إشراقة الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران وهدنة مؤقتة بعد أربعين يومًا من الحرب

بعد مرور أربعين يومًا على العدوان المشترك الأمريكي– الإسرائيلي على إيران، انكسر الجمود أخيرًا، وأعلن الرئيس الأمريكي في السابع من أبريل عن وقفٍ لإطلاق النار لمدة خمسة عشر يومًا. وقد سارعت إيران إلى اعتبار ذلك نصرًا لها، وبدأت الاحتفال به.

إن بقاء إيران وصمودها، رغم الضربات المدمرة التي تعرّضت لها من إسرائيل — التي تُعدّ أكبر قوة جوية في المنطقة والمدعومة من قوة عظمى عالميًا كأمريكا — يُعدّ في حد ذاته دليلًا على هذا "النصر"، إذ نجت من كارثة كبرى مع الخسائر الفادحة. غير أن الولايات المتحدة لم يكن أمامها خيار سوى القبول بالهدنة، خاصة بعد تعرضها لهزيمة دبلوماسية في مجلس الأمن، حين استخدمت كلٌّ من الصين وروسيا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار قدّمته البحرين، بينما امتنعت فرنسا عن التصويت، مما وضع واشنطن في عزلة دبلوماسية واضحة.

وقبل ذلك، كانت الولايات المتحدة تصعّد من لهجتها التهديدية، حتى بلغ الأمر أن صرّح وزير حربها قائلًا: "نحن نتفاوض بالقنابل"، وهو ما يكشف أن واشنطن كانت تسعى إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الدمار بإيران، مع الخروج السريع من الحرب وتحقيق مكاسب لصالح وليدتها إسرائيل بأقل الخسائر.

ورغم أن إسرائيل لم تتكبد خسائر بشرية تُذكر، فإن إيران تكبّدت أضرارًا جسيمة شملت البنية التحتية، والمؤسسات المدنية، والموانئ، والمدارس، والمستشفيات، ومحطات الكهرباء، إضافة إلى تدمير نحو مئة ألف منزل وسقوط آلاف الضحايا. ولذلك يمكن وصف هذا "النصر" لإيران بأنه نصر بيروسي (Pyrrhic Victory)، أي نصر باهظ الثمن.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن هذه الحرب فُرضت على إيران دون مبرر، ولم تكن هي البادئة بها، مما يجعل صمودها محل تقدير.

أما الولايات المتحدة، فقد تكبّدت خسارة معنوية واضحة، إذ تضررت هيبتها كقوة عظمى بعدما تحداها بلد يخضع لعقوبات اقتصادية ضخمة منذ عقود. ومن المتوقع أن تنعكس هذه النتائج داخليًا، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية في أمريكا.

وفي السياق ذاته، تعرّض النموذج الغربي الذي تبنّته بعض الدول الخليجية لتحقيق التنمية لهزة قوية، بعد خسائر اقتصادية كبيرة، في ظل عجز واضح عن تحقيق أمن ذاتي مستقل، وعدم جدوى الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

في المقابل، حقق رئيس الوزراء الإسرائيلي الإرهابي النتن بنيامين نتنياهو مكاسب سياسية داخلية، حيث ارتفعت شعبيته، مما يعزز فرصه الانتخابية. كما بدا أن مشروع "إسرائيل الكبرى" يزداد حضورًا، في ظل مواقف عربية مترددة.

غير أن الحرب كشفت أيضًا هشاشة الداخل الإسرائيلي، حيث عاش سكان الكيان الإحتلالي حالة من الخوف المستمر، وركود الحياة اليومية واضطروا إلى الاحتماء بالملاجئ، وتوقفت عجلة الاقتصاد بشكل غير مسبوق.

إقليميًا، تتجه بعض الدول إلى البحث عن بدائل استراتيجية، مثل إنشاء خطوط أنابيب عبر إسرائيل لنقل النفط والغاز، بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. إلا أن هذه المشاريع تحتاج إلى وقت طويل وتكاليف باهظة، مما يُبقي إيران عنصرًا محوريًا في معادلات المنطقة.

لقد أظهرت إيران، رغم الخسائر، شجاعة وصمودًا لافتين، وهو ما سيجعل الولايات المتحدة وإسرائيل تفكران مليًا قبل خوض مغامرة مماثلة مستقبلًا. ويمكن القول إن صمودها هو انتصارها الحقيقي.

