تعريب وتقديم: د. محمد غطريف شهباز الندوي
جاء في الركوع الثامن من سورة الحج قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ﴾ (الحج: 52).
ومعنى الآية واضح بيّن: أنه ما من رسول ولا نبي إلا وكانت له أمنية صادقة أن يقبل الناس دعوته إلى الحق، فيتدخل الشيطان بإلقاء الوساوس في قلوب الناس ليحول بينهم وبين الإيمان، فيُبطل الله ما يلقيه الشيطان، ويقيم حججه، ويُحكم آياته، فيزول الشك وتثبت الحقيقة. وقد كان رسول الله ﷺ يتألم حين يرى إعراض كثير من الناس رغم وضوح البيان، فواساه الله بأن هذه الحال قد وقعت لكل رسول ونبي من قبله.
غير أن الإمام البخاري ذكر في تفسير هذه الآية وجهين لا يصحّان:
الأول: نسبه إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو أن كلمة تمنّى هنا بمعنى تحدّث، وأن الأمنية بمعنى الحديث والكلام، أي إن النبي إذا تكلّم ألقى الشيطان في أسماع السامعين ما لم يقله النبي. وهذه النسبة باطلة؛ إذ إن الذي رواها هو علي بن أبي طلحة، وهو كذّاب، وقد نسب إلى ابن عباس أقوالاً منكرة، ومع ذلك نقلها البخاري بصيغة الجزم دون أن يصرّح باسم علي بن أبي طلحة. ولا يوجد في العربية، نثرًا ولا نظمًا، استعمال تمنّى بمعنى تحدّث، ولا الأمنية بمعنى الكلام.
الثاني:
ذكره البخاري دون تسمية قائله، وهو أن تمنّى بمعنى قرأ، وأن الأمنية بمعنى القراءة، أي إن الشيطان كان يخلط صوته بصوت النبي عند تلاوة الوحي، فيُلقي في أسماع الناس ما ليس من الآية. وهذا التفسير أيضًا باطل لغةً وشرعًا؛ فلا تأتي تمنّى بمعنى قرأ في العربية، ولا الأمنية بمعنى التلاوة.
وهذان التفسيران مبنيان على قصة موضوعة رواها سعيد بن جبير مرسلة، قال فيها: إن النبي ﷺ قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العُلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشرکون ما ذکر اٰلہتَنا بخیر قبلَ الیوم۔ فسجد و سجدوا معہ فنزلت ہذہ الأیة وما ارسلنا من قبلک من رسول ولا نبی الا اذا تمنی القی الشیطان فی أمنیة. ففرح المشركون وسجدوا مع النبي، ثم نزلت آية سورة الحج لتبيّن أن ذلك من إلقاء الشيطان لا من كلام الرسول ﷺ.
وقد نقل الحافظ ابن حجر أن هذه القصة رويت من طرق متعددة عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير فقال: لکن کثرة الطرق تدل علی ان للقصة أصلاً مع ان لها طریقین اٰخرین مرسلَیْن رجالہما علی شرط الصحیحین اعنی حدیث الزہری عن ابی بکر بن محمد و حدیث داؤد بن ابی ہند عن ابی العالیة۔ (فتح الباری ۸، تفسیر سورة الحج) وهو قول غيرسديد لابن حجرفإن التحقيق يبيّن أن مدار الرواية على طريق واحد فقط، إنَّ هذا الخبر مرويٌّ عن سعيد بن جبير من طريقٍ واحدٍ فقط، وهو: شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير. فلم يروِه عن سعيدٍ أحدٌ غيرُ أبي بشر، كما لم يروِه عن أبي بشر أحدٌ غيرُ شعبة. وبحسب اصطلاح المحدِّثين فإن هذا الحديث يُعَدُّ غريبًا مُرسَلًا.
وأما روايةُ عددٍ من الرواة عن شعبة، فلا تُعَدُّ كثرةَ طُرُقٍ في هذا الحديث؛ لأن كثرة الطرق إنما تتحقق إذا رُوي الحديث من أسانيدَ مستقلةٍ متعددة، كأن يرويه عن سعيدٍ غيرُ أبي بشر، أو يرويه عن أبي بشر غيرُ شعبة. أمّا والحال أن الإسناد يدور على هذا الطريق الواحد، فإن تعددَ تلاميذ شعبة لا يُنشئ طرقًا مستقلة، بل هو تكرارٌ للطريق نفسه.
