صاغه بالعربية: د.محمد غطريف شهباز الندوي
(الحلقة الخامسة)
السلام خطوة إلى الأمام
في الإسلام، الحرب مسألة دفاع، أما السلام فهو مسألة تقدّم. لا يُسمح للمؤمنين في الإسلام أن يبدؤوا الحرب من تلقاء أنفسهم. لكن فيما يخص السلام، فالمؤمنون مأمورون بالتخطيط لإجراءات سلمية من أجل نشر الإسلام. إن هذا المبدأ الإسلامي قائم على قانون الفطرة.
وبحسب قانون الفطرة، فإن تحقيق نتيجة إيجابية عبرَ الحرب أمر غير ممكن؛ لأن الحرب لا تحسم شيئًا، لا في حال الهزيمة ولا في حال النصر. فإذا انتصر طرف في الحرب، فإن الطرف المهزوم يُشعل في داخله دافع الانتقام، ومن ثَمّ يتحوّل النصر إلى مقدّمة لحرب جديدة.
أما التخطيط السلمي فإنه دائمًا يُؤتي ثماره؛ فهو لا يخلق مشكلة جديدة، بل يقود نحو حلّ المشكلة. والإقدام السلمي يقود إلى نهاية تُوقف الحرب وتتيح للناس فرصًا لممارسة أنشطة سلمية وبنّاءة.
وتاريخ الإسلام في عهده الأول يشهد على صحة هذا المبدأ. ففي زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقعت بين المؤمنين وخصومهم بعض المعارك مثل بدر وأُحد وحنين وغيرها، لكن هذه المواجهات لم تنه الصراع، أي إن النتيجة لم تكن حاسمة. ولم ترد في القرآن آيةُ "فتح" إلا بعد صلح الحديبية. والفتح يعني انتهاء المواجهة وتهيئة الجو للأنشطة السلمية. أمّا بعد أيّ غزوة أخرى فلم تُنزَل آية فتح.
وقد وقع صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة. وكان هدف الطرف الآخر يومها ألا يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، وأن يرجعوا إلى المدينة دون أن يؤدّوا العمرة. غير أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي بادر إلى التفاوض حول السلام، وبلغ في ذلك أقصى درجة، حتى إنه قبل جميع شروط الطرف الآخر من جانب واحد، فقط من أجل أن يتحقق الصلح وتُقام حالة من الاعتدال، ليتمكّن من مواصلة الدعوة الإسلامية علنًا.
وحين قَبِل النبي صلى الله عليه وسلم بالصلح مع الطرف الآخر على هذه الشروط، نزلت بعد ذلك سورة الفتح (السورة رقم 48)، وفيها إعلان مسبق بأن هذه المصالحة السلمية تمثل "فتحًا مبينًا". وبعد سنوات قليلة فقط تحققت هذه النبوءة القرآنية، وأثبتت الأحداث أن المبادرة السلمية كانت بالفعل فتحًا.
ففي الإسلام الحربُ لا تكون إلا اضطرارًا ولأجل الدفاع المؤقت. أما المبادرة السلمية فهي من أجل أن يسود الاعتدال في المجتمع على نحو دائم، بحيث تتاح لكل فرد فرص القيام بالأنشطة البنّاءة.
إنّ تاريخ النبيّ نوحٍ عليه السلام يعطينا درسا عظيما، وهو أنّ أعظم ما يُطلب في هذه الدنيا أن يصل بلاغ الله ورسالته إلى عبادِه. فجميع الأنبياء قد بلّغوا أقوامهم رسالة الله، وعلى الدعاة في العصور اللاحقة أن يقوموا بالمهمة نفسها، فيعرّفوا أهل زمانهم بهذه الحقيقة الكبرى.
دور نوح عليه السلام الرسالية
النبي نوح عليه السلام هو أول رسول بُعث بعد آدم عليه السلام، وقد وُلِد في الجيل العاشر من نسل آدم. وفي حياته وقع حدث فريد من نوعه، وهو الطوفان العظيم وسفينة النجاة، ذلك الحدث الذي جرى وفق تدبير إلهي.