كما أن الحرب ألقت بظلالها على جنوب لبنان، حيث تعرّض لدمار واسع جراء هجمات إسرائيلية وحشية متتالية ومع ذلك عاد حزب الله ليظهر مجددًا، في ظل استمرار التوترات رغم إعلان الهدنة.

لا شكّ في أنّ الرئيس ترمب شخصيةٌ غارقة في الترف إلى حدٍّ بعيد، وتحيط بها اتهاماتٌ متكرّرة بالفساد والاضطراب في التوازن النفسي، فضلًا عن نزعةٍ نرجسيةٍ ذات طابعٍ سلطوي. غير أنّ موقفه من إيران يبدو متأثرًا بوضوحٍ بالرؤية الإسرائيلية، ولا سيما بما يطرحه الإرهابي النتن نتن ياهو، إذ يتبدّى أنّ هدفه يتجاوز مجرّد الاحتواء إلى السعي لإضعاف إيران على نحوٍ شامل.

ولا ينظر ترامب إلى الخطر الإيراني من زاوية التشدّد الديني أو الحماسة الأيديولوجية بقدر ما يركّز على الإمكانات العلمية والتكنولوجية المتنامية داخل إيران، والتي يرى فيها أساسًا لاحتمال تحوّلٍ استراتيجي كبير. فإيران، رغم العقوبات الاقتصادية القاسية، استطاعت تحقيق مستوى ملحوظ من التقدّم العلمي والتقني، الأمر الذي يثير قلقًا متزايدًا في الأوساط الإسرائيلية والغربية من تحوّل هذا التقدّم إلى عنصر قوّة مؤثّر على المدى البعيد.

وفي هذا السياق، دأب الإرهابي النتن ياهو لسنواتٍ طويلة على الدفع بهذا التصوّر داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، محاولًا إقناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بأنّ ما تمتلكه إيران من قدراتٍ علمية متنامية قد يتحوّل إلى تحدٍّ استراتيجي للغرب، وأنّ احتواء هذا المسار أو إضعافه يمثّل أولوية قصوى.

ومن جهةٍ أخرى، يذهب بعض المحللين إلى أنّ الرهان على أدوات الضغط التقليدية، كإغلاق مضيق هرمز، قد لا يكون ذا أثرٍ حاسم على القرار الأمريكي، إذ إنّ الانخراط في المواجهة مع إيران—وفق هذا التصوّر—جاء منذ البداية في إطار هدفٍ أوسع يتمثّل في إضعاف بنيتها الاستراتيجية. بل ويُرجَّح، ضمن هذا المنظور، أنّ استمرار هذا المسار قد يفضي إلى إلحاق أضرارٍ عميقة بإيران تعيدها سنواتٍ طويلة إلى الوراء.

في المقابل، تبدو بعض الأصوات داخل النخبة الإيرانية أكثر ميلًا إلى المقاربة الواقعية. فقد طرح الدكتورجواد ظريف السفيروأستاذ العلاقات الدولية في جامعة تهران ووزيرإيران الخارجية الأسبق، في مقاله المنشور في Foreign Affairs بعنوان:

“How Iran Should End the War:A Deal Tehran Could Take”

رؤيةً تدعو إلى عدم استبعاد خيار إنهاء الحرب عبر تسويةٍ تفاوضية، حتى مع الولايات المتحدة. ويرى أنّ القبول بترتيباتٍ تتعلّق بالبرنامج النووي، مقابل وقفٍ فوريٍّ للعمليات العسكرية، قد يفتح الباب أمام تهدئةٍ ضرورية، خاصةً في ظلّ ما تسبّبه الحرب من أضرارٍ جسيمة تهدّد حاضر البلاد ومستقبلها.

وقد عبّر الكاتب الأمريكي طامس فرائد مين عن مقاربةٍ قريبة من ذلك، حيث أشار إلى أنّ كلفة التصعيد المستمر قد تتجاوز حدود المكاسب المتوقعة، بما يجعل البحث عن مخرجٍ دبلوماسي خيارًا لا يمكن تجاهله.

