(دراسة تحليلية مقارنة)
(الحلقة الثانية)
مناقشة أدلة الفريقين مع بيان ترجيح الباحث
بعد أن تدبر الباحث في أدلة الطرفين في تعميم حكم آية الحجاب وعدمه، وأمعن النظر فيها، تبين له أن الموقف الثاني هو المحقق نظرًا إلى رجحان وقوة أدلته في مقابل ضعف أدلة الموقف الأول، فإليكم بيان ذلك فيما يلي:
- إنما القول بتعميم حكم الاحتجاب من الأجانب وعدم الاختلاط بهم إلى عامة نساء المسلمين مبني على فهم بعض العلماء لآية الحجاب، واستنباطهم منها، لم يُستدل عليه بدليل صريح من النص القرآني كما لا يُستدل عليه بأي حديث نبوي صريح ثابت.
- لم يقل بهذا التعميم أحد من الصحابة أو العلماء من التابعين.
- ليس في القرآن دليل صريح على حرمة الاختلاط بين عامة النساء والرجال المسلمين، بل هناك أدلة في نصوص القرآن والحديث على أنه مباح لهم في الشريعة، أما نصوص الحديث، فقد تقدم ذكرها في أدلة أصحاب الموقف الثاني، وسنذكر بعضًا منها في هذه المناقشة أيضًا، وأما نصوص القرآن، فليلاحظ أنه إذا كان الاختلاط في نفسه محرمًا في الشريعة، ويلزم التحجب الكامل على عامة النساء أيضًا، فلماذا أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفروج في سورة النور؟ ولماذا نهى النساء من إبداء زينتهن للأجانب؟ ولماذا أمرهن بضرب خمرهن على جيوبهن؟ ولماذا نهاهن عن الضرب بالأرجل بحضرة الأجانب؟ ولماذا قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾[النور: 61 ]؟ ولماذا أجاز لهن في آية الجلباب أن يخرجن من البيوت مع إمكان الأذى من الأشرار؟ وماذا تكون علاقة حكم آية الحجاب بهذه الأحكام المذكورة في حق عامة المسلمين والمسلمات؟ ولو كان الاحتجاب وعدم الاختلاط مطلوبًا من عامة النساء المسلمات في الشريعة الإسلامية لصرح الله به في القرآن، ولم يُنزِل الأحكام التفصيلية للرجال والنساء في سورة النور؛ لأنه لا حاجة لها إذًا. فيتبين منه بجلاء أن كل هذه الأحكام القرآنية في القضية تناقض ما يراه أصحاب الموقف الأول في حكم الاحتجاب والاختلاط مع أنها متأخرة النزول عندهم بالنسبة إلى آية الحجاب، وهي أحكام عامة في الشريعة وغير منسوخة باتفاق العلماء.
- إن ما ثبت في سبب نزول هذه الآية من الروايات التي ذكرها أصحاب الموقف الأول والثاني كليهما، هي أيضًا تتنافى مع الموقف الأول، وتمنع صراحة من تعميم هذا الحكم، وتؤكد تخصيصه بزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثال ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده عن أنس، قال: قال عمر وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب ... الحديث"[14].