كان هذا الطوفان قد جاء في العصور ما قبل التاريخ، غير أن مشيئة الله اقتضت أن يُكتشَف أثره في ما بعد التاريخ، ليكون علامةً للناس من بعد، وعبرةً لهم كي يعتبروا في حياتهم.
إن قصة نوح عليه السلام لا وجود لها في التاريخ المدوَّن، وإنما المصدران الوحيدان لمعرفة هذا الحدث هما: القرآن الكريم و الكتاب المقدس (الإنجيل والتوراة)، وسيُذكَر هنا ما ورد في كلٍّ منهما.
بيان القرآن في قصة نوح
إن سورة رقم 71 للقرآن تسمى بسورة نوح وإليك نصها:
بِسْمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
١ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
٢ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ.
٣ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ.
٤ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
٥ قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا.
٦ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارًا.
٧ وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَٱسْتَكْبَرُوا ٱسْتِكْبَارًا.
٨ ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا.
٩ ثُمَّ إِنِّىٓ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا.
١٠ فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا.
١١ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا.
١٢ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا.
١٣ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلهِ وَقَارًا.
١٤ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا.
١٥ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا.
١٦ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجًا.
١٧ وَٱللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتًا.
١٨ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا.
١٩ وَٱللهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطًا.
٢٠ لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا.
٢١ قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَٱتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًا.
٢٢ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا.
٢٣ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا.
٢٤ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَـٰلًا.
٢٥ مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًا.
٢٦ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا.
٢٧ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا.
٢٨ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًا.
وقد جاء ذكرسفينة نوح عليه السلام أيضا في سورة هود بتفصيل يسير وإليك نصها:
٣٦ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
٣٧ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.
٣٨ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ.
٣٩ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ.
٤٠ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
٤١ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
٤٢ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ.
٤٣ قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ.
٤٤ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
٤٥ وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ.
٤٦ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
٤٧ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
٤٨ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ.
سفر التكوين 6:9–22 (بالعربية)
هذه الآيات من الكتاب المقدس تتكلم عن نوح – الرجل الذي لاقى "نعمة" عند ربنا وسط زمن كله فساد وكأن الدنيا كلها فُجّرت وإليك هذه الآيات بترتيب آتي:
- هذِهِ مَوَالِيدُ نُوحٍ: كَانَ نُوحٌ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ.
- وَوَلَدَ نُوحٌ ثَلاَثَةَ بَنِينَ: سَامًا، وَحَامًا، وَيَافَثَ.
- وَفَسَدَتِ الأَرْضُ أَمَامَ اللهِ، وَامْتَلأَتِ الأَرْضُ ظُلْمًا.
- وَرَأَى اللهُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ قَدْ فَسَدَتْ، إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى الأَرْضِ.
- فَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: «نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ.
- اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ. تَجْعَلُ الْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِل وَمِنْ خَارِجٍ بِالْقَارِ.
- وَهكَذَا تَصْنَعُهُ: ثَلاَثَ مِئَةِ ذِرَاعٍ يَكُونُ طُولُ الْفُلْكِ، وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ، وَثَلاَثِينَ ذِرَاعًا ارْتِفَاعُهُ.
- وَتَصْنَعُ كَوًّا لِلْفُلْكِ، وَتُكَمِّلُهُ إِلَى حَدِّ ذِرَاعٍ مِنْ فَوْقُ. وَتَضَعُ بَابَ الْفُلْكِ فِي جَانِبِهِ. مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَمُتَوَسِّطَةً وَعُلْوِيَّةً تَجْعَلُهُ.
- فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ.
- وَلكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ، فَتَدْخُلُ الْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَامْرَأَتُكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ.
- وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَى الْفُلْكِ لاسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ. تَكُونُ ذَكَرًا وَأُنْثَى.
- مِنَ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ لاسْتِبْقَائِهَا.
- وَأَنْتَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ وَاجْمَعْهُ عِنْدَكَ، فَيَكُونَ لَكَ وَلَهَا طَعَامًا.
- فَفَعَلَ نُوحٌ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَهُ بِهِ اللهُ. هكَذَا فَعَلَ.
(Genesis 7: 1-24)
1- ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لِنُوحَ: «اُدْخُلِ الْفُلْكَ أَنْتَ وَكُلُّ أَهْلِكَ، لِأَنِّي وَجَدْتُكَ وَحْدَكَ صَالِحًا فِي هَذَا الْجِيلِ.
