تأديب المرأة المخاطَب: الزوج أم المجتمع؟

نقله إلى العربية: أ. عثمان فاروق

يقوم أسلوب الخطاب في القرآن الكريم على أصل منهجيّ راسخ، مفاده أنّ الخطاب، وإن كان يرد بلسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجّهًا إلى الجماعة كلّها، فإن التكاليف العملية لا تتعلّق إلا بالأطراف التي يعيّنها سياق الكلام تعيينًا صريحًا. وعليه، فإن عموم صيغة الخطاب لا يستلزم عموم الحكم؛ إذ إن تحديد جهة المسؤولية إنما يستفاد من طبيعة التوجيه ومن الشخصيات أو الجهات التي يبرزها السياق ويجعلها محلّ البحث. وتتجلّى هذه القاعدة في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى في شأن الأيتام:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾

فالخطاب في ظاهره عام، غير أنّ الحكم لا يتناول إلا من كانت لهم ولاية على الأيتام وتعلّقت بهم مسؤولية رعايتهم.

وكذلك في أحكام الرضاع، يرد الخطاب بصيغة جماعية، غير أنّ المسؤولية مناطة بالأبوين تحديدًا؛ إذ لا يتصوّر أن يتولّى المجتمع بأسره إرضاع الأطفال أو القيام بنفقتهم. وهذه سمة أصيلة في البيان القرآني؛ فقد يرد الخطاب بصيغة العموم، غير أنّ الحكم يظلّ خاصًّا بالجهة التي عيّنها السياق وخصّها بالمسؤولية.

ومن هذا القبيل من الخطاب ما ورد في الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء، حيث قال تعالى:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾

فالخطاب هنا يبدو في ظاهره عامًا، غير أن سياق الكلام قائمٌ بأكمله على تنظيم العلاقة بين الزوجين، وبيان مسؤوليات كلٍّ منهما، وضبط نظامهما الداخلي. فذكر القوامة، وتحديد مسؤوليات النساء، وبيان حفظهنّ للغيب، ثم ترتيب ثلاث مراحل للإصلاح عند حصول الإخلال بهذه المسؤوليات؛ كلّ ذلك يُعدّ شاهدًا قاطعًا على أن المخاطَب الأصلي في هذه الآية إنما هو الزوج والزوجة، لا عموم طبقات المجتمع.

قد يُقال هنا: إن صيغة الجمع في الخطاب تقتضي إمكان توجيه مراحل التأديب إلى الزوج وإلى المجتمع معًا، استنادًا إلى قوله تعالى:

﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾

غير أنّ هذا الرأي، في تقديرنا، مخالف لسياق الآية مخالفةً بيّنة؛ إذ إن البيان من أوله إلى آخره قائم على دور الزوج ومسؤوليته في إطار العلاقة الزوجية.

وقد حسم القرآن الكريم عند هذا الموضع جهة المخاطَب حسمًا صريحًا، إذ توجّه بالخطاب مباشرةً إلى الطرف الذي يملك تنفيذ هذه التوجيهات، فقال تعالى:

﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾

فالضمير في قوله ’أطعنكم‘ لا ينصرف إلا إلى الزوج؛ إذ إن مفهوم الطاعة هنا متعلّق بالعقد الزوجي القائم بين الطرفين. وطاعة الزوجة إنما تكون لزوجها في إطار هذا العقد، لا للمجتمع. فالمجتمع ليس قيّمًا عليها، ولا يتصوّر في حقه معنى الطاعة أو العصيان في هذا السياق.

وعليه، فإن اعتبار الزوج والمجتمع معًا مخاطَبَين بهذه التوجيهات يناقض مقتضى الواقع العملي، ويخالف السياق مخالفةً تامة. والضمير في الآية يدلّ دلالةً قاطعة على أن المخاطَب بهذه الأحكام هو الزوج وحده دون سواه. وفي هذا الموضع تجدر الإشارة على وجه الخصوص إلى أن المرحلة الثانية من هذه المراحل الإصلاحية الثلاث، وهي قوله تعالى:

﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾

لا يمكن، بأي اعتبار، أن تكون توجيهًا متعلقًا بالمجتمع. ذلك أن ’المضاجع‘ جمع كلمة ’مضجع‘، وهو موضع الاضطجاع، أي الفرش وغرف النوم، وهذا نطاق يختصّ، من حيث الفطرة والعُرف والواقع العملي، بالعلاقة الخاصة بين الزوجين وحدهما. فالمجتمع لا يشارك أحدًا في فراشه، ولا يملك صلاحية التدخّل في النظام السكنيّ الخاص بالزوجين. ومن ثمّ، فإن الأمر بهجر الفراش لا يمكن أن يتعلّق إلا بالطرف الذي تربطه بالمرأة علاقة زوجية قائمة، والذي تعيش في بيته وتشاركه حياتها الزوجية.

والحقيقة أن هذا التعبير كناية عن الامتناع عن المعاشرة الزوجية، وقد عبّر القرآن عنه بصورته الظاهرة المحسوسة، على وفق أسلوبه الأدبي المعهود في تناول المسائل الدقيقة والحميمة بعباراتٍ رصينة وإشاراتٍ موحية، دون تصريح فجّ أو مباشر.

