(دراسة حديثية فقهية نقدية)
(الحلقة الثانية)
المبحث الثاني
تاريخ نشأة مسألة الأذان في أذن الوليد
في متون الحديث والفقه بالإجمال
ويعرض الباحث للقراء في هذا المبحث خلاصة ما وقف عليه من تاريخ نشأة مسألة الأذان والإقامة في أذني الصبي المولود في أثناء هذا البحث والدراسة من خلال الاستفادة من مصادر التراث الإسلاميّ المعتمدة للأحاديث والآثار والفقه، فيُبيِّنها على سبيل الإجمال في النقاط الآتية:
- إن أوّل من تكلَّم من الفقهاء والمحدثين عن مسألة الأذان في أذن المولود هو الإمام مالك (ت179ﻫ)، وهو كره هذا الأذان وأنكره[11].
- إن الأئمَّة الثَّلاثة -الإمام أبا حنيفة والشافعي وأحمد- لم يَنُصُّوا على هذا الأذان والإقامة بشيء، وإن مؤلفاتهم ساكتة عن الكلام على هذا العمل تمامًا.
- إن أصحاب الأئمَّة الأربعة لم يقف الباحث على نُصوصهم أيضًا في هذه القضية.
- أوّل من أخرج -حسب فحص الباحث- من المحدثين حديثًا فعليًّا عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب التأذين في أذن المولود هو الإمام الطيالسي (ت204ﻫ) في "مسنده"[12].
- أخرج عبد الرزاق (ت211ﻫ) أثرًا فعليًّا مقطوعًا في "مصنفه"، وهو عن عمر بن عبد العزيز (ت101ه) في الأذان والإقامة في أذني المولود[13].
- أوّل من روى من المحدثين حديثًا قوليًّا في هذا الباب، هو الإمام أبو يعلى الموصلي (ت307ﻫ) في "مسنده"[14].
- في الجملة قد أَخرج في الباب عددٌ من المحدثين الأحاديثَ المرفوعة[15] في مؤلفاتهم كالطيالسي، وعبد الرزاق، وأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن أبي الدنيا البغدادي، والبزار، وأبي يعلى، والروياني، والطبراني، وابن السُّني، والحاكم، وتمام الرازي، وابن بشران، وأبي نعيم، والبيهقي.
- وقد وجد المؤلف في أثناء هذه الدراسة كثيرًا من مراجع أساسية للأحاديث والآثار والفقه لم يرد فيها ذكر هذا الأذان والإقامة وروايته، بل هي ساكتةً عن هذا الموضوع تمامًا كـ"موطأ الإمام مالك ومدوّنته"، وكتاب "الأم" للإمام الشافعي وكذلك "مسنده"، وكتاب "الآثار" للإمام أبي يوسف، و"المصنف" لابن أبي شيبة، و"مسائل الإمام أحمد"، و"صحيح البخاري"، و"صحيح مسلم"، و"مسند الحميدي"، و"مسند إسحاق بن راهويه"، و"سنن ابن ماجه والنسائي"، و"صحيح ابن خريمة وابن حبان"، و"المحلّى بالآثار" لابن حزم، و"الاستذكار" لابن عبد البر، و"بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد، وكذلك وجد كثيرًا من الكتب الفقهية المعتمدة الأخرى ساكتةً عن المسألة لم يرد فيها ذكرها[16].
- إن الفقهاء القائلين بشرعيّة التأذين والإقامة في أذن الوليد هم متأخِّرون من القرن الخامس وما بعده كأبي إسحاق الشيرازي الشافعي، وابن قدامة المقدسي الحنبلي، وأبي عبد الله العبدري المالكي، وعلي القاري الحنفي وغيرهم[17]؛ وذَكَر بعضُهم سُنّية الأذان في أذن الوليد فحسب دون الإقامة، وقال أكثرهم باستحباب كليهما، واستدلَّ كلُ واحدٍ منهم بأحاديث الباب وأثر عمر بن عبد العزيز.
- إن أوّل من قال -وفق استقصاء الباحث- باستحباب التأذين في أذن المولود من العلماء الشافعيَّة هو أبو إسحاق الشيرازيّ (ت476ﻫ) في كتابه "المهذب في فقه الإمام الشافعيّ"[18].
- أوّل من ذكر -وفقًا لمراجعة الباحث- استحباب الأذان في أذن المولود من العلماء الحنابلة هو ابن قدامة المقدسيّ (ت620ﻫ) في كتابه "المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيبانيّ"[19].
