بقلم: الأستاذ سيد منظور الحسن
نقله إلى العربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(13)
الباب الثاني
حادثة شقّ القمر — في ضوء القرآن الكريم
ذُكرت حادثة شقّ القمر في مطلع آيات سورة القمر (54) من القرآن الكريم. وللوقوف على طبيعة هذه الحادثة وحقيقتها، وفهم مقصدها وغايتها لا بدّ من تدبّر معاني هذه الآيات ودلالاتها. قال تعالى:
اِقۡتَرَبَتِ السَّاعَۃُ وَانۡشَقَّ الۡقَمَرُ. وَاِنۡ یَّرَوۡا اٰیَۃً یُّعۡرِضُوۡا وَیَقُوۡلُوۡا سِحۡرٌ مُّسۡتَمِرٌّ. وَ کَذَّبُوۡا وَ اتَّبَعُوۡۤا اَهۡوَآءَهُمۡ وَ کُلُّ اَمۡرٍ مُّسۡتَقِرٌّ. (القمر 54: 1-3)
عند قراءة هذا الموضع في ضوء المقاصد الكلية للقرآن الكريم ونَظْمِ الكلام، تتحدد الأمور الآتية:
أولًا: يدل موضوع السورة على أنها نزلت في أمّ القرى مكة خلال مرحلة الإنذار العام من دعوة النبي ﷺ. وموضوع السورة هو إثبات القيامة، وما يتصل بها من الإنذار والبشارة، وقد استُدلّ فيه على ذلك بظهور عدالة الله وسنّته في المجازاة.
ثانيًا: كما يتضح من مضمون السورة أن الخطاب موجَّه إلى قريش مكة، الذين كانوا يطالبون بآيةٍ (خارقة) دلالةً على العذاب. وتؤكد الآيات المذكورة هذا المعنى، ولا سيما قوله تعالى:
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾
أي وإن رأوا أيّ علامةٍ واضحة، أعرضوا عنها وقالوا: هذا سحر قديم متواصل.
ثالثًا: أشارت السورة إلى قصص قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، وبيّنت أن الله أرسل إليهم رسله، وأيّدهم بالآيات، لكنهم أصرّوا على التكذيب حتى النهاية، فأنزل الله عليهم عذابه. وحال قريش مكة لا يختلف عن حال تلك الأمم، ولذلك فإن المصير نفسه ينتظرهم، كما نزل بالمجرمين من الأمم السابقة. وقد ورد هذا المعنى بصيغة نبوءةٍ حتمية، كما في قوله تعالى :
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. (سورة القمر 54 :45)
فيما يتعلّق بهذه النبوءة عن العذاب، كتب الأستاذ الجليل:
"إنها نبوءة صريحة، أُعلنت قبل الهجرة بسنوات، وقد تحققت حرفيًا تمامًا كما أُخبر بها. وبعد إتمام الحُجّة على قريش، شوهد هذا المشهد لأول مرة في معركة بدر. ومنذ ذلك الحين لم تستطع جموعهم الصمود في أي ساحة أمام جيوش الله القاهرة، حتى فُتحت مكة، وأصبح الناس في كل مكان يرونهم بأعينهم وهم يولّون الأدبار هاربين". (البيان 5 /91)
افتُتحت السورة بقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وبيّن الأستاذ الجليل أن المقصود بـ الساعة هنا هو ساعة القيامة،
"وهي تبدأ بالنسبة لمكذّبي الرسول بذلك العذاب الذي ينـزل بهم حتمًا نتيجة إصرارهم على التكذيب".
أي أن تنفيذ الحكم الأخروي عليهم يبدأ في هذه الدنيا نفسها، وتبدأ عقوبتهم من هنا، فلا يكون لهم في الآخرة حساب جديد. فهم أوّلًا يذوقون العذاب الدنيوي، ثم يُبتلون بعذاب القبر، ثم يستمر ذلك إلى أن يصبحوا وقودًا لجهنم. ويُحذَّر كفار قريش من أن عاقبتهم ستكون على هذا النحو إذا استمروا في مسلك التكذيب والتكفير. فسيصدر الحكم في شأنهم قريبًا، ويبدأ تسلسل العذاب عليهم.