2- خُذْ مَعَكَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ 7 ذُكُورٍ وَ7 إِنَاثٍ، أَمَّا الْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ الطَّاهِرَةِ فَتَأْخُذُ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا، ذَكَرًا وَأُنْثَى.
3- وَكَذَلِكَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الطُّيُورِ 7 ذُكُورٍ وَ7 إِنَاثٍ لِيَبْقَى جِنْسُهَا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ.
4- لِأَنِّي بَعْدَ 7 أَيَّامٍ أُرْسِلُ مَطَرًا عَلَى الْأَرْضِ يَدُومُ 40 يَوْمًا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَأَمْحُو مِنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كُلَّ كَائِنٍ حَيٍّ صَنَعْتُهُ.
5- فَعَمِلَ نُوحُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ.
6- وَكَانَ نُوحُ ابْنُ 600 سَنَةٍ لَمَّا جَاءَ طُوفَانُ الْمِيَاهِ عَلَى الْأَرْضِ.
7- فَدَخَلَ نُوحُ إِلَى الْفُلْكِ هُوَ وَأَوْلَادُهُ وَزَوْجَتُهُ وَزَوْجَاتُ أَوْلَادِهِ لِيَنْجُوا مِنْ مِيَاهِ الطُّوفَانِ.
8- وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ الطَّاهِرَةُ وَغَيْرُ الطَّاهِرَةِ وَالطُّيُورُ وَالزَّوَاحِفُ،
9- جاءَتْ إِلَى نُوحَ وَدَخَلَتِ الْفُلْكِ أَزْوَاجًا، ذَكَرًا وَأُنْثَى، كَمَا أَمَرَ اللهُ نُوحَ.
10- وَبَعْدَ 7 أَيَّامٍ، جَاءَتْ مِيَاهُ الطُّوفَانِ عَلَى الْأَرْضِ.
11- فَفِي سَنَةِ 600 مِنْ عُمْرِ نُوحَ، فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، اِنْفَجَرَتْ يَنَابِيعُ الْمِيَاهِ الْعَمِيقَةِ، وَانْفَتَحَتْ بَوَّابَاتُ السَّمَاءِ.
12- وَكَانَ الْمَطَرُ عَلَى الْأَرْضِ لَيْلًا وَنَهَارًا مُدَّةَ 40 يَوْمًا.
13- فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ نُوحٌ إِلَى الْفُلْكِ، هُوَ وَأَوْلَادُهُ سَامُ وَحَامُ وَيَافَثُ، وَزَوْجَةُ نُوحَ وَ3 زَوْجَاتِ أَوْلَادِهِ.
14- وَكَانَ مَعَهُمْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ وَالزَّوَاحِفِ وَالطُّيُورِ.
15- مِنْ كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ الْحَيَّةِ جَاءَتْ إِلَى نُوحَ وَدَخَلَتِ الْفُلْكِ أَزْوَاجًا.
16- ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ كَائِنٍ حَيٍّ، كَمَا أَمَرَ اللهُ نُوحَ. ثُمَّ قَفَلَ اللهُ بَابَ الْفُلْكِ.
17- وَاسْتَمَرَّ الطُّوفَانُ يَتَدَفَّقُ عَلَى الْأَرْضِ 40 يَوْمًا، فَرَفَعَتِ الْمِيَاهُ الْغَزِيرَةُ الْفُلْكَ فَوْقَ الْأَرْضِ، فَكَانَ يَطْفُو عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.
18- فَكَثُرَتِ الْمِيَاهُ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ حَتَّى غَطَّتْ كُلَّ الْجِبَالِ الشَّامِخَةِ الَّتِي تَحْتَ السَّمَاءِ كُلِّهَا.
19- وَاسْتَمَرَّتِ الْمِيَاهُ تَزِيدُ حَتَّى بَلَغَ ارْتِفَاعُهَا 7 أَمْتَارٍ فَوْقَ أَعْلَى الْجِبَالِ.
