حیاة أمين 


نقله إلى العربية: أ. عثمان فاروق

سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي

]وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش [

(13)

خلال فترة صدور مجلة "الإصلاح" توفّي عدد من الشخصيات العلمية والأدبية البارزة، فنشرت في المجلة مقالات رفيعة المستوى تأبينًا لهم. وكان في طليعة هؤلاء العلامة محمد إقبال والشيخ شوكت علي. أمّا المقال الذي كُتب عن العلامة محمد إقبال فقد جاء في غاية الروعة والإتقان، غير أنّنا ننقل هنا فقرته الختامية فقط:

"عندما كانت اليأس يحيط بنا من كل جانب، كنا نرى في شعر إقبال علامةً للأمل، وعندما كانت الظلمات تخيّم، كان إقبال يسطع لنا كشعاع هداية. لقد كان يدفئ الأرواح، ويوقظ القلوب. ومن خلال كلماته، كنا نسمع صدى ضمائر الشرق. وفي أناشيده الهندية، كانت إيقاعات الحجاز تتلوّن بالاضطراب. كان من أهل الأرض، لكن تحليقه بلغ السماوات. كان شاعرًا، ومع ذلك، كانت روح علم النبوة حاضرة في شعره. كان في مظهره عالمًا منغمسًا في شؤون الدنيا، لكنه كان درويشاً في زي الناس، وحكيمًا في ثوب المجانين. يا إلهي! أين ذهب شاعرنا هذا؟ فلتنزل على روحه رحمتك الواسعة وفضلك الباذخ." [مايو ١٩٣٨م  ]

تصحيح سوء فهم

يُفهم عادةً أن الشيخ الإصلاحي قد أصدر في عام ١٩٣٦م مجلة "الإصلاح" الشهرية تحت دائرة حميدية، واستمر صدورها حتى نوفمبر ١٩٣٨م، غير أن هذا فهم ناقص. الحقيقة الكاملة هي أنه بعد انقضاء أكثر من عام بقليل، تولى الشيخ الإصلاحي مهمة إعادة إصدارها، لكنها لم تعد مجلة شهرية، بل صارت مجلة فصلية. كما تغيّر اسمها من "الإصلاح" إلى "إصلاح". وفي مقدمة أول عدد من هذه النسخة الجديدة، كتب الشيخ الإصلاحي ما يلي:

"بعد انقضاء أكثر من عام بقليل، يعود المرحوم "الإصلاح" من جديد، لكن هذه المرة على شكل مجلة فصلية، مقدَّمة إلى محبّي المدرسة وإخوانها من الدائرة الحميدية، وإلى أولئك الذين قدروا المرحوم "الإصلاح" ووقفتهم إلى جانبه. لقد تغيّر اسمها من "الإصلاح" إلى "إصلاح" فقط، أي أنّ الأعباء المرتبطة بالعلمية والعروبة التي كانت تثقل "الإصلاح" قد أزيلت عن هذه الصحيفة.

كانت مجلة "الإصلاح" موجّهة إلى طبقة المثقفين في البلاد، لذلك كانت تحوي ما يروق لهم ويثير اهتمامهم. أما هذه المجلة، فمخصّصة لخدمة الجمهور العام، ولن تحتوي على أي شيء يشكّل ثقيلاً على عقول ضعيفة الاستيعاب. ستكون رسائلها بسيطة وواضحة، يستطيع كل شخص قراءتها وفهمها، وإذا شاء، الاستفادة منها."

تشير طبعة هذه المجلة الفصلية إلى أن الشيخ الإصلاحي، في ظل الظروف الطارئة آنذاك، كان يمتلك رؤية علمية لإرشاد المسلمين، إلى جانب بعض التوصيات العملية. وقد عبّر عن ذلك في العدد الأول من مجلة "إصلاح" بهذه الكلمات:

"غايتنا أن نحدث في صفوف المسلمين انقلابًا تكون نتيجته أن يُتّخذ القرآن الكريم محورًا لكل فكرهم وعملهم. ولسنا نفهم هذا الأمر على سبيل الظن، بل نراه عيانًا، أن حربًا فكرية وذهنية دائرة في هذا الزمن، يجد المسلمون فيها أنفسهم ضعفاء. وليس سبب هذا الضعف إلا أنهم لا يخوضون هذه المعركة بالسلاح الذي أنعم الله تعالى به عليهم، وهو القرآن الكريم، السلاح الوحيد الكفيل بتحقيق النصر.

وإذا تجرّأ عبد من عباد الله فأمسك بهذا السلاح، فإن المسلمين، بعد طول غفلة وبُعد، أصبحوا غرباء عن حسن استعماله، حتى إنهم بدلًا من أن يُلحقوا به ضررًا بالعدو، يزيدون به من خراب أنفسهم، فيغدو تمسّكهم بالكتاب أشدّ ضررًا من ترك غير هم له.

ومن ثمّ، فإن مقصدنا أن يتعرّف المسلمون على القيمة الحقيقية للقرآن الكريم، وأن يستخدموه في جميع مجالات حياتهم الفكرية والعملية على نحو ما يستخدم قائد خبير سلاحًا مجرّبًا. ولتحقيق هذا الهدف وُضعت خطة خاصة، قد بدأ العمل ببعض عناصرها في الوقت الحاضر.

أولًا: مدرسة الإصلاح.

ثانيًا: الدائرة الحميدية، التي تُعنى بإصدار الكتب المتعلقة بالعلوم القرآنية والإسلامية باللغة العربية والأردية.

ثالثًا: من خلال هذه المجلة، نسعى إلى تقريب هذه المعارف إلى المسلمين العاديين أيضًا.

جهود كلّ من المدرسة والدائرة الحميدية تهدف إلى تكوين عقل إسلامي سليم، ومن ثم يكون لهما ارتباط غير مباشر مع عموم المسلمين. أما هذه المجلة، فستخاطب الجمهور العام مباشرة، وتعرض لهم باللغة التي يفهمونها احتياجات حياتهم الأساسية ومسؤولياتهم الواقعية."

(يتبع ...)

ـــــــــــــــــــــــــ

حیاة أمين  - الإشراق العربي - ابریل 2026 - أفكار - أفكار