5- إن قوله تعالى: ﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ صريح تمام الصراحة في انشقاق القمر أو انفلاقه. فالفعل انشقّ فعل ماضٍ، يدل على وقوع الفعل واكتماله، أي أن حادثة الانشقاق قد وقعت وانتهت. ثم إن الآية التالية تؤكد هذا المعنى وتوثّقه، وتدل على أن الأمر ليس حادثة مستقبلية لم تظهر بعد، بل واقعة قد حدثت بالفعل. والآية التالية هي قوله تعالى:
﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾
يبيّن الأستاذ الجليل قائلًا:
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ "أي ومهما يروا آيةً، يُعرضوا عنها ويقولوا: هذا سحرٌ قديمٌ متواصل. إن هذه الجملة تُعدّ دليلًا صريحًا على أن حادثة انشقاق القمر ليست خبرًا عن واقعة مستقبلية، بل هي حادثة وقعت في زمن رسول الله ﷺ، وقد استدلّ بها القرآن على إمكان وقوع العذاب والقيامة. وذلك لأن تفسير قوله تعالى ﴿انْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ بمعنى: سينشق القمر، يجعل الجملة التالية له غير منسجمة سياقيًا ولا مترابطة دلاليًا."
(البيان، ج 5، ص 83)
6- وكذلك لا يمكن نسبة هذه الحادثة إلى أي زمنٍ سابق على بعثة الرسول ﷺ؛ إذ تُوضّح الآية الثانية بجلاءٍ تامّ أن المخاطَبين بها هم قريش، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم سيستمرّون في تكذيب هذا النوع من الآيات، ووصمها بالسحر.
طبيعة حادثة انشقاق القمر
عبّر القرآن الكريم عن حادثة انشقاق القمر بلفظ "آية". وقد سبق في الفصل الأول بحثٌ مفصّل حول معنى هذا اللفظ، ومصداقه، واستعمالاته ودلالاته. وتمثّل تلك المناقشة بمثابة مقدّمة لا غنى عنها لفهم المباحث اللاحقة؛ وذلك لأن العلم والاستدلال، وكذلك التحليل والتقويم في هذه القضية، يقوم كلّه على هذا الأساس. ومن ثمّ، يحسن بنا أن نستحضر خلاصة ما تقدّم في الفصل السابق، ويمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
- لفظ "آية" من الألفاظ المعروفة في اللغة العربية، ومعناه العلامة والدلالة.
- وإذا أُسند هذا اللفظ إلى الله تعالى، فإن المراد به العلامات والدلائل القائمة في الأنفس والآفاق، التي تلفت النظر إلى صفاته المختلفة.
- وحين يريد القرآن المجيد تنبيه الناس إلى صفات الله، فإنه يحتجّ بهذه الآيات، فيجعل منها وسيلة للتذكير والترغيب، والإنذار والتخويف، والتنبيه والتحذير.
- وبهذا المعنى الاصطلاحي استُعمل لفظ «آية» في القرآن الكريم في أربعة مصاديق مختلفة:
الأول:
الآيات الإلهية التي تظهر في الأنفس والآفاق على وفق السنن الجارية المعتادة، والمتعلّقة بقدرة الله في الأمور العادية. كخلق الإنسان من طين، وتسخير الشمس والقمر لقانون معيّن، وإنزال المطر من السماء لإحياء الأرض بعد موتها. فكلّها من هذا القبيل.
الثاني:
الآيات الإلهية التي تظهر في الأنفس والآفاق على خلاف العادة، وهي آيات خارقة للسنن، فوق طبيعية، تقع بأمر الله المباشر أو بواسطة عمال القضاء والقدر. ومن أمثلتها: إنزال المنّ والسلوى على بني إسرائيل في زمن رسالة موسى عليه السلام، وإظلال الغمام لهم في صحراء سيناء، وولادة المسيح عليه السلام من غير أب، وكلامه في المهد.
