مُتَجَدِّدٍ، وَلِمَ لَا؟ وَهِيَ شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ، زَيْتُوْنَةٌ، لَا شَرْقِيَّةٌ، وَلَا غَرْبِيَّةٌ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِيْنٍ بِإِذْنِ الْعُشَّاقِ وَالْمُتَيّمِيْنِ، وَالْمُحِبِّيْنَ الْوَلِهِيْنَ.

الْحُبُّ طَائِرٌ يُرَفْرِفُ بِجَنَاحَيْهِ عَلَى النَّاسِ، يَلْمَسُهُمْ بِحَنَانٍ، وَيَعْطِفُ عَلَيْهِمْ بِتَحْنَانٍ، وَيُصْغِي إِلَى أَلْحَانِهِمْ، وَيُنْصِتُ إِلَى أَشْجَانِهِمْ، وَيَهْوَى آَمَالَهُمْ، وَيَشْقَى لِآَلَامِهِمْ، وَيَسْتَمِعُ إِلَى شَكْوَاهُمْ وَأَنَّاتِهِمْ، وَيَبْكِي لِنَجْوَاهُمْ وَآَهَاتِهِمْ، وَيَفْرَحُ لِمُبْتَغَاهُمْ وَمَآَرِبِهِمْ، وَيَرْقُصُ عَلَى شَدْوِهِمْ وَمَطَالِبِهِمْ، وَيَتَمَايَلُ عَلَى تَمْتَمَاتِهِمْ، وَيَتَبَخْتَرُ عَلَى هَمْهَمَاتِهِمْ، وَيَتَرَاءَى لِأَطْيَافِهِمْ، وَيَرْبِتُ عَلَى أَعْطَافِهِمْ، وَيَحْنُو عَلَى دَنَفِهِمْ، وَيَعِيْشُ مَعَ كَلَفِهِمْ، وَيَحْزَنُ عَلَى هَجْرِهِمْ، وَيَبْتَهِجُ لِوَصْلِهِمْ، وَلَا يَتْرُكُ سَاحَتَهُمْ، وَيَدَعُ مَكَانَهُمْ إِلَّا وَقَدْ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ قَلْبَيْنِ قَلْبَيْنِ، وَرُوْحَيْنِ رُوْحَيْنِ، حَتَّى لَا يَكُوْنَ بَيْنَ النَّاسِ وَاحِدٌ خِلْوًا مِنَ الْحُبِّ، عَارِيًا عَنِ الْعِشْقِ، فَالْكُلُّ إِمَّا مُحِبٌّ أَوْ مَحْبُوْبٌ، عَاشِقٌ أَوْ مَعْشُوْقٌ، قَدْ تَمَاهَى فِي مَلَكُوْتِ الْجَوَى، وَسَاحَ عَبْرَ دُرُوْبِ الْهَوَى؛ فَالْأَرْوَاحُ جُنُوْدٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ.

وَالْحُبُّ حَرْفَانِ كَثِيْرًا مَّا يَخْتَلِفَانِ، وَقَلِيْلًا مَّا يَتَّفِقَانِ، وَنَادِرًا مَّا يَمْتَزِجَانِ، فِيْهِمَا مِنَ التَّنَوُّعِ وَالتَّضَادِ، وَالْابْتِعَادِ وَالتَّنَادِ؛ إِذْ يَخْتَلِفَانِ مَخْرَجًا وَصِفَاتٍ، شِدَّةً وَثَبَاتٍ؛ وَبُعْدًا وَقُرْبًا، وَوَصْلًا وَصَدًّا، يَجُوْبَانِ الْمَخَارِجَ مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا، مِنَ شاطئ الْحَاءِ تَبْدَأُ الرِّحْلَةُ الْمُقَدَّسَةُ إِلَى مِرْفَأِ الْبَاءِ، وَكَأَنَّ الْمُحِبُّ لَابُدَّ أَنْ يَقْطَعَ مَسَافَاتٍ طَوِيْلَةً حَتَّى يَصِلَ إِلَى بُغْيَتِهِ، وَيَحْظَى بِطِلْبَتِهِ، فَيَلْتَصِقَ بِمَحْبُوْبِهِ، وَيَلْتَقِي بِمَعْشُوْقِهِ، وَهِيَ تِلْكُمُ الْمَسَافَةُ ذَاتُهَا الَّتِي يَقْطَعُهَا حَرْفُ الْحَاءِ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ حَتًّى يَتَّصِلَ بِصِنْوِهِ الْبَاءِ عِنْدِ الشَّفَتَيْنِ إِلَى أَنْ يُكَوِّنَا مَعًا أَرْقَى كَلِمَةٍ فِي الْوُجُوْدِ، وَأَسْمَى لَفْظَةٍ فِي الْحَيَاةِ، وَأَنْبَلَ تَمْتَمَةٍ فِي الْكَوْنِ، إِنَّها الْــ ( حُبُّ).

كَمَا أَنَّ الْحَرْفَيْنِ يَجْمَعَانِ بَيْنَ الْاحْتِكَاكِ وَالرَّخَاوَةِ، وَالْحَرَكَةِ وَالْكُمُوْنِ، وَالشِّدَّةِ وَالسُّكُوْنِ، وَالْجَهْرِ وَالتَّضْعِيْفِ، وَالْهَمْسِ وَالتَّخْفِيْفِ، وَمِنْ ثَمَّ تَرَى فِي الْحُبِّ هَمْسَ الْعِشْقِ وَشِدَّتَهُ، وَرَخَاوَةَ الْمَحْبُوْبِ وَقَسْوَتَهُ، وَهُدُوْءَ الْوَصْلِ وَعَاصِفَتَهُ.

