الحوارات بين زعماء فارس والصحابة الكرام رضي الله عنهم

ترجمة إلى العربية: أ. عثمان فاروق

(نقلاً عن كتاب المؤلّف "تفهيم الآثار")

(الحلقة الثانية)

(۲)

عمرو بن محمد، عن الشعبي، وطلحة عن المغيرة، قالوا: فخرجوا من العسكر حتى قدموا المدائن احتجاجا ودعاة ليزدجرد، فطووا رستم حتى انتهوا إلى باب يزدجرد، فوقفوا على خيول [عراب ] معهم جنائب، وكلها صهال، فاستأذنوا فحبسوا، وبعث يزدجرد إلى وزرائه ووجوه أرضه يستشيرهم فيما يصنع بهم ويقوله لهم، وسمع بهم الناس فحضروهم ينظرون إليهم، وعليهم المقطعات والبرود، وفي أيديهم سياط دقاق، وفي أرجلهم النعال، فلما اجتمع رأيهم أذن لهم فأدخلوا عليه.[10] 

الشرح اللغوي:

جنائب: جمع كلمة ’جنيبة‘، وهي تطلق في لسان العرب على الفرس الذي لا يركب، وإنما يتّخذ لحمل الأمتعة أو يصاحب في السفر لينتفع به عند الحاجة.

الشرح والتوضيح:

إن ما أبداه قادة فارس من عناية خاصة بتنظيم الحوار مع العرب، وما ظهر من عامة الفرس من فضول وترقّب وشغف لمعرفة شأنهم، يكشف بوضوح عن حالة القلق والخوف التي خيّمت على قلوبهم آنذاك. ويرجع ذلك، كما ستدل عليه الشواهد التاريخية اللاحقة، إلى أسباب متعدّدة، في مقدّمتها بروز العرب قوّة سياسية موحّدة، وهو تطوّر لم يكن الفرس يتوقّعونه بحال.

وزاد هذا الأمر حدّةً ما كانت تعانيه الدولة الفارسية من اضطراب داخلي وصراع سياسي، فضلًا عن نجاح العرب في فتح جزءٍ من أرض العراق، وما ظهر منهم من عزم راسخ وحماسة متوثّبة لمتابعة الفتوح والتوسّع. وقد تضافرت هذه العوامل جميعًا لتضاعف مشاعر الخوف والقلق في نفوس الفرس. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على علم تام بهذه الملابسات، فبنى على ذلك سياسة محكمة تهدف إلى زيادة الضغط النفسي على الفرس؛ فأوفد وفدًا عربيًا ذا هيبة ووقار، ليقف بين أيدي أهل الحل والعقد وعامة الناس في الدولة الفارسية، فيبيّن لهم حقيقة الأوضاع بيانًا واضحًا، ويقيم عليهم الحجة، حتى تنكشف لهم طبيعة الموقف على وجهه الصحيح، ويضعف ما كانوا يسعون إلى جمعه من عزم وإرادة للمقاومة، ويصيب ذلك التصدّع ما اجتمع لهم من عزم واستعداد.

التخريج واختلاف الطرق:

نُقل هذا الحادث أيضًا عن طريق سيف بن عمر في كتاب الكلاعي [11]. ويلاحظ في المتون اختلاف بعض الألفاظ؛ فعلى سبيل المثال، ورد في نص الطبري عبارة ’خيول عرّوات‘، وهي عبارة لا يُستفاد منها معنى، فاستبدلت بعبارة ’خيول عراب‘ كما نقلها الكلّاعي، وهي عبارة مفهومة وواضحة الدلالة في سياق الحادث.

 (۳)

عن بنت كيسان الضبية، عن بعض سبايا القادسية ممن حسن اسلامه، وحضر هذا اليوم الذي قدم فيه وفود العرب، قال: وثب اليهم الناس ينظرون اليهم، فلم ار عشرة قط يعدلون في الهيئة بألف غيرهم، وخيلهم تخبط [ويوغر بعضها بعضًا  ]، وجعل اهل فارس يسوءهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم. فلما دخلوا على يزدجرد امرهم بالجلوس، وكان سيئ الادب. فكان اول شيء دار بينه وبينهم ان امر الترجمان بينه وبينهم، فقال: سلهم ما يسمون هذه الاردية؟ فسال النعمان - وكان على الوفد - : ماذا تسمي رداءك؟ فقال: البرد، فتطير وقال: برد جهان، وتغيرت الوان فارس وشق ذلك عليهم. ثم قال: سلهم عن احذيتهم، فقال: ماذا تسمون هذه الاحذية؟ فقال النعمان، فعاد لمثلها فقال: ناله ناله في ارضنا. ثم سأله عما في يده فقال: سوط، والسوط بالفارسية حريق. فقال: احرقوا فارس، احرقهم الله! وكان تطيره على اهل فارس، وكانوا يجدون من كلامه. [12] 

الشرح والتوضيح:

كان لأهل فارس عادة شائعة في استخراج الطالع والطيرة بالأحداث، وكان يزدجرد يستخدم هذه الأساليب لنيل تصور عن المستقبل من خلال ما يسأل عنه من أشياء بحوزة العرب أو أجسامهم. ففي اللغة العربية تُسمّى الثوب المخطّط ’برد‘، فلما سمع يزدجرد هذا الاسم استنبط منه الطالع باسم ’برد جهان‘، أي ’أخذ العالم‘ بالمعنى الفارسي، فيكون المراد أن العرب سيغلبون الفرس ويسيطرون على مملكتهم.وكذلك، تُسمّى النعل في العربية ’نعل‘، فأراد يزدجرد أن يحمل هذا على الكلمة الفارسية ’نالہ‘، أي الصياح والأنين، فاستخلص منها التطيّر بأن فارس ستغمرها الآهات والأنين. أما سوط العرب، فحوّله يزدجرد إلى الفارسية ’سوخت‘، أي النار والاحتراق، فاستنتج من ذلك التشاؤم بأن هؤلاء سيحرقون الفرس في نار المعارك. وهكذا، فإن حمل هذه الألفاظ الثلاثة على معانيها في الفارسية لإصدار الطيرة منها يعكس مدى الخوف والقلق الذي كان يعتري أهل فارس في تلك المرحلة من الأحداث.

التخريج واختلاف الطرق:

نُقل هذا الحادث أيضًا عن طريق سيف بن عمر في كتاب الكلاعي [13]. ويظهر في النص بعض اختلاف الألفاظ؛ فمثلاً، ورد في نص الطبري عبارة ’ويُوعِدُ بعضُها بعضًا‘، بينما نقل الكلّاعي بدلاً منها عبارة ’ويُوغِر بعضُها بعضًا‘، وهي العبارة التي أدرجت في النص الحالي.

(يتبع...)

ـــــــــــــــــــــــــ

الحوارات بين زعماء فارس والصحابة الكرام رضي الله عنهم - الإشراق العربي - ابریل 2026 - أفكار - أفكار