إشراقة
نظرات في مجلس غزة للسلام الدولي
في بلدة دافوس السويسرية الصغيرة، المغطاة بالثلوج، يُقام كل عام مهرجان "المنتدى الاقتصادي العالمي". يجتمع فيه أساسًا ما بين ألفين إلى ألفين وخمسمائة من خبراء الاقتصاد، وكبار الصحفيين، والسياسيين، والمفكرين من مختلف أنحاء العالم. ومن خلالهم، وبواسطتهم، يقدّم الخبراء الاقتصاديون الأمريكيون، ورجال الصناعة، والتجار، والمصرفيون، والقادة السياسيون الأمريكيون إلى العالم كله سرديتهم الجديدة بأسلوب أكاديمي ناعم، عبر البيانات، والمقابلات، والتحليلات الاقتصادية اللطيفة.
وبعبارة أخرى: يُلقّنون العالم درسًا هادئًا وباردًا في العبودية الاقتصادية الأمريكية.
صحيح أن النقاشات التي تجري في دافوس لا تمتلك أي صفة قانونية، لكن الواقع يقول إن العالم يُدار فعليًا وفق السياسات الاقتصادية الأمريكية التي تُصاغ وتُطوّر في أروقة دافوس.
بعد الحرب العالمية الثانية، قام المنتصرون الخمسة الكبار بتقسيم العالم فيما بينهم وفق مناطق النفوذ، وأُنشئ نظام زائف باسم الأمم المتحدة، جرى من خلاله سحق العالم بأسره. كان هذا النظام يُدار فعليًا باحتكار من تلك القوى الخمس.
لكن في ظل المتغيرات الجديدة، بدأت فرنسا وانجلترا تفقدان دورهما بسرعة. أما الصين وروسيا، فبسبب تحوّلهما إلى تحدٍّ مباشر للولايات المتحدة، لم تعد "أمريكا العظمى" قادرة على تقبّل استقلال قرارهما. ولهذا تحاول باستمرار الدخول معهما في صفقات ومساومات، لكنها حتى الآن لم تحقق نجاحًا يُذكر.
ومن جهة أخرى، بات وجود الأمم المتحدة نفسه يزعج الولايات المتحدة، ولذلك لا تتردد في استهدافها علنًا، رغم أن المنظمة لطالما خدمت المصالح الأمريكية. وعندما لم تفعل، لم تتردد واشنطن لحظة واحدة في تجاوزها.
لقد شنّت الولايات المتحدة هجمات أحادية على العراق، وليبيا، وأفغانستان، ودمّرتها بالكامل. وبالمثل، لم تكن روسيا بعيدة عن هذا السلوك، إذ تجاوزت هي الأخرى الأمم المتحدة بحيل مختلفة، فقامت بقصف سوريا، ثم شنت حربها على أوكرانياالمستمرة حتى الآن.
اليوم، وفي ظل القيادة النرجسية لدونالد ترامب، تسعى الولايات المتحدة إلى طيّ صفحة الأمم المتحدة نهائيًا. فقد خرجت من حلف الناتو، وانسحبت من الكثير من الوكالات التابعة للأمم المتحدة، وفرضت عقوبات على محكمة العدل الدولية فقط لأنها صنّفت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كمجرم حرب. وهي اليوم تتخذ كل خطوة ممكنة لتقويض شرعية الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، ومع اقتراب انتهاء ولاية الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي كان يرفع صوتًا خافتًا، في تائيد اللفلسطينين، أعلن ترامب، في محاولة لمعاقبته، عن تأسيس مجلس سلام جديد لإلغاء دور الأمم المتحدة بالكامل. أُطلق عليه ظاهريًا اسم "مجلس سلام غزة"، ودُعي قادة دول من مختلف أنحاء العالم للانضمام إليه.
أُعلن عن هذا المنبر الجديد رسميًا في دافوس، وجرى التوقيع على مسودته هناك. وقد فُرضت رسوم عضوية بمليارات الدولارات.
إن مجلس السلام الدولي هذا بقيادة ترمب ليس إلاسخرية بالقيم والأعراف الدولية، إنه دعا زعماء العالم ودولها أن يكونوا أعضاء وشركاء ومساهمين فيها وأن يبذلوا لعضويتها الملائين من الدولارات. ولبّى دعوته حتى الآن تقريبا أربعة عشردولة فقط.وذلك تجنّباً لغضب الرئيس الأمريكي المتبجح الذي اصطاد نظيره الفنزويلي بغيرمارحمة ولاهوادة وبغيرما حياء ولاالتزام بقيم سياسية دبلوماسية ولاأعراف دولية مسلم بها. ورغم هشاشة هذاالمجلس المزعوم الذي لايريد ولايراد به إلا خدمة المصالح الإسرائلية الصهيونية، إن بعض الدول العربية والإسلامية قد شاركت فيه رجاءً في منع إرهاق الدم الفلسطينى البريئ منذ أكثرمن عامين كاملين على أيدي الوحش الإسرائيلي الصهيوني.
