ترجمة من الإنجليزية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
(الحلقة السابعة)
أولا: يواصل القول أن سبب إطلاق لقب جامع القرآن على أبي بكر (رضي الله عنه) (أو على عثمان رضي الله عنه) هو أنه قام بكتابة القرآن وجمعه.
ثانيًا: إذا افترضنا أن لفظ جمع هنا يُراد به الحفظ، فلا بدّ أن تكون كلمات أنس (رضي الله عنه) معبّرة عن الواقع الفعلي في هذه المسألة؛ لأنه لم يقل بحسب علمي أو فيما أرى كانت الجامعون أربعة. وبما أن الواقع التاريخي يُثبت وجود عدد كبير من حفاظ القرآن آنذاك، فلا يمكن أن يُفهم كلامه إلا على أنه يشير إلى أربعة أشخاص قاموا بكتابة القرآن.
إن قول أنس (رضي الله عنه): "كنا ورثة قرآن أبي زيد"يُعدّ شهادة واضحة على أن هؤلاء الأربعة كانوا قد جمعوا القرآن في صورة مكتوبة. ومن المعلوم أن أنسًا كان قريبًا لأبي زيد، وبالتالي ورث مصحفه. صحيح أن العبارة قد تُفهم على معنى: ورثنا مال أبي زيد، غير أن هذا التفسير يجعل الجزء الثاني من الرواية بلا أي صلة بالأول. ومن ثمّ، فالمقصود الحقيقي عند أنس (رضي الله عنه) هو أن نسخة من النسخ الأربع المكتوبة للقرآن قد وصلت إليه.
رابعا: كان هناك عدد كبير من حفاظ القرآن المشهورين، مثل أُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهم). وكانت شهرتهم من السعة بحيث لا يُعقل أن يجهلهم أحد في المدينة، لا سيما أن النبي ﷺ قد نصّ صراحة على أن أُبيّ بن كعب هو أعلم الأمة بالقرآن. فإذا كان المراد بلفظ جمع هو الحفظ، فمن المستغرَب أن أنسًا (رضي الله عنه)، وهو خادم النبي ﷺ، لم يذكر اسم أُبيّ بن كعب.
وعلى النقيض من ذلك، فإن جمهور العلماء يرون أن لفظ جمع هنا يُراد به الحفظ، ويبدو أن هذا المعنى عندهم من الوضوح بحيث لم يروا حاجة إلى إقامة دليل عليه.
دلالة لفظ جمع في الاستعمال العربي
لفظ جمع من الألفاظ الشائعة في العربية، ومعناه الأصلي الضم والتجميع.(101)
وعند استعماله في سياق القرآن، فإنه قد يدلّ على جمعه كتابةً كما قد يدلّ على جمعه وذلك لأن الثابت تاريخيًا أن القرآن نزل مفرّقًا، ثم كان يُكتب ويُحفظ في صدور الرجال حفظا.
وعليه، فبينما تدل كلمة جمع من حيث أصلها اللغوي على الضمّ، فإن دلالتها الاصطلاحية قد تنصرف إلى ضمّ النصوص في الصحف، أو إلى ضمّها في الذاكرة. وفيما يلي أمثلة على الاستعمالين معًا:
في الرواية الآتية استُخدمت كلمة «جَمَعَ» بمعنى تدوين الشيء وكتابته في موضعٍ واحد، أي جمعه في نصٍّ مكتوبٍ واحد.(102)
جمع بمعنى الكتابة
روى ابن سيرين: قال أخبرنا عارم بن الفضل قال أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين قال مات أبو بكر ولم يجمع القرآن.(103) أي لم يكن مجموعًا في مصحف واحد.
وكذلك في الرواية المشهورة عن جمع القرآن في عهد أبي بكر (رضي الله عنه)، حيث قال لزيد بن ثابت:إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلی اللّٰه عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه (104)
أي اكتبه واجمعه في موضع واحد.
جمع بمعنى الحفظ
قال أبو هريرة (رضي الله عنه): حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حيوة بن شريح أخبرني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيّا الأصبحي حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد أجتمع عليه الناس فقال من هذا فقالوا أبو هريرة… فقال حدثني رسول الله صلّی الله عليه وسلّم إن الله تبارك وتعالی إذا كان يوم القيامة ينزل إلی العباد ليقضي بينهم وكل امة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ورجل يقتتل في سبيل الله ورجل كثير المال.(105)
ومن الواضح أن المراد هنا حفظ القرآن.وقال أبو الأسود الدئلي:
حدثنا محمد بن جعفر بن الهيثم ثنا جعفر بن محمد الصايغ ثنا عفان ثنا وهب ثنا داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال جمع أبو موسي القراء فقال لا تدخلوا علي إلا من جمع القرآن.(106)
أي من حفظه.