ومن هنا، ينبغي على إيران، إلى جانب إعادة الإعمار، أن تعمل على تحسين علاقاتها الإقليمية. وفي هذا السياق، وجّه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، رسالةً إلى جميع دول الخليج إضافةً إلى الدول الإسلامية الشقيقة، وقد نشرت قناة الجزيرة هذه الرسالة في 7 أبريل 2026. وأكّد فيها أن إيران تسعى إلى إقامة علاقات ودّية مع جميع الدول الخليجية المتجاورة، مشيرًا إلى أن الخطة الحقيقية لكلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة هي التقدّم نحو مشروع "إسرائيل الكبرى"، وأن إيران تُعدّ العائق الأساسي أمام هذا المشروع، ولذلك يسعون إلى إزاحتها.مؤكدًا رغبة بلاده في بناء علاقات ودّية، ومحذرًا من أن المشروع الحقيقي للولايات المتحدة وإسرائيل هو إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحهما.

وعليه، تقع مسؤولية كبيرة على الدول العربية لإعادة تقييم سياساتها، والعمل على بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا، رغم أن المؤشرات الحالية لا توحي باستعداد حقيقي لذلك.

وفي البعد الدولي، استفادت كل من روسيا والصين؛ حيث واصلت روسيا تصدير الطاقة إلى أوروبا، بينما عززت الصين تعاونها مع إيران في إطار تقليل الاعتماد على الدولار (De-dollarization)، ومن ذلك قبول إيران تحصيل رسوم عبور مضيق هرمز باليُوان، وهو تطور قد يؤثر في النظام المالي العالمي.

كما لعبت الدبلوماسية دورًا مهمًا في التهدئة، بمساهمة الصين وباكستان، مع عقد مفاوضات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد.

ورغم الهدنة، لا تزال بؤر التوتر قائمة، خاصة في جنوب لبنان، حيث تستمر المواجهات.

كشفت هذه الحرب عن تحولات عميقة في التوازنات الإقليمية والدولية، وأكدت أن الصراعات المقبلة لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية واستراتيجية أيضًا. وقد يكون صمود إيران نقطة تحول، لكن التحدي الأكبر سيبقى في إعادة البناء وتحسين العلاقات الإقليمية.

وأخيرًا، قد انعقدت جولة أولى من الحوارات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد، عاصمة باكستان، وهي — بإذن الله — وإن فشلت الأولى، فمن المتوقع أن تأتي الجولة الثانية قريبًا، وتبشّر بخيرٍ في الأيام القادمة، بفضل الجهود الدبلوماسية الباكستانية المخلصة، الحثيثة، والمتقنة. يعود فضلُها إلى القيادةِ الرشيدةِ الباكستانية، ممثَّلةً في شخصِ رئيسِ وزرائها، ووزيرِ داخليتها، والمشيرِ الجنرالِ عاصم منير. ونرجو أن تمتد هذه الأجواء إلى جولات حوارٍ بنّاءة بين الأطراف المتحاربة أولاً وبين دول الخليج وإيران ثانيا، وأن تُكلَّل بالنجاح والتوفيق، لما فيه مصلحة شعوب المنطقة واستقرارها.

كما نأمل أن تفشل محاولات الكيان الصهيوني الغاصب في زعزعة أمن المنطقة وسلامها، وأن يُحبط سعيه لإثارة التوترات بين البلدان الإسلامية، وماذلك على الله بعزيز.

أما عن عددنا الحاضر فهو كسابقاته مزدان بالبحوث الشرعية القيمة والتحقيقات الرائعة في علوم القرآن والحديث .إضافةً إلى واحة شعرعربي حديث جميل رائق ممتع .وأخيراً ونسأل الله تعالى أن ينصرالإسلام والمسلمين في كل مكان وأن يهزم أعداء الدين وأعداء المسلمين ولاسيما الصهانية المعتدين الغاصبين والصليبين الحاقدين الظالمين ويفرج الكرب والمعاناة عن إخواننا الفلسطينين والإيرانيين. و أن يعمّ الأمن والاستقرار، وأن يرفع المعاناة عن شعوب المنطقة كلها.

أخوكم في الدين،

أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي

(16 أبريل ٢٠٢6م، علي كره)

ـــــــــــــــــــــــــ

إشراقة الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران وهدنة مؤقتة بعد أربعين يومًا من الحرب - الإشراق العربي - مايو 2026 - أفكار - أفكار