توجد في معظم دول العالم شبكات نفوذ غير رسمية تُشار إليها أحيانًا بـ"الدولة العميقة"، وتتمثل في كبار رجال الأعمال، والقيادات العسكرية، والنخب السياسية، ومراكز القوة الاقتصادية التي تؤثر في القرار من خلف الستار.
أما في الحالة الأمريكية، فيرى بعض المحللين أن المشهد يختلف؛ إذ يعتبرون الدولة العبرية الصهيونية هي نفسها الدولة العميقة لأمريكا إذ أن النفوذ الأبرز في توجيه السياسة الخارجية يتمثل في شبكة اللوبي المؤيد لإسرائيل، وفي مقدمتها منظمات مثل (AIPAC)، التي تمارس ضغطًا سياسيًا واسعًا داخل الكونغرس والإدارة.
ويشير هذا الطرح إلى أن عدداً من كبار الممولين ورجال الأعمال في الولايات المتحدة يقدّمون تبرعات للحزبين الرئيسيين، Republican Party وDemocratic Party، ويمولون حملاتهم الانتخابية، مما يمنحهم تأثيرًا ملحوظًا في رسم التوجهات السياسية. ووفق هذه الرؤية، فإن أي رئيس أمريكي، بما في ذلك الرئيس الحالي ترمب، يعمل ضمن هذه الشبكة الصهيونية لمصالح إسرائيل وهي تحيط به من مختلف الجهات، ويصعب عليه الخروج كليًا عن تأثيرها.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن هذا اللوبي يخدم المصالح الإسرائيلية بدرجة كبيرة، ويرون أن حضوره في دوائر صنع القرار يجعله فاعلًا أساسيًا في توجيه السياسة الأمريكية، خاصة في ملفات الشرق الأوسط.
مجلس سلام غزة: أمل أم وهم؟ قراءة تحليلية
قامت حركة حماس، تباعًا، بتسليم جميع الأسرى الإسرائيليين، أحياءً كانوا أو أمواتًا، إلى إسرائيل. وبعد ذلك، كان أهل غزة ومعهم العالم بأسره يترقبون بلهفة: متى تبدأ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار؟ غير أن إسرائيل واصلت سياسة المماطلة والتسويف. والهجمات المستمرة على القطاع المنكوب وبعد طول انتظار، أعلن الرئيس الأمريكي أخيرًا عن تطور جديد في هذا السياق، تمثّل في تشكيل ما سُمّي بـمجلس السلام العالمي لغزة.
ويُقدَّم ما يُسمّى بـ"مجلس سلام غزة" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي ترمب في دافوس بوصفه مبادرة دولية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، غير أن التدقيق في خلفياته وسياقه السياسي عند الكثير من المحللين السياسيين يكشف أنه أقرب إلى إطار لإدارة الأزمة منه إلى مشروع حقيقي يمنح الفلسطينيين حقهم في السيادة وتقرير المصير. فقد طُرح المفهوم في أروقة World Economic Forum بدافوس، وتبنّاه الرئيس دونالد ترمب ضمن خطة تضمنت إنشاء كيان إداري وأمني مؤقت يشرف على القطاع لمدة محددة، على أن يحظى بغطاء قانوني عبر قرار من مجلس الأمن التابع للامم المتحدة، مع نشر قوة أمنية دولية تتولى ضبط الأمن ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وإدارة الشؤون المدنية إلى حين استكمال إعادة الإعمار. ووفق التصور المعلن، يتولى المجلس تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع تجدد المواجهات، وتنظيم المساعدات، وإعادة بناء البنية التحتية، تمهيدًا لنقل تدريجي للسلطة إلى إدارة فلسطينية معدّلة، إلا أن التشكيلة المتداولة للمجلس تثير إشكاليات جوهرية، إذ تضم شخصيات دولية وسياسية بارزة مثل Tony Blair وJared Kushner، بينما يغيب التمثيل الفلسطيني الفاعل، الأمر الذي يطرح تساؤلات عميقة حول شرعية المجلس وقدرته على تمثيل إرادة سكان غزة. كما أن ربط الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية ونهاية المرحلة الانتقالية بنزع سلاح المقاومة يضع المشروع في مأزق دائم، لأن هذا الشرط يُعدّ مرفوضًا فلسطينيًا ويهدد بتحويل المرحلة المؤقتة إلى واقع طويل الأمد، خاصة في ظل استمرار الفصل بين غزة والضفة الغربية، وتزايد الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية تعزز السيطرة الإسرائيلية بدل إنهائها. ويضاف