خلاصة دلالية
يتبيّن من هذه النصوص أن لفظ جمع في سياق القرآن مشترك دلاليًا بين الكتابة والحفظ، وأن المرجّح في تحديد المقصود هو السياق والاستعمال التاريخي.
وبما أن القرآن نزل مفرّقًا، فقد كان لا بدّ من جمعه.
إمّا في الصدور (حفظًا)
أو في السطور (كتابةً)
وفي الروايات محلّ البحث، لا توجد قرينة قاطعة تُلزم بأحد المعنيين، غير أن هناك مؤشرات قوية ترجّح أن المقصود هو الحفظ، ومن أبرزها.
مؤشرات الترجيح للحفظ
أولًا:
ورود روايات بديلة استُعمل فيها لفظ قرأ بدل جمع، مثل
أخبرنا محمد بن يحيی بن أيوب بن إبراهيم قال أنا بن إدريس عن شعبة عن قتادة عن أنس قال قرأ القرآن علی عهد رسول الله صلّی الله عليه وسلّم أبي ومعاذ وزيد وأبو زيد.(107)
ومن المعلوم أن لفظ قرأ هنا لا يمكن حمله على المصحف المكتوب، بل على الحفظ.
ويؤكّد هذا الاستعمال حديث النبي ﷺ.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا قرة بن خالد قال سمعت قتادة يقول قرأ القرآن علی عهد رسول الله صلّی الله عليه وسلّم أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.(108) على أن هناك أحاديث أخرى تؤيد معنى قرآ بمعنى الحفظ والقرأءة:
حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن عيسی بن فائد عن سعد بن عبادة قال قال رسول الله صلی اللّٰه عليه وسلم ما من امرئ يقرأ القرآن ثمّ ينساه إلا لقي اللّٰه عز وجل يوم القيامة أجذم"(109)
يقرءه أي يحفظه ثم ينساه.
ثانيا: في بعض الروايات استُعملت أخرجها الثعلبي(110) ألفاظ مثل
أحكموا القرآن
أخذوا القرآن (111)
وهي تعبيرات أنسب للحفظ منها للكتابة.
ثالثًا: إن النبي ﷺ قد بالغ في التحفيز على حفظ القرآن، وجعل له منزلة رفيعة ومكانة تنافسية بين الصحابة، مع وعود عظيمة بالثواب الأخروي، كما في حديث تال:
حدثنا مسدد ثنا يحيی عن سفيان حدثني عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها. (112)
وكذلك قوله ﷺ:
حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله يقول لا حسد إلا علی اثنتين رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار.(113)
ولا نجد في المقابل أي حثٍّ مماثل على مجرد كتابة القرآن.
ولهذا، أصبح حفظ القرآن معيار تميّز اجتماعي وديني، وتحوّل الحفاظ إلى شخصيات محورية في الروايات التاريخية.
الخلاصة النهائية
بناءً على ما سبق، يمكن القول بدرجة عالية من الترجيح إن لفظ جمع الوارد في هذه الروايات يُراد به حفظ القرآن لا كتابته.
أما ردًّا على اعتراضات الرحمٰاني، فإن النقطة الأولى منها مردودة أصلًا، إذ ثبت أن لفظ جمع لا يختصّ بالكتابة، ولا يُعدّ الحفظ فيه استعمالًا مجازيًا، بل هو معنى أصيل يُحدّده السياق والاستعمال.
الهوامش
101- أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سِيدَه، المحكم والمحيط الأعظم، ط. 1، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2000م)، ص 347؛ محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ط. 1، ج 8 (بيروت: دار صادر، د.ت)، ص 53؛ محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، ج 20 (د.م: دار الهداية، د.ت)، ص 451؛ سعيد الخوري الشرتوني، أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد، ط. 1، ج 1 (طهران: دار الأسوة، 1416هـ)، ص 462.
102- إنما أوردت هذه النصوص للاستدلال على هذا المعنى فحسب، ولا يُقصد بها البحث في صحة ما ورد فيها أو عدمه.
103- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3، ص 211.
104- البخاري، الجامع الصحيح، ج 4، ص 1907، رقم:4701
105- الترمذي، السنن، ج 4، ص 591–592، رقم:2382
106- أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، المسند المستخرج على صحيح مسلم، ط. 1، ج 3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1996م)، ص 115، رقم: 2342.
107- النسائي، السنن الكبرى، ج 5، ص 78، رقم:8286
108- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 355.
109- أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، السنن، ج 2 (د.م: دار الفكر، د.ت)، ص 75، رقم:1474.
110- أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، الكشف والبيان، ط. 1، ج 3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 2002م)، ص 160–161.
111- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 356.
112- أبو داود، السنن، ج 2، ص 73، رقم:1464
113- البخاري، الجامع الصحيح، ج 4، ص 1919، رقم:4737
(يتبع...)
ـــــــــــــــــــــــــ
