(الحلقة الأولى)
الرئيس علي عزت بيجوفيتش (الرئيس السابق للبوسنة، وقائدها السياسي، وزعيمها الفكري والروحي) صاحب اجتهادات مهمة في تفسير ظاهرة الإنسان في كل تركيبيتها. وهذه التركيبية، المرتبطة تمام الارتباط بثنائية الإنسان والطبيعة، هي نقطة انطلاقه والركيزة الأساسية لنظامه الفلسفي. ولكن قبل أن نحاول أن نصنف إشراقاته وأفكاره المختلفة، وقبل أن نتكشف عالمه الفكري لا بد أن نشير إلى أنه ليس «مجتهدًا» وحسب، وإنما هو «مجاهد» أيضًا، فهو مفكر ورئيس دولة، يحلل الحضارة الغربية ويبيِّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه. ولكنه في ذات الوقت يستفيد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان، ولعل إيمانه بالإنسان (الذي ينبع من إيمانه بالله وإدراكه لثنائية الطبيعة البشرية) هو الذي شد من أزره إلى أن كتب الله له ولشعبه النجاة، وهو الذي مكنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج... دور المجاهد والمجتهد، ودور الفارس والراهب. وتتميز كتابات علي عزت بيجوفيتش بالوضوح والتبلور (وقد قام الأستاذ محمد يوسف عدس بترجمة أهم كتبه «الإسلام بين الشرق والغرب» إلى العربية بلغة فصيحة وخطاب فلسفي مركب، فجاءت ترجمته عملا فلسفيا راقيا يتسم بالدقة والجمال). وتجربة بيجوفيتش فريدة، فقد درس العالم الغربي الرأسمالي عن كثب، ولذا نجد في دراسته ـ على سبيل المثال ـ إحصاءات عن دور السينما التي تعرض أفلاما إباحية في ألمانيا، وعن نسبة الجريمة وتصاعدها في الولايات المتحدة الأمريكية، وعن معدلات الانتحار في الدول التي توصف بأنها "متقدمة."
وهو قادر على استيعاب كل هذه المعلومات وتصنيفها وتوظيفها لأن لديه إلماما غير معتاد بالفلسفات الغربية، وهو ليس كإلمام أساتذة الفلسفة الذين يعرضون للأفكار الفلسفية المختلفة عرضًا محايدًا، بل هو إلمام المتفلسف الحقيقي الذي يقف على أرضية فلسفية راسخة ويُطل على الآخر فيدرك جوهر النموذج المعرفي الذي يهيمن عليه. فنراه يتحدث بطلاقة غير معتادة عن «نيتشه» و«ياسبرز» و«كيركجارد»، وذلك في سطور قليلة تبين مدى استيعابه لرؤاهم الفلسفية، وكذا مدى وصوله إلى أعماقها وبنيتها المادية العدمية المدمرة، أو بنيتها الإيمانية الكامنة. ومعرفة النظام الرأسمالي بعمق جزء من تجربة كثيرين من مثقفي العالم، لكن الذي يميز علي عزت بيجوفيتش هو أنه إلى جانب معرفته هذه عاش تحت ظلال الماركسية والاشتراكية، فأدرك منذ البداية أننا لا نتحدث عن نظامين مختلفين، واحد رأسمالي والآخر اشتراكي، وإنما نتحدث في واقع الأمر عن نموذج معرفي واحد كامن يأخذ شكـلا اشتراكيـا في حالة الاشـتراكية، وشـكلا رأسماليا في حالة الرأسمالية، وأن هناك ـ من ثَم ـ رؤية واحدة وراء كل تلك المنظومات المتصارعة المتنازعة. والتجربة الرأسمالية هنا لا تختلف على الإطلاق عن التجربة الاشتراكية، إذ يصدر النمطان عن مقولة الإنسان الطبيعي، أي الإنسان ذي الأصول المادية الطبيعية الكامنة وراء كل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي. وقد توصل علي عزت بيجوفيتش إلى إدراك هذه الوحدة الكامنة وراء التنوع لأنه استخدم نموذجا تحليليا معرفيا مركبا. فقد أدرك البعد المعرفي الكلي والنهائي للظواهر التي يدرسها، سواء أكانت نظرية التطور أم الفلسفة العدمية أم العقيدة الإسلامية.
ودراسة البعد المعرفي والنهائي الكلي هو في نهاية الأمر إجابة عن سؤال أساسي وهو: ما الإنسان؟ والإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد طبيعة النموذج الحاكم. واستخدامه النموذج كأداة تحليلية مكّنه من الربط بين ظواهر قد تبدو وكأنها لا علاقة للواحد منها بالآخر، بل متناقضة، ظواهر لا يمكن الربط بينها إن اتبعنا منهج الوصف الموضوعي العادي. فبيجوڤيتش يربط بين كل من الدين والأخلاق والفن والحرية وذلك باستخدامه النماذج المركبة. ومن النقاط الأساسية المنهجية التي يجب أن نتنبه إليها: أن علي عزت بيجوفيتش في استخدامه النموذج كأداة تحليلية لم يشيّئه، أي لم يتصور أن له وجودًا ماديًّا مستقلًا وكأنه مقياس جاهز يقيس به الدارس كل شيء، بل رأى أنه مجرد آلية يمكن تصنيف المعلومات والظواهر من خلالها ثم تفسيرها. وهو يدرك تماما أن النموذج المجرد الذي قد يهيمن على الإنسان مختلف تمام الاختلاف عن تجربته الحياتية المعيشة، فيقول:
"إن الإنسان الذي يهيمن عليه النموذج المادي أو الإلحادي لا يمكن أن يكون ماديًّا ملحدًا تمامًا حتى ولو أراد ذلك من أعماق قلبه. ثم يضرب مثلا بماركس والماركسية فيقول: إن ماركس رغم أنه ملحد، لكنه ـ على حد قول برتراند رسل ـ بشّر بأمل كوني لا يمكن تبريره إلا إذا كان صاحبه من المؤمنين بالألوهية، أي بشيء متجاوز للواقع المادي المباشر. بل إن ماركس حول الرأسمالية والطبقة البروليتارية إلى رموز حية للشر والخير. والماركسية في إطارها المادي «تتبنى فكرة الحتمية التاريخية، ولكن كحياة معيشة كان لا بد أن تتخلى عن هذه الفكرة». والنموذج كأداة تحليلية، لا كشيء إمبريقي، يشبه المجاز اللغوي. فالمجاز ليس شيئا، وإنما هو أداة نقوم من خلالها بربط المعلوم بالمجهول، وبذلك يمكننا أن نعمق من إدراكنا للمجهول. فالمجاز (مثل النموذج) يعبر عن الثنائية التي تَسِم الوجود الإنساني، وثنائية النموذج (المجرد) في مقابل الواقع المعيش هو تعميق لهذه الثنائية. وكما سنبين... فهذه الثنائية ليست ازدواجية؛ لأن التجربة المعيشية هي توحيد بين الجانبين النظري والعملي، الروحي والمادي، ومن ثم فهذه التجربة المعيشية ليست هذا ولا ذاك، بل هي أكثر تركيبية من أي منهما بمفرده.