الثالث:
الآيات الإلهية الخارقة للعادة التي تظهر في الأنفس والآفاق بأمر الله، ولكن على أيدي أنبيائه. وهي التي تُسمّى في الاصطلاح الديني بـ "المعجزات"، ومن نظائرها: تحوّل عصا موسى عليه السلام إلى حيّة، وتفجّر اثنتي عشرة عينًا بضربها، وإحياء عيسى عليه السلام للموتى، ونزول كلام الله على لسان النبي محمد ﷺ.
الرابع:
الآيات القرآنية التي تَصف الآيات الإلهية ـ سواء كانت على وفق العادة أو على خلافها ـ وهي الآيات المدونة بين دفّتي المصحف، والمتلوّة في سور القرآن وفقره.
وفي ضوء هذه النقاط يثور السؤال:
أيُّ هذه الاستعمالات الأربعة ينطبق على لفظ «آية» الوارد في سورة القمر؟
فإن أردنا حمله على معنى الآية القرآنية (أي الجملة أو الفقرة من القرآن)، فلا مجال لذلك بوجه من الوجوه؛ لأن قوله تعالى:
﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
وإن كان آيةً قرآنية بلا شك، إلا أن لفظ «آية» الوارد فيها لا يُراد به آية من القرآن، بل استُعمل للدلالة على حادثة انشقاق القمر نفسها.
وكذلك لا يصحّ حمله على الآيات التي تظهر على وفق السنن المعتادة في الأنفس والآفاق؛ لأن هذا الحدث ليس اعتياديًا، بل وقع ـ بحسب ما هو معلوم من التاريخ الإنساني ـ مرة واحدة فقط. أما طلوع القمر وغروبه، وأطواره المختلفة، من الهلال إلى البدر، وكسوفه الجزئي أو الكلي، وتغيّر لونه، ودوره في حساب الشهور والسنين، وتأثيره في ظاهرة المدّ والجزر، ونوره الجميل الذي يهدي المسافرين في الليل، فكلّها من آيات الله العظيمة، لكنها أحداث متكرّرة مألوفة، لها تواتر واستمرار، وهي من سنن الكون الجارية، لا من خوارق العادات. أما انشقاق القمر، فهو على العكس من ذلك تمامًا: حادثة خارقة للعادة، غير مألوفة، فلا يصحّ إدراجها في هذا المعنى أيضًا.
وأما الآيات التي تظهر على صورة المعجزات والخوارق عن طريق الأنبياء، فلا يمكن عدّ هذا الحدث منها؛ لأن النبي ﷺ لم يكن واسطة فيه: فلم يصدر عنه قول، ولم يُشر بيده، ولم يلقِ شيئًا نحو القمر. ولو وقع شيء من ذلك، لكان مندرجًا بلا تردّد في باب المعجزات التي تظهر على أيدي الأنبياء بإذن الله. فلم يبقَ إلا احتمال واحد، وهو أن يُحمل هذا الحدث على ذلك الصنف من الآيات الإلهية التي هي خارقة للعادة، ولكنها ظهرت بأمر الله مباشرة، من غير توسّط النبي.
وعليه، فالتأويل الصحيح هو أن حادثة انشقاق القمر كانت علامة استثنائية أظهرها الله تعالى بأمره المباشر، دون أن يكون للنبي ﷺ فيها أي فعل أو وساطة، فهي من جنس تلك العلامات التي ظهرت في عصور سابقة في زمن أنبياء بني إسرائيل.
وقد تقرّر إظهار هذا النوع من العلامات أيضًا في زمن رسالة النبي محمد ﷺ، وقد بيّن الله تعالى هذا القرار في سورة حم السجدة وسورة النمل.
فقد أعلن في حم السجدة:
سَنُرِیۡهِمۡ اٰیٰتِنَا فِی الۡاٰفَاقِ وَ فِیۡۤ اَنۡفُسِهِمۡ حَتّٰی یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ اَنَّہُ الۡحَقُّ.... (41)
وقال في سورة النمل:
وَقُلِ الۡحَمۡدُ لِلّٰہِ سَیُرِیۡکُمۡ اٰیٰتِہٖ فَتَعۡرِفُوۡنَهَا ؕ وَمَا رَبُّکَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُوۡنَ. 27
ـــــــــــــــــــــــــ
