نقله إلى العربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(11)
الآيات القرآنية التي تتحدث عن جميع آيات الله في الأنفس والآفاق
كان من مقاصد بعثة رسول الله ﷺ تلاوةُ الآيات أيضًا؛ أي إنّ الله تعالى بعث رسوله مُزوَّدًا بالبراهين والحجج المذكورة في القرآن الكريم. وقد عبّر القرآن عن هذا المقصد بقوله: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾، والمقصود به تلاوةُ آيات الله على الناس.
فلمّا قام النبي ﷺ بتلاوة مضامين القرآن الكريم، فقد حقّق بهذا الفعل ذلك المقصد بعينه؛ إذ تلا عليهم كلامًا إلهيًّا يبيّن دلائل القدرة والحكمة، ووجوه الخلق والتدبير، وسائر صفات الله تعالى، مستندًا إلى براهين الأنفس والآفاق. وكل جملة من القرآن تُعدّ برهانًا قائمًا بذاته، يُستدلّ به على صفات الله، وأحكامه، ومراداته. ومن هذا الوجه، فإن ألفاظ القرآن وتوجيهاته تُعدّ بذاتها آيات، ولذلك سُمّيت آياتٍ بحق.
وقد وردت عبارة ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ في سورة البقرة على لسان دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث قال تعالى:
رَبَّنَا وَ ابۡعَثۡ فِیۡہِمۡ رَسُوۡلًا مِّنۡہُمۡ یَتۡلُوۡا عَلَیۡہِمۡ اٰیٰتِکَ وَ یُعَلِّمُہُمُ الۡکِتٰبَ وَ الۡحِکۡمَۃَ وَ یُزَکِّیۡہِمۡ(2: 129) ....
يكتب الأستاذ الجليل جاويد أحمد غامدي في توضيح ذلك:
"الآية في اللغة العربية تُطلق على كل ما يُستدلّ به على شيءٍ ما. وكل جملة من القرآن تمثّل دليلاً وبرهانًا على حقيقة من الحقائق، ولذلك اختير لفظ الآية لهذه المناسبة. أمّا في سياق تلاوة الآيات فقد وردت في الأصل عبارة: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾، وهي تعبّر عن ذلك القوّة والسلطان اللذين يتلو بهما رسولُ الله كلامَ ربّه بوصفه سفيرًا عنه، ثم يُنفِّذ عليهم حكمه باعتباره محكمةَ الله."
)البيان، ج 1، ص 131(
وبيَّن المولانا السيّد أبو الأعلى المودودي مفهوم لفظ "الآية" في قوله تعالى من سورة البقرة: (2: 39) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ من هذا المنظور بعينه. وكتب يقول:
"الأصل في معنى الآية أنها العلامة أو الدلالة التي تهدي إلى شيءٍ ما. … وقد أُطلقت كلمة الآيات في مواضع على فِقَر كتاب الله؛ لأنها لا تهدي إلى الحق والصدق فحسب، بل إن كل كتابٍ يأتي من عند الله لا تَظهر دلائل شخصية مؤلِّفه الجليل في مضامينه وحدها، بل تتجلّى كذلك ـ وبصورةٍ واضحة ـ في ألفاظه، وأسلوب بيانه، وطريقة صياغته.")تفهيم القرآن، ج 1، ص 69(
وعلى هذا، فإنّ في القرآن الكريم أمثلة متكرّرة تدلّ على أنّ الله تعالى كما أطلق لفظ الآيات على دلائل الأنفس والآفاق، فقد استعمل اللفظ نفسه أيضًا في حقّ عبارات القرآن وجمله. ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأحقاف:
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ )الأحقاف: 7(
أي: حينما تُتلى عليهم آياتُنا الواضحة، يقول الذين كفروا عن الحقّ لمّا جاءهم: إنّ هذا إلا سحرٌ بيّن.
لكن ينبغي أن يُؤخذ بعين الاعتبار أنّ هذا اللفظ حين يُستعمل في القرآن الكريم للدلالة على فِقَرِه ونصوصه، فإنّ ذلك لا يغيّر المعنى الأصلي ولا يفصله عنه. أي إنّ القرآن عندما يطلق لفظ الآية على أجزائه النصّية، فإنّ معنى الدليل والعلامة يظلّ كامناً فيه، ولا ينفكّ عنه بحال.
تأمّلوا المقطع الآتي من سورة الجاثية، حيث يتجلّى هذا الأمر بوضوح تامّ: فاللفظ استُعمل للنصّ القرآني، غير أنّ دلالة الآيات الكونية والأنفسية حاضرة فيه حضوراً كاملاً:
﴿تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ هَٰذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ )الجاثية: 6–11(
(للحديث صلة ...)
ـــــــــــــــــــــــــ
