ترجمة من الأردية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
(13)
والأساسات ما بعد الطبيعية والأخلاقية التي جاءت لدين الله هذا، لهذه "العبادة" يعبرها القرآن بـ "الحكمة" ومراسمها وحدودها وقيودها بـ"الكتاب" أي القانون والتشريع كما جاء: وَاَنْزَلَ اللهُ عَلَیْكَ الْکِتٰبَ وَالْحِکْمَة وَعَلَّمَكَ مَالَمْ تَکُنْ تَعْلَمُ، وَکَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَیْكَ عَظِیْمًا. (النساء (13) وَاذْکُرُوْا نِعْمَتَ اللهِ عَلَیْکُمْ وَمَآ اَنْزَلَ عَلَیْکُمْ مِّنَ الْکِتٰبِ وَالْحِکْمَة، یَعِظُکُمْ بِه، وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوْٓا اَنَّ اللهَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیْمٌ. (البقرة: 231) ويعبر هذا الكتاب "بالشريعة": ثُمَّ جَعَلْنٰكَ عَلٰی شَرِیْعَة مِّنَ الْاَمْرِ فَاتَّبِعْھَا وَلَا تَتَّبِعْ اَھْوَآءَ الَّذِیْنَ لَا یَعْلَمُوْنَ. (الجاثية: 18)
ولا زالت الحكمة واحدة ولكن الشريعة ما زالت تتغير بتغير التمدن الإنساني والرقي فيه. كما قال: لِکُلٍّ جَعَلْنَا مِنْکُمْ شِرْعَة ومِنْھَاجًا، وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَعَلَکُمْ اُمَّة وَّاحِدَۃً. (المائدة: 48)
ويُعلم من دراسة الكتب الإلهامية أن التوراة تذكر الشريعة في الأكثر والإنجيل تذكر الحكمة. والزبور هو مزمور لتمجيد الرب تعالى في تمهيد تلك الحكمة، والقرآن نزل ببيان رائع أدبي جامع لكليهما، وكصحيفة الإنذار والبشارة، كما جاء ذلك بصورة واضحة في الآيات من البقرة والنساء التي مرت آنفاً، أما التوراة والإنجيل فقد قال الله تعالى فيهما في موضع متحدثاً عن كلامه لسيدنا المسيح عليه السلام في القيامة: وَاِذْ عَلَّمْتُكَ الْکِتٰبَ وَالْحِکْمَة، وَالتَّوْرٰةَ وَالْاِنْجِیْلَ. (المائدة: ۱۱۰) والحكمة أساسياً تبحث عن مباحث تالية:
أولاً الإيمانيات
وثانياً الأخلاقيات
والمباحث التي جاءت تحت عنوان الكتاب هي كالتالي:
1 – قانون العبادات 2- قانون الاجتماع والعشرة 3- قانون السياسة. 4- قانون المعيشة. 5- قانون الدعوة. 6- قانون الجهاد. 7- الحدود والتعذيرات. 8- أحكام الأكل والشرب. 9- التقاليد والآداب. 10- أحكام القسم وكفارته.
فهذا هو الدين في مجموعه. ورسل الله الذين جاؤوا بهذا الدين هم أنبياء الله ويفيد القرآن أن بعضهم فازوا بمرتبة الرسالة أيضًا مع منصب "النبوة".