إلى ذلك غموض مصير أموال إعادة الإعمار وآليات صرفها، وما إذا كانت ستوجَّه فعلًا إلى إعادة بناء منازل السكان ومؤسساتهم، أم ستتحول إلى مشاريع استثمارية كبرى تعيد تشكيل القطاع اقتصاديًا بما يخدم مصالح خارجية. وعلى الصعيد الدولي، فإن طرح الفكرة في دافوس مع إشارات إلى إمكانية تعميم النموذج على مناطق أخرى يوحي بأن الأمر يتجاوز غزة نحو إعادة هندسة أدوات إدارة الأزمات عالميًا، بما يعكس نزعة لإحلال أطر تنفيذية تقودها واشنطن محل الأدوار التقليدية للأمم المتحدة، وهو ما يفسر مخاوف من أن يتحول المجلس إلى أداة نفوذ سياسي أكثر منه آلية سلام حقيقية. وبذلك يبدو المجلس، في صورته الحالية، كيانًا إداريًا أمنيًا يركز على ضبط الميدان أكثر من تركيزه على معالجة جذور الصراع، إذ تبقى قضايا الحرية والسيادة والتمثيل الشعبي بلا ضمانات واضحة، ما يجعل مستقبله مرهونًا بقدرته على اكتساب شرعية فلسطينية حقيقية وتقديم التزامات ملزمة توقف الخروقات وانتهاك الحرمات وسياسة الاستيطان الصهيوني الشيطاني للضفة الغربية .وتفتح أفقًا سياسيًا واضحًا، وإلا فإنه قد ينتهي إلى إدارة أزمة جديدة بدل إنهاء الأزمة القائمة.
تشديد الحصار حول إيران
في الوقت الراهن، فإن تشديد الحصار حول إيران لا يخدم إلا المصالح الإسرائيلية. فإسرائيل هي الدولة العميقة الحقيقية للولايات المتحدة، ولا يستطيع أي رئيس أمريكي تجاهلها، سواء كان جمهوريًا أم ديمقراطيًا.
فرضت الولايات المتحدة على إيران ١٦ نوعًا من العقوبات الاقتصادية القاسية، ما أدى إلى تدمير الاقتصاد الإيراني. كما انكشفت بوضوح نفاق أوروبا حين صنّف الاتحاد الأوروبي "الحرس الثوري الإيراني" منظمة إرهابية، وذلك في اللحظة نفسها التي كانت فيها الولايات المتحدة تتهيأ لمهاجمة إيران، رغم أن البرنامج النووي الإيراني قد انتهى فعليًا، ولم تكن إيران يومًا تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة أو لأوروبا.
وأخيراً قد سافر الإرهابي الصههوني نتن ياهو إلى واشنطن للضغط على الرئيس الأمريكي ووزراءه وليملى أرادته عليهم لأتخاذ قرارحاسم وعاجل للهجوم على إيران والضربة القاضية على صلاحياتها البالستية بجانب النووية ،ومحاولة تغييرالنظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه،وفي الطرف الثاني هناك محاولات ضئيلة جدا من طرف دول الخليج وتركيا وغالباً من طرف روسياوالصين لمنع أمريكا من اتخاذ خطوة أحادية كهذه.
أما روسيا والصين، فتبدوان حتى الآن صامتتين ظاهريًا. ومن الممكن أن تقويض الأمم المتحدة يخدم بعض مصالحهما، لكن أي هجوم على إيران سيهدد مصالحهما الاقتصادية أيضًا، ولهذا ينبغي عليهما الخروج إلى العلن.
صحيح أنهما لا تدخلان عادةً في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكن إن لم تُنقذا إيران، واكتفيتا بالصراخ كما حدث في فنزويلا، فإن الولايات المتحدة قد لا تتردد غدًا في استهدافهما بشكل مباشر. فترامب، بطبعه النرجسي، لا يريد أن يرى أي منافس له في هذا العالم.ففي هذا الوقت الحرج ليس لنا إلاأن ندعو الله عزوجل أن ينصرالإسلام والمسلمين في كل مكان وأن يذل الشرك وأهله ويهزم أئمة الضلال والطغيان وخاصة أمريكا وإسرائيل.
أما عددنا الحاضر فهو، كسابقه، مزدانٌ بالأبحاث الجادّة في القرآن والحديث والفقه والتفسير والسيرة، ومآثر الأدباء، ودراسة الغرب، وإضاءاتٍ على العالم العربي المعاصر، إلى جانب واحةٍ شيّقة من الشعر العربي الحديث الجميل.
ونحن إذ نهىنئ قراءنا الكرام على حلول شهررمضان المبارك نسأل المولى سبحانه أن يتقبّل منّا صالح الأفكار والأعمال.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم في الدين،
أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي
(16 فبراير ٢٠٢6م، علي كره)
ـــــــــــــــــــــــــ
