[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(13)
نقله إلى العربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
إشكالية نزول المسيح والأحاديث عند الأستاذ غامدي
و قبل فحص روايات نزول المسيح في مجموعة الأحاديث ، من الضروري فهم طبيعة حدث نزول المسيح هذا. فأول شيء في هذا الصدد هو أنه حدث محدد للغاية ومحسوس ومشهود. ومن حيث تأثيره وفعليته ، فهو حدث أكبر من صيرورة العصا ثعباناً ، وتفجر اثني عشر ينبوعا ، وكينونة الطريق في النهر ، والولادة من غيرالأب ، والكلام في المهد ، والهبوب بعد النوم لمدة ثلاثمائة عام ، وحدث انشقاق القمر[5]. والسبب في ذلك هو أنه يمكن خلق الارتباك من خلال تقديم تفسير لا أساس له من الصحة للأحداث المذكورة أعلاه ويمكن إقناع الأشخاص الأقل بصرا بإنكارها[6] لكن هذه الحادثة مرئية ومتجسدة وطويلة الأمد بحيث لا يمكن تقديم تفسير أقل قوة لدحضها.
الشيء الثاني هو أن هذا الحادث غيرمعتاد للغاية وخارق للعادة للغاية. إن اختفاء شخص من العالم لمدة ألفي عام ثم نزوله من السماء علنا هو ظاهرة لم تحدث من قبل في تاريخ البشرية ولن تحدث لاحقا.
والشيء الثالث هو أنه ليس نزول رجل عادي، بل نزول نبي الله. وهذا يعني أنه لا يتعلق بالأمور العامة لقدرة الله ومشيئته، بل له علاقة بمسألة النبوة والرسالة الخاصة .
الأمر الرابع: أن هذا الحدث هو أعظم علامة من علامات الساعة. وقد وردت أمارات قرب الساعة في الأحاديث كثيرة. ومنها: تصاعد الدخان، وخسوف الأرض شرقاً وغرباً، وخروج دابة الأرض، وسوق النار للناس، وطلوع الشمس من الغرب، وظهور المسيح الدجال، وخروج اليأجوج والمأجوج، وغير ذلك من العلامات التي من هذا القبيل.
إن مجرد إلقاء نظرة على هذه القائمة يظهر أن أمارة نزول المسيح هو الأبرز بينها.
والنقطة الخامسة هي أن هذه الحادثة تثير للوهلة الأولى تساؤلات حول قطعية ويقينية قرار قطعية ختم وانتهاء النبوة المذكور في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة. أي أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يُنظر إلى عودة نبي سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رحيله من الدنيا في ضوء النص القرآني الواضح؟[7]
هذه الأمور الخمسة المتعلقة بحادثة نزول المسيح تثبت أهميتها الاستثنائية، وهي تثير السؤال: لماذا لم يتم اختيار المصدر القاطع وهو القرآن الكريم لنقل أخبارهذا الحدث الضخم، ولماذا ترك الأمر للناس لينقلوه إن شاءوا أولم ينقلوا إن أبوا، وليتخذوا ما شاؤوا من أسلوب في روايته؟
لكن بغض النظر عن هذا السؤال، فإذا نظرنا إلى الأمور المذكورة في سياق الأحاديث فقط، فإنها تحتاج بالضرورة إلى الأدلة والشواهد التالية:
أولاً:هذه الحادثة ينبغي أن تكون معروفة على نطاق واسع بين الصحابة والتابعين.
ثانياً: أن يرويها ذلك غالبية كبار الصحابة الكرام وتنقل أيضاعن التابعين.
ثالثاً: ينبغي أن يذكر ذلك في كتب ومجاميع الحديث الأولى.
رابعاً: يجب أن تكون رواياتها واضحة وخالية من أي غموض أو تناقض داخلي.
خامساً: ألا يكون هناك تعارض بين رواياتها وبين الروايات الأخرى للمجموعات الحديثية.
والسؤال الآن هو، هل هذه المتطلبات تتحقق في الواقع في أحاديث وآثار نزول المسيح؟ والجواب على هذا السؤال بالنفي التام. ويأتي وصفها أدناه في شكل بعض الإشكاليات.