والنبوة عبارة عن وصول شخص منتخب من بني آدم للوحي من السماء. ولبشارة الناس بالعاقبة الحسنى للذين يؤمنون به وتحذيره الناس وإنذارهم بالعاقبة السيئة لمن يكفرون به. ويعبر القرآن ذلك بالإنذار والتبشير. كما قال: کَانَ النَّاسُ اُمَّةً وَّاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِیيّنَ، مُبَشِّرِیْنَ ومُنْذِرِیْنَ. (البقرة: ۲۱۳)
والرسالة أن يأتي نبي إلى قومه كمحكمة إلهية أن إذا كذبه قومه نفذ عليه قضاء الله المبرم في هذه الدنيا، وتقوم غلبة الحق على قومه كما قال تعالى: وَلِکُلِّ اُمَّة رَّسُوْلٌ، فَاِذَا جَآءَ رَسُوْلُهمْ قُضِي بَیْنَهمْ بِالْقِسْطِ، وَهُمْ لَا یُظْلَمُوْنَ. (يونس: 147) وقال في موضع آخر:
اِنَّ الَّذِیْنَ یُحَآدُّوْنَ اللهَ ورَسُوْلَه، اُولٰٓئكَ فِی الْاَذَلِّیْنَ.کَتَبَ اللهُ لَاَغْلِبَنَّ اَنَا ورُسُلِي، اِنَّ اللهَ قَوِي عَزِیْزٌ. (المجادلة:20-21)
فهذا هو قانون الرسالة الذي قال عنه القرآن بالإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً فقال: ھُوَ الَّذِیْٓ اَرْسَلَ رَسُوْلَه بِالْھُدٰی ودِیْنِ الْحَقِّ لِیُظْھِرَہ عَلَی الدِّیْنِ کُلِّه، وَلَوْکَرِہَ الْمُشْرِکُوْنَ. (الصف: 9)
وتكون صورته أن ينتخب الله رُسله لإظهار دينونته وتقوم القيامة الصغرى قبل القيامة الكبرى على الأرض. وينبه مخاطبوهم أنهم إذا قاموا بميثاقهم مع الله سبحانه يُجزون عليه جزاءً خيرًا وإن انحرفوا منه عوقبوا عليه في هذه الحياة الدنيا. وكنتيجةٍ لذلك القضاء الإلهي يكون وجود رُسل الله آيةً إلهيةً حيةً في الناس فالناس كأنهم يرون الله تعالى معهم، يمشي معهم ويقوم بالحكم. ويؤمر رُسل الله أنهم بما رأوا من آيات الله برأس أعينهم فعليهم أن يبلغوا على أساسها رسالات الله إلى قومهم تامةً قاطعةً. فهذه هي" الشهادة" في تعبير القرآن. إذا قامت تكون سبباً لقضاء الله في الدنيا والآخرة. فيغلب الله رُسله هولاء على قومهم وينزل عذابه على منكري دعوتهم، وانطلاقًا من ذلك فقد قال القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه شاهد وشهيد: اِنَّآ اَرْسَلْنَآ اِلَیْکُمْ رَسُوْلًا، شَاھِدًا عَلَیْکُمْ، کَمَآ اَرْسَلْنَآ اِلٰی فِرْعَوْنَ رَسُوْلاً. (المزمل ۷۳: 15)
ومنصب الشهادة هذا قد تم إعطاؤه لذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام أيضًا علاوةً على الرُّسل. ومن هنا سماهم القرآن أمةً وسطاً بين رسل الله وعباده (البقرة:143)، وتحدث عنهم أنهم قد انتخبوا لهذا المنصب الجليل كما قد تم انتخاب بعض الشخصيات الجليلة من بني آدم للنبوة والرسالة فقال: وَجَاھِدُوْا فِي اللهِ حَقَّ جِھَادِہٖ، ھُوَ اجْتَبٰکُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَیْکُمْ فِي الدِّیْنِ مِنْ حَرَجٍ، مِلَّة اَبِیْکُمْ اِبْرٰهیْمَ، ھُوَ سَمّٰکُمُ الْمُسْلِمِیْنَ مِنْ قَبْلُ وفِي ھٰذَا لِیَکُوْنَ الرَّسُوْلُ شَھِیْدًا عَلَیْکُمْ وَتَکُوْنُوْا شُهدَآءَ عَلَی النَّاسِ. (الحج: ۷۸).
وقد أنزل الله تعالى كتبه مع أنبيائه ورسله عامةً. وبين القرآن أن إنزال الكتب يهدف إلى أن تكون ميزاناً للحق والباطل حتى يحكم الناس في خلافاتهم بهذه الكتب ويكونون قائمين بالقسط فقال تعالى:
وَاَنْزَلَ مَعَھُمُ الْکِتٰبَ بِالْحَقِّ لِیَحْکُمَ بَیْنَ النَّاسِ فِیْمَا اخْتَلَفُوْا فِیْه.
(البقرة: ۲۱۳)
وقال:
وَاَنْزَلْنَا مَعَھُمُ الْکِتٰبَ وَالْمِیْزَانَ لِیَقُوْمَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. (الحدید: ۲۵)
(يتبع ...)
ـــــــــــــــــ
