نظرات في مجلس غزة للسلام الدولي

قام بتدوين النص وترجمته إلى العربية: شاهد رضا [2]* 

كيف نقضي شهر رمضان؟

(مستفاد من محادثة الأستاذ جاويد أحمد غامدي)

ينبغي لنا أن نقف مع شهر رمضان وقفة فهم ووعي، لا وقفة عادة وتكرار؛ أن ندرك حقيقته بقلوبنا وعقولنا، وأن ننقل هذا الإدراك إلى أبنائنا، لأن ما لا يدخل دائرة الوعي لا يترك أثرًا في النفس، وما لا يدرك معناه لا يغيّر السلوك. وقد كشف القرآن الكريم عن جوهر رمضان وغاية الصيام كشفًا بيّنًا، حين خاطب المؤمنين قائلًا:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [3]

فهذه الآية لا تعرّفنا بحكم الصيام فحسب، بل تكشف عن روحه ومقصده؛ إذ تجعل التقوى غايته الكبرى، والتقوى ليست طقسًا مؤقتًا، بل حالة وعي دائم، وشعور مستمر بحضور الله في كل حركة وسكنة.

لقد وضع الله تعالى الإنسان في دار ابتلاء، وجعل من أبرز وجوه هذا الابتلاء أن يختار طاعة ربّه على هوى نفسه. فالله يأمر بالصدق والأمانة والعدل، وينهى عن الكذب والخيانة والظلم، ويحرّم الاعتداء على النفس والمال والعِرض، لأن في ذلك فساد الإنسان وخراب المجتمع. ومن ثمّ كان واجب المؤمن أن يكفّ نفسه عن هذه المهالك، وأن يزن أفعاله بميزان الحق لا بميزان الرغبة. غير أنّ النفس البشرية كثيرًا ما تساق بدوافع الشهوة، فتدعو صاحبها إلى الاستئثار، وأكل أموال الناس بالباطل، وإيذاء الآخرين متى سنحت الفرصة. فتارةً يحرّكها دافع الانتقام، وتارةً تستبدّ بها شهوة اللذة، وتارةً تغويها نزعة التسلّط وحبّ السلطة، حتى تنتهي بصاحبها إلى المعاصي والجرائم. ومن هنا جاءت أوامر الله ونواهيه سياجًا واقيًا للإنسان، يحجزه عن السقوط، ويهديه إلى طريق السلامة والكرامة.

إنّ الإسلام في جوهره دعوة إلى أن تعاش الحياة على أسمى درجات الأخلاق. فالحياة الأخلاقية الرفيعة لا تجزّأ، ولا تحصر في مجالٍ دون آخر، بل تمتدّ إلى كل شؤون الإنسان: في تجارته، وفي ممارسته للسياسة، وفي علاقاته الاجتماعية، وفي بيته وخارجه، في كل موضع يقف فيه الإنسان موقف الاختيار والمسؤولية. وحين يلتزم المرء بهذه القيم، فإنه يضع لشهواته ورغباته وميوله حدودًا واضحة، فلا يتركها تقوده حيث شاءت. وهذا هو معنى التقوى: ألا يطلق الإنسان لنفسه بلا قيد، بل يفرض عليها نظامًا وانضباطًا، فيعاهد نفسه على الصدق، ويجتنب الخداع، ويقبل أن يتحمّل الضرر على ذاته، دون أن يمدّ يده إلى مال غيره، أو يقع في ظلم أحد.