- أوّل من ذكر -حسب استقراء الباحث- سُنية هذا الأذان من العلماء المالكيَّة هو محمد بن يوسف العبدريّ (ت897ﻫ) في كتابه "التاج والإكليل لمختصر خليل"[20].
- أوّل من قال -حسب علم الباحث- بمشروعيّة الأذان في أذن المولود من العلماء الحنفيَّة هو الملا علي القاري (ت1014ﻫ) في كتابه "مرقاة المفاتيح"[21] عند شرح أحاديث الباب.
خلاصة المبحث الثاني
قد تبينتْ من هذا المبحث عدة أمور، وهي:
- إن مشروعية التأذين والإقامة في أذن الوليد الجديد ليس أمرًا مُجمعًا عليه عند الأئمة والفقهاء.
- إنه كما وردت المسألة في كثير من مصادر الحديث والآثار والفقه، كذلك قد سكت الكثير من المراجع الأساسية عن القضية تمامًا، ولم يرد فيها ذكرها.
- قد توصل الباحث في بحثه إلى أن أوّل من تكلَّم من الفقهاء والمحدثين عن مسألة الأذان في أذن الوليد هو الإمام مالك الذي قال بعدم شرعيته.
- إن مصادر الفقه الإسلامي من القرون الأربعة الأولى لم يرد فيها مشروعية هذا الأذان والإقامة، وكل من قال بهذا العمل من الفقهاء هم من فقهاء القرن الخامس الهجري وما بعده.
المبحث الثالث:
مذاهب الفقهاء في المسألة وأسباب اختلافهم في الآراء
ويحرّر الباحث في هذا المبحث مذاهب الفقهاء حول القضية وأسباب اختلافهم بالإجمال، وهو يشتمل على مطلبين تاليين:
المطلب الأوّل: مذاهب العلماء والفقهاء حول المسألة بالإجمال
المطلب الثاني: أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة
وأما نصوص الفقهاء في المسألة فسوف تُدْرَس في الفصل الثالث بالتفصيل إن شاء الله.
المطلب الأوّل: مذاهب العلماء والفقهاء حول المسألة بالإجمال
إن العلماء قد اختلفوا في مشروعية التأذين والإقامة في أذني المولود قديمًا وحديثًا إلى عدة أقوال، وهي:
القول الأوّل: استحباب التأذين في أذن المولود اليمنى فحسب دون الإقامة في الأذن اليسرى. وهو قول بعض الفقهاء الحنابلة[22]، وبه قال الشيخ العثيمين[23]، والدكتور وهبة الزحيلي[24]، وغيرهم من العلماء المعاصرين[25].
القول الثاني: استحباب وسنية التأذين في الأذن اليمنى للمولود والإقامة في اليسرى. وبه قال الإمام النووي وجماعة من الشافعية[26]، والإمام ابن قيم الجوزية[27]، وهو رأي الحطاب المغربي[28] من المالكية، والملا علي القاري من الحنفية[29]، واعترف به الإمام الشوكاني[30]، وحكاه ابن قدامة المقدسيّ من بعض الفقهاء الحنابلة[31].
القول الثالث: عدم مشروعية الأذان والإقامة في أذني المولود. وهو قول الإمام مالك[32] من الفقهاء المتقدمين، وبه قال جماعة من العلماء المعاصرين كالشيخ ناصر الدين الألباني[33]، والشيخ عبد العزيز الطريفيّ[34]، والشيخ الدكتور عمر بن عبد الله المقبل[35]، والشيخ أبو إسحق الحويني[36]، وبه أفتى الدكتور سليمان العيسى[37]، والدكتور خالد بن على المشيقح[38]، والشيخ حامد بن عبد الله العلي[39]، والدكتور عبد الله الحمادي[40]، والشيخ سالم علي راشد الشبلي، والشيخ محمد خليفة محمد الرباح[41]. وهؤلاء ايرون أن التَّأذين والأقامة في أذني الوليد عملٌ غيرُ مشروعٍ فلا يُعمل به.
فهذه ثلاثة مذاهب للعلماء والفقهاء في المسألة قديمًا وحديثًا عثر عليها الباحث بعد البحث والاستقصاء. سوف يتحدث عن أسباب هذا الاختلاف عند أصحاب العلم في المسألة.
_______________