وعليه، فإن قيد ’في الْمضاجع‘ يشكّل في ذاته دليلًا قاطعًا على أن المخاطَب هنا ليس المجتمع، وإنما الزوج وحده؛ وإن نقل هذا التوجيه إلى سياق جماعي أو اجتماعي لا ينسجم مع السياق، فضلًا عن أنه يفتقر إلى أيّ مسوّغ في الواقع العملي. غير أنّ القرآن قد أشرك المجتمع في الشأن الزوجي في موضع مخصوص، وذلك حين يخرج الأمر من نطاق النشوز الداخلي إلى أزمة الشقاق ذات الطابع الاجتماعي. قال تعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾

فالخطاب في قوله ’خِفْتُمْ‘ موجّه إلى كبار الأسرة أو إلى ذوي المسؤولية الجماعية الذين قد يتأثرون باتساع نطاق هذا الخلاف، وقد عُبّر عن الزوجين بقوله ’بَيْنِهِمَا‘ إشارة إلى تمايز الطرفين في هذا السياق.

فالشقاق هو المرحلة التي تُستنفد فيها وسائل الإصلاح الداخلي، ويتحوّل النزاع إلى خطر التفكك أو الظلم، وتبدأ آثاره في الامتداد إلى نطاق الأسرة ثم إلى المجتمع. وعندئذ وجّه القرآن إلى تعيين حكمين، مُدخلًا بذلك المجتمع في المعالجة؛ لأن المسألة لم تعد شأنًا داخليًا صرفًا، بل اكتسبت بُعدًا اجتماعيًا واضحًا.

وبهذا يكون القرآن قد فرّق بجلاء بين مرحلتي النشوز والشقاق: فالنشوز شأن زوجيّ داخلي، ومن ثمّ كان المخاطَب في الآية الرابعة والثلاثين هو الزوج وحده. أما الشقاق فمشكلة ذات طبيعة اجتماعية، ولذلك جاء الخطاب في الآية الخامسة والثلاثين موجّهًا إلى الجماعة المعنية.

فقوله في الآية (٣٤) ’فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ‘ وقوله في الآية (٣٥) ’وَإِنْ خِفْتُمْ‘، كلاهما يحدّدان على نحو حاسم نطاق الاختصاص والجهة المخاطَبة في كل مرحلة من هاتين المرحلتين.

ويمكن فهم هذا الأسلوب بأكمله من خلال مثال دنيويّ بسيط: فلنفرض أن حاكمًا يخاطب قومه خطابًا عامًا فيقول:

’لقد عيّنّا على إداراتكم مسؤولين، لأن المسؤوليات والموارد قد أُنيطت بهم. فالموظفون الذين يلتزمون السلوك القويم سيلتزمون بتوجيهاتهم، وأما الذين تخشون أنهم ينحرفون عن التعليمات، فاعظوهم أولًا، ثم إن اقتضت الحاجة فقلّصوا صلاحياتهم، فإن لم يستقيموا بعد ذلك فاتخذوا بحقهم إجراءً تأديبيًا. فإن امتثلوا لكم بعد ذلك، فلا تلتمسوا عليهم سبيلًا إلى الظلم.‘

فالخطاب هنا موجّه إلى القوم بأسره، غير أن التوجيهات العملية لا تتعلّق إلا بالمسؤول الإداري؛ لأن جميع الإجراءات المذكورة داخلة في نطاق صلاحياته وحده. ثم لو قال الحاكم بعد ذلك: فإذا خفتم أن الخلاف بين المسؤول والموظف قد تفاقم إلى حدٍّ لم تعد معه المعالجة الداخلية ممكنة، وبدأ أثره يمتدّ إلى سائر الإدارة، فعيّنوا ممثلين محايدين من الجانبين للنظر في النزاع؛ فإن أرادا إصلاحًا وفّقنا بينهما.

عند هذا الموضع يتغيّر اتجاه الخطاب؛ فلم يعد موجّهًا إلى المسؤول الإداري، بل إلى الجهة الجماعية التي تتحمّل مسؤولية حفظ النظام العام للإدارة، لأن النزاع في هذه المرحلة قد غدا خطرًا على كيان المؤسسة ذاتها.

وفي هذه الصورة يتّضح وجود مرحلتين متميّزتين:

الأولى: مرحلة داخلية خالصة تتعلّق بالعلاقة المباشرة بين المسؤول ومرؤوسه، وتندرج جميع الإجراءات ضمن صلاحيات الأول.

والثانية: مرحلة يتفاقم فيها الخلاف حتى يؤثر في النظام العام للمؤسسة، فينتقل الأمر إلى سلطة أعلى ذات اختصاص أوسع.

وهذا بعينه هو الترتيب الذي قرّره القرآن في مرحلتي النشوز والشقاق: فالنشوز شأن داخليّ يكون المخاطَب فيه الزوج وحده، وأما الشقاق فهو مسألةٌ ذات طابع اجتماعي، يُخاطَب فيها المسؤولون من أهل المجتمع.

ـــــــــــــــــــــــــ

تأديب المرأة المخاطَب: الزوج أم المجتمع؟ - الإشراق العربي - ابریل 2026 - أفكار - أفكار