لهذا نجد أن بيجوفيتش لا يلجأ إلى مجرد السرد الوصفي أو التوثيق المجرد، وإنما يقـدم لنا ثمرة رحلته التحليلية التفكيكية التركيبية، بأسلوب شـاعري رائع، يبتعد عـن الرتابة التي قد تلحق بعض الكتابات الأكاديمية، بل كان ينتقل من نقطة إلى أخرى ويتعامل مع كل نقطة وكأنها مستقلة عن غيرهـا تماما، بينما هي في واقع الأمر مجرد تبدٍّ آخر لنموذجه التحليلي الذي ينطلق من ثنائية الطبيعة /المادة، في مقابل الإنسان /الإنسان أو الإنسان /الرباني. ويستخدم علي عزت بيجوفيتش المجاز لينقل رؤيته هذه. ففي حديثه عن الثقافة الروحية يقول:
"يمثل الدين والعقائد والدراما والشر والأخلاق والجمال وعناصر الحياة السياسية والقانونية التي تؤكد على قيم الشخصية والحرية والتسامح... يمثل كل هذا الخط المتصل للثقافة الإنسانية الذي بدأ مشهده الأول في السماء بين الله والإنسان."
وحينما نصل إلى هذه المنطقة، منطقة اللامحسوس والماوراء، ينتقل بيجوڤيتش من اللغة الإخبارية إلى اللغة المجازية:
«إنه صعود الجبل المقدس، الذي تظل قمته بعيدة المنال.. إنه سيرٌ في الظلام بواسطة شمعة مضيئة يحملها الإنسان." إن المجاز هنا ليس مجرد زخرفة، وإنما هو نتيجة طبيعية لاستخدام النماذج المركبة التي تتعامل مع المادي وغير المادي، مع الطبيعة والماوراء، مع الظاهر والباطن، مع المادة والإنسان. إن المجاز مرتبط تماما بظاهرة الإنسان. الإنسان الطبيعي /المادي يتضح تمييز علي عزت بيجوفيتش بين النموذج المجرد والتجربة المعيشة في أنه يصوغ السؤال المعرفي «ما هو الإنسان..؟» بطريقة خاصة تجمع بين المجرد والمتعين إذ يقول:
«قضية أصل الإنسان هي حجر الزاوية لكل أفكار العالم، فأي مناقشة تدور حول: كيف ينبغي أن يحيا الإنسان؟ تأخذنا إلى الوراء حيث مسألة أصل الإنسان»
أي أنه بدلًا من أن يسأل السؤالَ المعرفي بطريقة مباشرة جافة مجردة، يحوله إلى إشكالية وجودية متعينة، يمكن للإنسان أن يدركها بطريقة مباشرة. وحين يتعامل مع إشكالية الأصل هذه فإنه يتناولها بطريقة فريدة. فبدلا من أن يناقش الرؤية المادية المتمثلة في نظرية داروين في التطور، وبدلًا من أن يحاول تفنيدها من خلال علم البيولوجيا والعلوم الطبيعية.. فإنه يلجأ لإستراتيجية مختلفة تماما، إذ يحاول أن يبين عجز النظريات المادية، بما في ذلك نظرية التطور الداروينية، عن تفسير البعد الإنساني في ظاهرة الإنسان.
(للحديث صلة...)
*وُلد الدكتور عبد الوهاب المسيري عام ١٩٣٨م في مدينة دمنهور بمصر، ونشأ محبًا للأدب والفكر، ثم حصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة وعمل أستاذًا للأدب الإنجليزي في عدة جامعات عربية. يُعد من أبرز المفكرين العرب المعاصرين، واشتهر بعمله الموسوعي الكبير موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" الذي يُعدّ مرجعًا مهمًا في بابه. ومن خلال كتابه "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" قدّم تحليلًا نقديًّا للفكر الغربي الحديث، كما عرض في "الفردوس الأرضي" رؤيته لمفهوم الحداثة المادية. وسجّل مسيرته وتحولاته الفكرية في كتابه "رحلتي الفكرية"، بينما تناول في الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان أثر النزعة المادية على الإنسان المعاصر. تميز فكره بالدعوة إلى رؤية إنسانية حضارية متوازنة، وترك بعد وفاته عام ٢٠٠٨م أثرًا واضحًا في الساحة الفكرية العربية.
ـــــــــــــــــــــــــ