ومن هنا، فإن ديننا يريد منا أن نحيا هذه الحياة الأخلاقية واقعًا ملموسًا، لا شعارًا مجرّدًا، وأن يظهر أثرها في جميع تفاصيل حياتنا. فغاية رسالة الدين أن يلتزم الإنسان بأعلى القيم في تعامله مع زوجته وأولاده، وفي تعامل الزوجة مع زوجها، ومع الأقارب والأصدقاء، وفي السوق، وفي صناعة الدواء، وفي البيع والشراء، وفي نقل البضائع، وفي الوظيفة، وفي ميادين السياسة والاقتصاد؛ في كل مجال من مجالات الحياة. ولهذا عبّر رسول الله ﷺ عن جوهر رسالته بقوله:

 "إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق". [4] 

ولا ريب أنّ الحياة القائمة على مكارم الأخلاق ليست طريقًا سهلًا؛ فهي مطلوبة في كل حال ومكان، ولا تتحقق إلا بالالتزام بحدود واضحة تضبط السلوك وتوجّه الإرادة. وهذا الالتزام هو ما تسمّيه العربية التقوى: أن يحفظ الإنسان نفسه داخل إطارٍ أخلاقيّ يجعله إنسانًا راقيًا، قويًّا، سليم الضمير.

والصيام هو المدرسة التي تدرّب الإنسان على هذا المعنى. وقد اختار الله تعالى لهذا التدريب أسلوبًا بالغ الأثر، حين فرض قيودًا على بعض المطالب الفطرية الأساسية؛ لأن هذه المطالب لا تلبث أن تضغط على الإنسان من داخله بعد ساعات قليلة، فتظهر مشاعر الجوع والعطش، ويبرز ضعف الطبيعة البشرية. عندها يشعر الصيام الإنسان بحقيقته: أنّه عبد الله، وأن عليه، امتثالًا لأمر ربه، أن يقهر مطالبه الفطرية، وأن ينشئ التقوى في نفسه عمليًا، لا نظريًا.

وتأمّلوا، كيف أنه حين لا يبقى على الإفطار إلا أربع أو خمس ساعات، تبدأ حالة العجز الإنساني بالوضوح؛ يشتدّ الجوع ويقوى العطش، ولا يمنع الإنسان من الاستجابة لهما إلا أمر واحد: هذا أمر ربي. هنا يتجلّى معنى الطاعة الخالص؛ أن يطيع الإنسان الله، وطاعة الله هي الالتزام بمكارم الأخلاق. وهذا الامتثال هو ما تسمّيه العربية الطاعة، حتى يغدو الإنسان كأنه صورة حيّة لها.

وهكذا يواصل الصيام تربية الإنسان عامًا بعد عام. ففي كل سنة، ولمدةٍ تقارب سبعمائةٍ وعشرين ساعة، يأتي الصيام ليغرس فينا حقيقةً واحدةً واضحة: أننا عباد الله، وأن علينا، في التجارة والاقتصاد، وفي المجتمع والسياسة، أن نلتزم بالمبادئ الأخلاقية التي أمرنا الله بها.

انقلوا هذه الرسالة إلى أبنائكم، وذكّروا بها أنفسكم قبل غيركم؛ فعندئذٍ تتكوّن الاستعدادات للصيام بصورة تلقائية، ويصبح رمضان ثمرة وعي سابق، لا مفاجأة عابرة. أمّا إذا تحوّل شهر رمضان إلى مجرّد موسم للاحتفاء بالطعام والشراب، وإقامة موائد الإفطار والمجالس، فإن الأبناء سيتلقّون، بطبيعة الحال، هذا المعنى المشوّه، ويتربّون عليه.

وإن وفّقكم الله، فصوموا بعض النوافل في شهر شعبان؛ لتتهيّأ النفس ذهنيًا، وتعتاد الصيام عمليًا، إذ يكون هذا الشهر بداية الاستعداد الفكري والعملي لاستقبال رمضان.

نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في شهر شعبان، وأن يبلغنا رمضان، شهر الطاعة والرحمة والمغفرة، وأن يوفّقنا فيه للصيام والقيام وتلاوة القرآن الكريم، وأن يجعلنا من الذين يغتنمون أيامه ولياليه بالعبادة وحسن الخلق، وأن يقضونه على هدي رسوله ﷺ، ممتثلين أوامره، مجتنبين نواهيه، صادقين في النية، مخلصين في العمل. آمين

ـــــــــــــــــــــــــ

نظرات في مجلس غزة للسلام الدولي - الإشراق العربي - ابریل 2026 - أفكار - أفكار