- أما ما ذكره الأستاذ المودودي من أن الأستار قد أسدلت على أبواب بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأرخيت كذلك في بيوت المسلمين بعد نزول هذه الآية لما كان بيت النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا وأسوة حسنة لجميعهم، فهو غير صحيح تمامًا لوجوه: الأول: إن الآية لا تأمر بسدل الستار على أبواب بيوت نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله الأستاذ المودودي، بل فيه أمرٌ بأن يضرب حجاب في داخل البيوت بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والرجال الأجانب المدعوين في بيت من بيوته إلى طعام كيلا يروهن، ولا يرينهم، ولا يكون الاختلاط المباشر فيما بينهم. الثاني: صرح غير واحد من العلماء كالمفتي محمد عبده، وحسن الترابي، والشيخ عبد الحليم أبو شقة، والأستاذ جاوَيد غامدي بأنه لم يضرب الحجاب على غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من كرائم الصحابيات بعد نزول هذه الآية، ولم يحتجبن من الناس ولو من قبيل الاقتداء في عصر الرسالة، وهو رأي صحيح؛ إذ لا يوجد هناك أي دليل من الأحاديث والآثار والتاريخ على أن الحجاب ضرب عليهن أيضًا، ولذلك نلاحظ أن الأستاذ المودودي لم يقدم على ما قاله أيَّ رواية ولا أثر على الرغم من أن منهجه في التفسير التفسيرُ بالمأثور. الثالث: لو كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لعامة نساء المسلمين، وقدوة لهن في هذا الحكم، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ، واقتدت بهن كرائم الصحابيات في عصر الرسالة، ولنقله الناس إلى من بعدهن من المسلمين، ومن المعلوم أنه ليس لأصحاب هذا الموقف أي دليل من هذه الناحية أيضًا في الأحاديث والآثار والتاريخ.
- وأما ما يراه الجصاص من أن هذا الحكم، وإن نزل خاصًّا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، ولكن معناه عامٌّ، فيدخل في هذا الحكم جميع النساء المسلمات بالمعنى، لأن المسلمين مأمورون باتباعه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به إلا في الأحكام الخاصة به صلى الله عليه وسلم ، ففيه أيضًا نظر. ولو سلمنا بصحة هذا الاستدلال من الآية مع أنه لا يوافق ظاهر النص القرآني، فإذن ماذا يكون حكم الآيات التي جاءت بأحكام عامة للمسلمين والمسلمات في سورة النور، وليس فيه الأمر بإرخاء الحجاب فيما بينهم؟ بل جاء فيه الحكم بغض الأبصار، وحفظ الفروج للرجال والنساء جميعًا عند الاختلاط، وعدم إظهار زينة النساء أمام الأجانب. فقبول هذا الرأي من تعميم حكم سدل الحجاب بين الرجال والنساء يؤدي إلى إلغاء كل هذه الأحكام العامة لسورة النور، ويستلزم نسخها بالآية الخاصة التي نحن بصدد دراستها الآن، لأنه لا فائدة إذًا ولا معنى لتلك الأحكام من سورة النور بعد تعميم هذا الحكم من إرخاء الستار بين الرجال والنساء. ومن المعلوم أنه لم يقل بهذا النسخ الجصاص نفسه، ولا ابن العربي، ولا القرطبي، ولا قائل به من علماء الأمة كلهم. ثم هناك غير واحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين الذين ردوا هذا التعميم، ولا يجوز عندهم لعامة نساء المسلمين الاقتداء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحكم، واستدلوا عليه بأدلة من القرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة، وعمل المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
- إن من العلماء المتقدمين الذين خالفوا رأي الجصاص ومن وافقه عليه، ابنُ قتيبة، وهو قال في آية الحجاب: "هذه خاصة لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما خصصن بتحريم النكاح على جميع المسلمين"[15]. ومنهم القاضي عياض الذي قال: "فرض الحجاب مما اختصصن -أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة، ولا غيرها "[16]. وقال ابن بطال كذلك: "إن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم "[17].
- وذهب الإمام مالك أيضًا إلى جواز الاختلاط واللقاء دون حجاب، فقال يحيى: "سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: " ليس بذلك بأس، إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها، ومع غيره ممن يؤاكله"[18].
