تحقيق: هل أغلظ عمر رضي الله عنه القول للعباس في طلب الصدقة؟

أخذ وتقديم:  د. محمد غطريف شهباز الندوي

(الحلقة الثانية والأخيرة)

(مقتطف من شرحه الحافل تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)

] المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[

وأما منصور بن زاذان فروى هشيم بن بشيرالواسطي عنه عن الحكم عن الحسن بن مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً أنه قال لعمررضي الله عنه إنا كنا قدتعجلنا صدقة مال العباس لعامنا هذا عام أول (سنن البيهقي 4 ص 111) وهذا هو الأصح من هذه الروايات، فالصواب أنه ليس من حديث علي ولامن حديث طلحة ولامن حديث ابن عباس وإنما هومرسل من الحسن بن مسلم ولاندري عمن تلقاه،فلايصح عن علي هذاالحديث من طريق أبي البختري ولامن طريق حجية بن عدي.

حديث أبي رافع رضي الله عنه

روى القاضي شريك عن إسماعيل عن سليمان الأحول عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرساعياً فكان بينه وبين العباس شيئ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أماعلمت أن عم الرجل صنو أبيه،إن العباس أسلفنا صدقة العام عام الأول .(سنن الدارقطني ص 213 طبع الهند)

وهذا إسناد منقطع فإن سليمان بن أبي مسلم الأحول لم يدرك أبا رافع ولا أحدا من الصحابة فإن كان سليمان الأحول حدث به فلاندري عمن تلقاه ثم إن شريكا تفرد به عن إسماعيل بن أبي خالد وشريك ضعيف سيئ الحفظ منكر الحديث ولا خير فيما تفرد به. فهذه القصة لاتثبت من حديث علي ولامن حديث أبي رافع ولامن حديث أحد من الصحابة وإن هي إلا أسطورة موضوعة مزورة، ولولا أن الذين رووها من رواة الحديث رجعوا إلى عقولهم لاجتنبوا روايتها ولكن القوم كانوا مولعين بالروايات، يهرعون إلى كل مأثور مشتمل على مدح لعلي رضي الله عنه أو فاطمة رضي الله عنها أو ذريتهما أو عباس رضي الله عنه وذريته فيطيرون به إلى الآفاق. إن في هذه القصة أن عمر قد أغلظ القول لعباس إذ امتنع عن الزكوة فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر أن الزكوة لاتجب على العباس في هذه السنة. فإنا قد أخذنا منه في السنة الماضية صدقة عامين. فلماذا لم يذكرالعباس لعمرأني قد أديت الزكوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لايغلظ له عمرالقول؟ ولوكان الأمركذلك لكان العباس أحرى وأجدر بأن يعظه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإنما اختلق الكاذبون هذه الأسطورة رداً على الإمام مالك بن أنس رحمه الله وتحبباً وتقرباً إلى بني العباس الآخذين بأزمة الأمورالملكية بعد بني أمية. كان الأمام مالك رحمه الله لايرى تقديم الزكوة قبل حولان الحول على المال جائزاً.وكان يقول إنما تجب الزكاة في مال بلغ مبلغ النصاب وحال عليه الحول ويقيس الزكاة في ذلك على الصلاة فكما أن الصلاة قبل وقتها لاتجزئ فكذلك لاتجزئ الزكاة قبل أن يحول الحول على المال فمن صلى الظهرقبل الزوال كانت صلاته تلك نافلة ووجب عليه أن يصليها بعد الزوال. فكذلك من عجل الزكاة قبل حولان الحول كانت صدقة نافلة ووجب عليه أن يؤديها إذا تم الحول.

وقال الإمام أبوحنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل أن ملك النصاب هو سبب وجوب الزكاة وحولان الحول سبب لوجوب أدائها.فمن ملك النصاب فقد وجبت عليه الزكاة ولكن لايجب عليه أدائها إلا إذا حال عليه الحول .ويجوز لمن ملك النصاب أن يؤدي زكاته قبل تمام الحول ويجوز له أن يؤدي زكاة سنة أو سنتين فصاعداً. وهذا كالمهر يجب بعقد النكاح ويجب أداءه إذا طلبت الزوج. ويجوز أداءه قبل أن تطلب.

ولاعليك أن تنظر في حديث أخرجه الترمذي والحاكم عن عبد المطلب بن ربيعة، قال الترمذي: حدثنا قتيبة ثنا أبو عوانة عن يزيد بن أبي زياد عن عبيد الله بن الحارث قال:حدثني عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً وأنا عنده فقال ما أغضبك؟ قال يارسول الله مالنا ولقريش إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة وإذا لقونا لقونا بغيرذلك. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه ثم قال والذي نفسي بيده، فغضب رسول صلى الله عليه وسلم حتى احمروجهه ثم قال والذي نفسي بيده لايدخل قلبَ رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله-ثم قال ياأيهاالناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه-(سنن الترمذي أبواب المناقب، مناقب العباس) وقال هذا حديث حسن قلت لاحسن فيه وإنما هو موضوع مختلق. ورواه الحاكم عن يعلى بن عبيد عن اسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يارسول الله إذا لقي قريش بعضهم بعضاً لقوا بالبشاشة وإذا لقونا لقونا بوجوه لانعرفها.قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً ثم قال والذي نفس محمد بيده لايدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله. (المستدرك 4ص75كتاب معرفة الصحابة ذكر فضائل قريش) قلت أي فضيلة لقريش في هذا الحديث؟ وهذا الحديث ممااختلقه يزيد بن أبي زيادأنه إذا حدث به أباعوانة جعله من حديث عبد المطلب بن ربيعة وإذ حدث به إسماعيل أسقط من إسناده عبد المطلب وجعله من حديث العباس. إن العباس رضي الله عنه كان من سادة قريش ووجوههاقبل الإسلام وازدادوا إكراماً له وحباً بعد ما أسلموا لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم طبعاً. فكيف يصح ما ذكرالرافضي الخبيث يزيد بن أبي زياد الكوفي. إنه أراد بوضعه واختلاقه أن يبث في المسلمين أن عامة قريش كانوا يبغضون بني هاشم وما أسلموا إلانفاقاً ولهذا صرفوا الخلافة عن علي وعباس استخلفوا أبابكرثم عمرثم عثمان ولم يجتمعوا بعد عثمان على علي رضي الله عنه. فلعنة الله على الكاذبين الواضعين. وليس هذا الحديث الموضوع مما يخفى على مسلم عاقل كونه موضوعا فكيف خفي ذلك على الترمذي؟

ـــــــــــــــــــــــــ

تحقيق: هل أغلظ عمر رضي الله عنه القول للعباس في طلب الصدقة؟ - الإشراق العربي - ابریل 2026 - أفكار - أفكار