20- فَمَاتَ كُلُّ مَخْلُوقٍ يَتَحَرَّكُ عَلَى الْأَرْضِ: الطُّيُورُ، الْبَهَائِمُ، الْحَيَوَانَاتُ الْبَرِّيَّةُ، وَكُلُّ مَا يَعِجُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَجَمِيعُ النَّاسِ.
21- مَاتَ كُلُّ مَنْ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةُ حَيَاةٍ مِنْ كُلِّ مَا فِي الْيَابِسَةِ.
22- وَمَسَحَ اللَّهُ كُلَّ كَائِنٍ حَيٍّ مِنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ: النَّاسَ، الْبَهَائِمَ، الزَّوَاحِفَ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ—كُلُّهَا. وَلَمْ يَبْقَ سِوَى نُوحٍ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ فَقَطْ.
23- وَغَمَرَتِ الْمِيَاهُ الْأَرْضَ مُدَّةَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا.
سفر التكوين 8: 1-22
- فَذَكَرَ ٱللهُ نُوحًا وَكُلَّ ٱلْوُحُوشِ وَكُلَّ ٱلْبَهَائِمِ ٱلَّتِي مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ. وَأَجَازَ ٱللهُ رِيحًا عَلَى ٱلْأَرْضِ فَهَدَأَتِ ٱلْمِيَاهُ.
- وَأُغْلِقَتْ يَنَابِيعُ ٱلْغَمْرِ وَكَوى السَّمَاءِ، فَامْتَنَعَ ٱلْمَطَرُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ.
- وَرَجَعَتِ ٱلْمِيَاهُ عَنِ ٱلْأَرْضِ رُجُوعًا مُتَوَالِيًا. وَبَعْدَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا نَقَصَتِ ٱلْمِيَاهُ.
- وَٱسْتَقَرَّ ٱلْفُلْكُ فِي ٱلشَّهْرِ ٱلسَّابِعِ، فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ عَشَرَ، عَلَى جِبَالِ أَرَارَاطَ.
- وَكَانَتِ ٱلْمِيَاهُ تَنْقُصُ نَقْصًا مُتَوَالِيًا إِلَى ٱلشَّهْرِ ٱلْعَاشِرِ. وَفِي ٱلشَّهْرِ ٱلْعَاشِرِ، فِي أَوَّلِ ٱلشَّهْرِ، ظَهَرَتْ رُؤُوسُ ٱلْجِبَالِ.
- وَحَدَثَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَنَّ نُوحًا فَتَحَ طَاقَةَ ٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي كَانَ قَدْ عَمِلَهَا،
- وَأَرْسَلَ ٱلْغُرَابَ، فَخَرَجَ مُتَرَدِّدًا حَتَّى نَشِفَتِ ٱلْمِيَاهُ عَنِ ٱلْأَرْضِ.
- ثُمَّ أَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ مِنْ عِنْدِهِ، لِيَرَى هَلْ قَلَّتِ ٱلْمِيَاهُ عَنْ وَجْهِ ٱلْأَرْضِ.
- فَلَمْ تَجِدِ ٱلْحَمَامَةُ مَقَرًّا لِرِجْلِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ إِلَى ٱلْفُلْكِ، لِأَنَّ مِيَاهًا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ كُلِّ ٱلْأَرْضِ. فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهَا وَأَدْخَلَهَا عِنْدَهُ إِلَى ٱلْفُلْكِ.
- فَلَبِثَ أَيْضًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَعَادَ فَأَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ مِنَ ٱلْفُلْكِ.
- فَأَتَتْ إِلَيْهِ ٱلْحَمَامَةُ عِنْدَ ٱلْمَسَاءِ، وَإِذَا وَرَقَةُ زَيْتُونٍ خَضْرَاءُ فِي فَمِهَا. فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ ٱلْمِيَاهَ قَدْ قَلَّتْ عَنِ ٱلْأَرْضِ.
- فَلَبِثَ أَيْضًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَأَرْسَلَ ٱلْحَمَامَةَ فَلَمْ تَعُدْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ أَيْضًا.
