(الحلقة الأولى)
الفصل الأول
الحدث
إننا نعيش اليوم أحداثًا أليمة متسارعة، وعنفًا شديدًا متصاعدًا، وانغلاقًا كبيرًا في العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الشمال والجنوب، ومذابح يومية يقوم بها الإسرائيليون في فلسطين، مذابح يشعر بها صمت الرأي العام العالمي، ويريرها بشتى الوسائل أصحاب القرار النظري والعملي في العالم، وكل ذلك يمثل صيغة تأسيسية لما يسمى بالعولمة، وهو على كل حال ناتج عن تهافت منظومة القيم التي كانت تسود العالم في عصر الحداثة، وتعويضها بمنطق الربح والهيمنة وفوضى السوق التي تسود الآن في عصر ما بعد الحداثة.
لا محالة لا نستطيع بأي حال تبرير أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١م عندما حطمت عمليات انتحارية بواسطة طائرات مدنية قد تم اختطافها ناطحات السحاب النيويوركية المشهورة، ومبنى البنتاغون في واشنطن. ولكننا نعدّ أن هذه العملية الإرهابية لم تكن من أجل الإرهاب، إذ يجب أن ننظر بتمعّن إلى مكانة البلد المستهدف في العالم، لفهم الأسباب الكامنة وراءها مهما كان القائم بهذه العمليات، ومهما كانت أهدافهم المعلنة وغير المعلنة. فليست هي قضية إرهاب، ولا هي تصادم بين الخير والشر، ولا هي حرب دينية جديدة أو حرب صليبية أخرى ولم تنتج عن صدام الحضارات. هي – حسب رأينا – ردّة فعل قوية ضد اللاعدل الذي يريد الغرب برعاية أمريكا أن يظهره للعالم وكأنه هو العدل الإنساني الوحيد الممكن.
لو عدنا قليلاً إلى تاريخ تكون أمريكا، لوجدنا أنها صورة ميدانية وعملية للعقلانية الكلاسيكية. لقد بيّن الفيلسوف الفرنسي ميشال سار أن في الوقت الذي يقوم فيه ديكارت بتأسيس مبادئ العقل، تقوم الجيوش الإنكليزية والغربية بصفة عامة بقتل الهنود في أمريكا وحرق الغابات وبناء المستعمرات التي ستصبح فيما بعد دوليات تكون منها أمريكا حاليًا. ليس هدفنا العودة إلى هذا التاريخ العنيف، ولكننا ودّنا أن نبيّن أن العقلانية الغربية لم تصنع العلوم والتكنولوجيا فقط، بل أقامت أيضًا منطقًا جديدًا يقوم على الإقصاء والاستبعاد والتقتيل، بحيث ستؤدي هذه العقلانية إلى إقرار للإنسانية لا محالة، ولكن هذه الإنسانية ستأتي مشطورة ذات قطبين، إنسانية جديدة يعمل العقل في تظهيره الغربي على تطويرها والدفاع عنها، وإنسانية أخرى منبوذة، يمكننا في أحسن الأحوال - تركها جانبًا، إذا لم يقم هذا العقل بإلغائها وتصنيفها وإبادتها إن اقتضت ضرورة ما لذلك.