وإن كان شعبة قد حدَّث به جماعةً من الناس، فإن روايات تلاميذه لا تُعَدُّ طُرُقًا متعددةً لهذا الخبر، وعدُّها كذلك خطأٌ بيِّن. إذ المدار على أصل السند، لا على عدد من نقل عن راوٍ بعينه.
ثم إنَّ الخبر الباطل أو المخالف للواقع لا يصير صحيحًا لمجرد أن يرويه عشرةٌ أو عشرون شخصًا؛ فإن كثرةَ الناقلين لا تُغيِّر حقيقةَ الخبر. ولا يقول عاقلٌ إن مجرد تعدد القائلين يدل على أن للخبر أصلًا صحيحًا.
فالنصارى في أنحاء العالم يقولون منذ قرونٍ إن عيسى ابن مريم عليه السلام قد صُلِب وقُتِل، فهل يصح أن يُقال إن كثرةَ القائلين بذلك تدل على أن للقصة أصلًا ثابتًا؟
وأما ما ذكره ابن حجر من أن هذا الخبر قد ورد في روايتين أُخريين مرسلتين، فإن الاعتراف بكونهما مرسلتين كافٍ في بيان ضعفهما. فسواء أكانت الروايات المرسلة اثنتين أم عشرًا، فإنها تظل ضعيفةً غيرَ مُعتدٍّ بها، ما لم تؤيَّد بأسانيدَ متصلةٍ صحيحةٍ معتبرة.
وملخص القول ان هذا حديث غريب مرسل لا تقوم به حجة. كما أن سعيد بن جبير – مع توثيق أهل الرجال له – ليس بمعصوم من الوهم، وقد جهل حقيقة قطعية وهي أن الشيطان لا يملك أن يُجري كلامه على لسان النبي، لا عمدًا ولا سهوًا.
ويضاف إلى ذلك إشكال تاريخي قاطع: فسورة الحج مدنية باتفاق، بينما سورة النجم مكية نزلت قبل الهجرة بسنوات، فلو كانت آية الحج نزلت لرفع لبسٍ وقع عند نزول سورة النجم، لكان نزولها في مكة مباشرة، لا بعد سنين في المدينة.
كما أن هذه القصة رويت عن غير سعيد بن جبير، كالسدي، وأبي العالية، وعطية العوفي، وغيرهم. وبعد استقراء طرقها يتبيّن أن أصلها من وضع الكذاب المشهور أبي حنّاب الكلبي، وأن من روى عنه أسقط اسمه تدليسًا؛ لأن ذكره كافٍ لإسقاط الرواية عند أهل العلم. وقد سبق إلى ردّ هذه القصة بالأدلة المحكمة القاضي أبو بكر بن العربي والقاضي عياض وغيرهما من المحققين.
أما استدلال بعضهم بكثرة الطرق، كما فعل ابن حجر، فمغالطة واضحة؛ إذ الكثرة إنما تعتبر عند تعدد المخارج، لا بتعدد الرواة عن شيخ واحد. فلو روى عشرون شخصًا خبراً واحدًا كاذبًا عن مصدر واحد، لم يتحول الكذب صدقًا. ثم إن الطرق الأخرى التي ذكرها ابن حجر مرسلة أيضًا، والمرسل – ولو تعدد – ضعيف لا يحتج به.
خطأ مؤسف في الاستدلال اللغوي
ولتبرير هذا الفهم الخاطئ، عُدِّل بيتٌ من الشعر لإيهام أن تمنّى تأتي بمعنى تلا
والأصل في الشعر:
تلا من كتاب الله أول ليلةٍ
تلاوةَ داود الزبورَ على رسلِ
فغُيِّرونُحل إلى:
تمنّى كتابَ الله أولَ ليلةٍ
تمنِّيَ داودَ الزبورَ على رسلِ
ولا يُستبعد هذا التحريف ممن تجرؤوا على الكذب على رسول الله ﷺ. وقد انخدع بذلك بعض المفسرين، حتى قال الراغب الأصفهاني: في أمنيته أي في تلاوته"
وخلاصة القول: إن قصة الغرانيق التي أشار إليها البخاري إشارة غير مباشرة قصة موضوعة باطلة، لا تصح سندًا ولا متنًا، ولا لغةً ولا تاريخًا، وهي منافية لأصول العصمة النبوية وحفظ الوحي.
ـــــــــــــــــــــــــ