- وَحَدَثَ فِي ٱلسَّنَةِ ٱلْوَاحِدَةِ وَٱلْسِّتِّ مِئَةِ، فِي ٱلشَّهْرِ ٱلْأَوَّلِ، فِي أَوَّلِ ٱلشَّهْرِ، أَنَّ ٱلْمِيَاهَ نَشِفَتْ عَنِ ٱلْأَرْضِ. فَكَشَفَ نُوحٌ ٱلْغِطَاءَ عَنِ ٱلْفُلْكِ وَنَظَرَ، فَإِذَا وَجْهُ ٱلْأَرْضِ قَدْ نَشِفَ.
- وَفِي ٱلشَّهْرِ ٱلثَّانِي، فِي ٱلْيَوْمِ ٱلسَّابِعِ وَٱلْعِشْرِينَ مِنَ ٱلشَّهْرِ، جَفَّتِ ٱلْأَرْضُ.
- وَكَلَّمَ ٱللهُ نُوحًا قَائِلًا:
- ٱخْرُجْ مِنَ ٱلْفُلْكِ أَنْتَ وَٱمْرَأَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ.
- كُلَّ حَيَوَانٍ هُوَ مَعَكَ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ: ٱلطُّيُورِ وَٱلْبَهَائِمِ وَكُلِّ ٱلدَّبَّابَاتِ ٱلدَّابَّةِ عَلَى ٱلْأَرْضِ، أَخْرِجْهَا مَعَكَ، وَلْتَتَوالدْ فِي ٱلْأَرْضِ وَتَثْمُرْ وَتَكْثُرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ.
- فَخَرَجَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَٱمْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ.
- وَكُلُّ ٱلْوُحُوشِ، كُلُّ ٱلدَّبَّابَاتِ وَكُلُّ ٱلطُّيُورِ، كُلُّ مَا يَدِبُّ عَلَى ٱلْأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، خَرَجَتْ مِنَ ٱلْفُلْكِ.
- وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ، وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ ٱلْبَهَائِمِ ٱلطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ ٱلطُّيُورِ ٱلطَّاهِرَةِ، وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ.
- فَتَنَسَّمَ ٱلرَّبُّ رَائِحَةَ ٱلرِّضَا. وَقَالَ ٱلرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: لَا أَعُودُ أَلْعَنُ ٱلْأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ ٱلْإِنْسَانِ، لِأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ ٱلْإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلَا أَعُودُ أَيْضًا أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ.
- مُدَّ كُلِّ ٱلْأَيَّامِ مَا دَامَتِ ٱلْأَرْضُ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ لَا يَزُولُ"
التعليق
إن الرسالة التي حملها النبي نوح عليه السلام هي نفسها الرسالة التي جاء بها جميع الأنبياء. فمنذ آدم عليه السلام إلى محمد ﷺ، كان هدف الأنبياء جميعًا واحدًا، وهو أن يعرّفوا الإنسان بمخطط الله الخَلقي (creation plan). أن يوضحوا له أن هذه الدنيا ما هي إلا دار اختبار (testing ground)، حيث مُنح الإنسان حرية الاختيار، ليتبيّن: من يستخدم هذه الحرية استخدامًا صحيحًا، ومن يسيء استخدامها. هذا الامتحان مستمر إلى أجلٍ محدد (appointed time)، وبعد ذلك تقوم القيامة، وكما يقول القرآن، تُبدَّل هذه الدنيا بعالم آخر (إبراهيم: 48)، حيث يُجزى الناجحون بالجنة الأبدية، ويُعاقَب الراسبون بالنار الأبدية. لقد دعا نوح عليه السلام قومه طويلًا، وأقام عليهم الحجة بكل وسيلة، فآمن قليل منهم، وكذّب الأكثرون. وعندما اتضح أن لا أحد بعدُ سيؤمن، بل إن المجتمع قد فسد إلى درجة أن كل مولود جديد لن يخرج إلا على الضلال، جاء أمر الله. عندها دعا نوح عليه السلام ربّه، فوقع ما نعرفه بـ طوفان نوح. فبأمر الله صنع نوح سفينة عظيمة، ركبها مع المؤمنين، وغرق جميع المكذبين بالطوفان. فكان مصير الصالحين النجاة والجنة الأبدية، ومصير الطالحين الهلاك والنار الأبدية.
(يتبع...)
ـــــــــــــــــــــــــ