لا نريد هنا تعداد الأدلة والشواهد على ذلك، إنما نذكر بعض الأمثلة القريبة:
ألم يكن دور العقل في تظهيره الغربي كبيرًا في تقتيل الشعب العراقي في حرب الخليج (بواسطة أسلحة الدمار الشاملة وبواسطة الحصار المتواصل)؟ ألم تكن أمريكا مثلًا هي المسؤولة الأولى عن خنق الشعب العراقي بواسطة الحظر الاقتصادي الذي أنتج ما يقارب مئات الآلاف من الضحايا؟ ألم يشجّع هذا العقل قوى الظلام في الإسلام، بما في ذلك نظام طالبان وأسامة بن لادن نفسه لكي يحطموا النظم العربية التقدمية التي كان يمكن لها أن تلعب أدوارًا استراتيجية هامة كمصر والجزائر؟ ألم يقم هذا العقل بمعاقبة العرب على جرائم قام بها غيرهم في الحرب العالمية الثانية حينما حاول تصفية اليهود فقام دولة إسرائيل بين أراضيهم، إسرائيل التي هي بدورها تنفذ إرادة التصفية ضد الشعب الفلسطيني؟ ألا يتضمن هذا العقل في تحقير الإسلام ومحاولة إبعاده دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا عن مجتمعه؟ أليس الإسلام هو ثاني الأديان في كثير من البلدان الغربية - بالنسبة إلى عدد معتنقيه - ولكنه احتُقر عندهم، ثم وبعد هذا كله، ألم يقف هذا العقل وراء جرائم إنسانية أكثر خطورة من أحداث ١١ سبتمبر، مثل مجازر رواندا، والبوسنة وغيرها؟ أمريكا مثلًا قد اعتبرت مجازر رواندا "أزمات إنسانية" ولم يدن هذه المجازر أحد.
لقد قسم العقل في تظهيره الغربي (المعقولية الغربية) الإنسانية إلى جزئين مختلفين، هناك إنسانية تستحق الدفاع عنها وحفظها وتطويرها واحترامها، وهي تلك التي تنتمي بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى العالم الرأسمالي المهيمن. وإنسانية ثانية غيرية "يتفرع فيها الإرهاب والشر والفقر"، وهي تستحق "العواطف الإنسانية" في أفضل الأحوال.
معنى ذلك أن العالم اليوم عالمان: عالم العولمة والهيمنة المطلقة وعالم (الرحمة والعناية)، أي عالم تُرك إلى المنظمات الإنسانية للاهتمام بفقره ومرضه لأنه قد تم إخراجه نهائيًا من التاريخ بالنسبة إلى المعقولية الغربية.
(يتبع...)
_________________________________
* كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة"، د. عبد الوهاب المسيري والدكتور فتحي التريكي، صـ ١٧٩- ١٨٢
** فتحي التريكي هو مفكّر وفيلسوف تونسي من مواليد ٣٠ مايو ١٩٤٧. يُعدّ من أبرز المفكرين العرب المعاصرين في مجال الفلسفة السياسية وفلسفة الحداثة، ويشغل منصب رئيس معهد تونس للفلسفة وأستاذ كرسي اليونسكو للفلسفة بجامعة تونس. تحصّل على دكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس، كما نال دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. ساهم صحبة الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية، كما اقترح فكرة تقاسم الكونية بوصفها مدخلاً للحوار بين الثقافات.
شغل عدة مناصب أكاديمية، منها عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس بين ١٩٩٠ و١٩٩٦، وعُيّن في كرسي اليونسكو للفلسفة في الوطن العربي سنة ١٩٩٧. كما عمل أستاذاً زائراً بجامعة ديوك بالولايات المتحدة سنة ١٩٩٩، وبجامعة باريس ٨ سنتي ٢٠٠٠ و٢٠٠٧، إضافة إلى إدارته لمخبر الفلسفة بجامعة تونس، ونيله صفة أستاذ فخري بالجامعة نفسها.
ألّف ٢٨ كتاباً في الفكر الفلسفي، من أبرزها: الفلاسفة والحرب (بالفرنسية) سنة ١٩٨٥، فلاطون والديالكتيكية ١٩٨٦، الفلسفة الشريدة ١٩٨٨، قراءات في فلسفة التنوع ١٩٨٨، الروح التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية ١٩٩١، فلسفة الحداثة ١٩٩٢، مقاربات حول تاريخ العلوم العربية ١٩٩٦، استراتيجية الهوية ١٩٩٧، فلسفة العيش سوياً ١٩٩٨، والعقل والحرية ١٩٩٨.
نال الدكتور فتحي التريكي عدداً من الجوائز والتكريمات، من بينها وسام الاستحقاق في التعليم والعلوم، والجائزة الوطنية في الآداب والعلوم الإنسانية، ووسام الجمهورية التونسية، ودبلوم الجدارة العلمية من معهد تعزيز الفلسفة الفرنكوفونية في كينشاسا.
________________