- أما ما حاول الأستاذ المودودي أن يعمم الحكم استدلالًا بقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، ففيه نظر أيضًا؛ لأن أحكام سورة النور التي قد اعترف الأستاذ المودودي بأنها نزلت بعد سنة من نزول آية الحجاب هذه، وهي متعلقة بجميع المسلمين والمسلمات لعموم خطابها، وليس في عمومها شرعًا خلاف بين العلماء قديمًا وحديثًا، وكذلك لم يقل بنسخها أحد من أصحاب العلم، ولا نجد في تلك الأحكام المؤخرة النزول أيَّ حكم للمسلمين والمسلمات بضرب الستار عند الاختلاط فيما بينهم، بل فيها أمرٌ بغض البصر وحفظ الفروج للرجال والنساء جميعًا، وهناك أيضًا قد أشار الله إلى حكمة التشريع بقوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:30 ]، كما قال ههنا: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، ثم جاء فيها أمر ونهي للنساء خاصة، أي ضرب الخمار على الجيوب، وعدم إظهار الزينة الخفية للرجال الأجانب، فالسؤال هنا أنه إذا كان المطلوب من عامة نساء المسلمين أيضًا -كما يراه الأستاذ المودودي- أن تسدل بينهن وبين الرجال الأجانب ستورٌ عند الاختلاط كيلا يرونهن، ولا يرينهم، فلماذا نزلت أحكام سورة النور بعد سنة من نزول آية الحجاب بدون هذا الحكم؟ وما فائدة هذه الأحكام من سورة النور إذا قلنا بأخذ الحكم من آية الحجاب؟ لأنه يؤدِّي إلى إلغاء أحكام سورة النور تمامًا؟ هل تعد منسوخة؟ هل نجد أي ناسخ لهذه الأحكام في نصوص القرآن أو الحديث؟ وإذا قلنا إن في ضرب الحجاب وعدم الاختلاط طهارة القلوب، فلذا هو مشروع للجميع، فبماذا نجيب عن عموم قوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ مع أن الأحكام الواردة هناك تدل صراحة على جواز اللقاء والاختلاط بدون ستار؟ هل يمكن لأحد أن يقول إذن: إن امتثال أحكام سورة النور مشروع لزوجات النبي أيضًا؛ إذ العلة المنصوصة عامة في المعنى هناك؟
- كل ما ذكر الأستاذ المودودي من الأحاديث عن حرمة الاختلاط هي ظنية الدلالة، وبعضها غير ثابتة وفق الصناعة الحديثية كما هو مبين في تخريجها في هذا البحث. ومعظم تلك الروايات تتعلق بأحكام الصلاة للمرأة، ليست ذات علاقة مباشرة بأحكام الحجاب والاختلاط. ولأحد أن يقول في جوابها إنه إذا كان الاحتجاب مطلوبًا في الشريعة والاختلاط ممنوعًا، فلماذا لم تنه عنه الشريعة في أداء مناسك الحج والعمرة في المسجد الحرام والمشاعر المقدسة؟ وبالإضافة إلى ذلك قام الدكتور الترابي بتوضيح تلك الروايات وتوجيهها، وهو معقول وصائب عند الباحث، فقال: "ولا ينبغي أن يزدحم الرجال والنساء حيث تتقارب الأنفاس والأجساد إلا لضرورة عملية كما في الحج، وحيثما وجد الرجال في البيوت، أو الطرقات، أو المجالس، أو المناسبات العامة يجب أن تتمايز الأوضاع شيئًا ما، ولذلك تمايزت الصفوف في الصلاة؛ لأن في صفها يتراص الناس مقامًا ومقعدًا؛ ولأنها موضع يتوخى فيه التجرد الشديد من كل صارف عن ذكر الله. وقد اتخذ النبي في المسجد بابًا خاصًّا للنساء. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تركنا هذا الباب للنساء»"[19].
على جانب آخر هناك أحاديث ووقائع كثيرة صريحة ثابتة تدل على أن الاختلاط بين الرجال والنساء مباح، وتنص على أنه كان عليه عمل المسلمين في مجتمع الرسالة، وعلى خروج كرائم الصحابيات من بيوتهن، ومشاركتهن في الحياة الاجتماعية، ولقاءهن الرجال في مجالات الحياة المتنوعة. أوردها الدكتور حسن الترابي، وكذلك جمعها وخرجها من المعاصرين الشيخ عبد الحليم أبو شقة في كتابه "تحرير المرأة في عصر الرسالة"[20].
ـــــــــــــــــــــــــ