وَرُبَّمَا مِنْ أَجْلِ هَذَا نَجِدُ الْحُبَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَاتِ، وَيَحْوِي كُلَّ الْمُتَقَابِلَاتِ، وَيُسَوِّي بَيْنَ الَّلامُتَنَاظِرَاتِ، وَيُؤَلِّفُ بَيْنَ الْمُتَنَافِرَاتِ، حَيْثُ الرُّؤْيَا وَالْمِثَالُ، وَالْوَاقِعُ وَالْخَيَالُ، وَالنَّقْصُ وَالْاكْتِمَالُ، وَالرَّفْضُ وَالْمَنَالُ، وَالْهَجْرُ وَالْوِصَالُ، فِيْهِ مِنَ الثَّرَى وَالثُّرَيَّا، وَالْأَرْضِ وَالْعُلَيَّا، وَالْقُوَّةِ وَالْاسْتِسْلَامِ، وَالْاقْتِرَابِ وَالْخِصَامِ، وَالْحَيَاةِ وَالْحِمَامِ، فِيْهِ مِنْ خُصُوْبَةِ الْبَسَاتِيْنِ، وَمِنْ قَحْطِ السِّنِيْنِ، فِيْهِ مِنْ فَرْحَةِ الْوِفَاقِ وَالْاشْتِيَاقِ، وَمِنْ لَوْعَةِ التَّنَائِي وَالْفِرَاقِ، فِيْهِ مِنْ رَشْفِ الرُّضَابِ، وَسُؤْرِ الْعَذَابِ، فِيْهِ مِنَ التَّدَانِي وَالْبِعَادِ، وَالْقُرْبِ وَالتَّنَادِ، فِيْهِ السُّهْدُ وَالسَّهَرُ، وَالْأَرَقُ وَالسَّحَرُ، فِيْهِ الْهَنَاءُ وَالشَّقَاءُ، وَالْعُذُوْبَةُ وَالَّلأْوَاءُ، فِيْهِ مِنْ دَمْعِ الْأَنِيْنِ، وَعَبْرَاتِ الْحَنِيْنِ، فِيْهَ الصَّمْتُ وَالْكَلَامُ، وَالسُّكُوْتُ وَالْغَرَامُ، وَالْخِصَامُ وَالتُّهْيَامُ.

الْحُبُّ مَاهِيَّةُ الْإِنْسَانِ، وَأَسَاسُ خَلْقِ الْأَكْوَانِ، وَكَيْنُوْنَةُ الْحَيَاةِ، وَجِذْرُ النَّجَاةِ؛ فَوُجُوْدُنَا مُرْتَبِطٌ بِهِ، وَحَيَاتُنَا مَرْهُوْنَةٌ لَهُ، فَلَوْلَاهُ مَا أَنِسَ إِنْسَانٌ، وَلَا عُمِّرَ مَكَانٌ، وَلَا أُعِيْنَ عَلَى زَمَانٍ.

وَبِالْحُبِّ تُغْتَفَرُ الذُّنُوْبِ، وَتَعْمَى الْأَبْصَارُ عَنِ الْعُيُوْبِ، وَتُصَمُّ الْآَذَانُ عَنِ الْمَثَالِبِ وَالْكُرُوْبِ، وَفِي الْحُبِّ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ، وَتُرْتَجَى الْأَوْبَةُ، وَتُقَالُ الْعَثْرَةُ، وَتُمْحَى الْأَثَرَةُ، فَالْجُفُوْنُ كَلِيْلَةٌ إِلَّا عَنِ الْجَمَالِ، مِلْؤُهَا الْحَبِيْبُ وَالدَّلَالُ، حَسَنٌ فِيْهَا مَنْ تَوَدُّ، جَمِيْلٌ فِيْهَا مَنْ تَعْشَقُ، رَائِعٌ دَائِمًا مَا تُشْغَفُ بِهِ، فِيْهِ الصَّفْحُ الْجَمِيْلُ، وَالْخَيْرُ الْجَزِيْلُ، وَالْأَصْلُ النَّبِيْلُ، وَالنَّوَالُ الْوَفِيْرُ، وَالزَّهْرُ النَّضِيْرُ.

فِيْهِ التَّمَاهِي وَالتَّبَاهِي، فِيْهِ الْمُنَاغَاةُ وَالْمُنَاجَاةُ، وَالْإِعْذَارُ وَالْمُدَارَاةُ، فِيْهِ الْمُنَى وَالسُّهَى، وَالْمُبْتَدَا وَالْمُنْتَهَى، وَالْمُرْتَجَى وَالْمُشْتَهَى، فِيْهِ الشَّهْدُ وَالرُّضَابُ، وَالتَّغَافُلُ وَالْعِتَابُ، فيه الرِّيُّ وَالصَّهْبَاءُ، وَالْقُرْبُ وَالْإِدْنَاءُ، فِيْهِ الْإِشَارَةُ وَالتَّلْمِيْحُ، وَالْغَمْزُ وَالتَّصْرِيْحُ، فِيْهِ التَّمَامُ وَالْمُقَامُ، وَالْمُدَامُ وَالْغَرَامُ، فِيْهِ الْأَنَا وَالْمُنَى، وَالسَّنَا وَالدُّنَى، فِيْه الْمِثَالُ وَالدَّلَالُ، وَالرِّضَا وَالْوِصَالُ، فِيْهِ جَنَّةُ الْوَاقِعُ وَعَبْقَرِيَّةُ الْخَيَالِ، بَلْ فِيْهِ الْحَيَاةُ، وَمِنْهُ وَحْدَهُ فَقَطَ تَكُوْنُ النَّجَاةُ.

ــــــــــــــــــــــــ