وبعض المقامات منها تتقاضى من حيث محتواها وأسلوبها أن يذكرنزوله هناك لازماً إذاكان نازلا،ولكن فضلاً عن ذكرذلك إنه لم يشرإلى ذلك إشارة ما.ولذا فإن ذلك يبعث على الإشكالية عند أستاذنا الجليل وسكوت القرآن عن ذلك يبرزعدم الاطمئنان بتصورنزول المسيح عليه السلام.
الإشكال الأول:
لايوجد حديث عن نزول المسيح في المصادرالحديثية الأولى.
أول كتاب ظهر في الحديث هو "الصحيفة الصحيحة" والمعروفة باسم "صحيفة همام بن منبه".[8] وكان همام بن منبه تابعياً وتلميذاً لأبي هريرة رضي الله عنه. وقد جمع هذا المصحف قبل سنة 58هـ بقليل. ويحتوي على 138 حديثاً. وكلها رواها أبو هريرة رضي الله عنه. ومنها الأحاديث الواردة في مسائل الإيمان، والعبادة، والأعمال، والأخلاق والآداب، وغيرها من المواضيع المتنوعة. ومن المثير للدهشة أن هذه الآثاروالأحاديث لا تتضمن حديث نزول المسيح. وتأتي هذا لعجب من عدة جوانب:
أحد الجوانب هو كيف تم تجاهل مثل هذا الحديث غير العادي. ثانياً: إن أبا هريرة رضي الله عنه أيضاً من رواة أحاديث نزول المسيح عليه السلام. ومن المدهش أنه عندما أملى مباشراً تلميذه أحاديثه لم يتضمن حديث نزول المسيح، على الرغم من أنه كان قد بينه بالفعل في مكان آخر. ثالثاً، من جهة أن هذا الكتاب الهام جداً يحتوي على حديثين آتيين متعلقين بالنبي عيسى عليه السلام:
وقال رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم: رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق، فقال له عيسى: سرقت؟ فقال: كلا والذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني. (صحیفہ ہمام بن منبہ، رقم 41) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي. (صحیفہ ہمام بن منبہ، رقم 133)
ومن الواضح أن حديث نزول عيسى عليه السلام هو أبرز وأهم من هذين الحديثين من حيث فحواه ومضمونه فإذا جاءا هذان الحديثان فيها فلماذا لم يجئ حديث أكثر شهرة منهما؟
ورابعاً أن هذه الصحيفة أيضا متضمنة لحديث عن الدجال وهي كماياتي:
فالسؤال هو، إذا تم تضمين هذا الحديث المتعلق بالمسيح الدجال، فلماذا لم يتم تضمين أهم حديث يتعلق بالمسيح الدجال، والذي يذكر قتل المسيح الدجال على يد النبي عيسى؟
خامساً: من جهة أنه ورد في هذا الكتاب خمسة أحاديث عن قرب الساعة. وقد جاء فيها أنه قرب يوم القيامة تطلع الشمس من مغربها، ويكثر المال، ويرفع العلم، وتظهر الفتن، ويكثر القتل والهلاك، وتقع حرب كبرى بين فئتين، ويقاتل المسلمون قوماً حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار العيون. والأحاديث هي كما يلي:
قال رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا. ( صحیفہ ہمام بن منبہ، رقم 25) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يتقبل منه صدقته. قال: ويقبض العلم ويقترب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج، قالوا: الهرج ای هو يا رسول الله؟ قال القتل القتل. (صحیفہ ہمام بن منبہ، رقم 22) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة و دعواهما واحدة. (صحیفہ ہمام بن منبہ، رقم 23) وقال رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا جور كرمان، قوماً من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة. (صحیفہ ہمام بن منبہ، رقم 125) وقال رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر. (صحیفہ ہمام بن منبہ، رقم 127)
فإن إدخال هذه الأحاديث المتعلقة بعلامات اقتراب يوم القيامة في صحيفة همام بن منبه، مع عدم وجود أهم علامة في هذا السياق وهي نزول المسيح، يدعو إلى الشك في أحاديث نزول المسيح.
(للبحث صلة ...)
ـــــــــــــــــــــــــ
