فن القصة القصيرة
(قصة قصيرة أدبية رمزية)
هناك وبعيدا عن كل زيف، وفي ركن منعزل، أنتبذ مكانا قصيا، لا أرى أحدا، ولا يراني من أحد، فليس ثمة أنيس أو جليس، وليس من لائم أو عاذل، بعيدا عن الكل، أنظر يمنة ويسرة لأتأكد من خلو المكان، أسير متأبطا حزني، مصاحبا ألمي، متوكئا على روح أنهكتها المداراة، وصدر أشابه التقنع، وقلب كاد يتمزق من ثقل التحمل وتبعة التجلد والتصنع.
وعبر يهماء مظلمة لا أثر فيها لسناء، ولا موضع لنجم، أنطلق مراقبا خوفي، متضلعا وجعي الذي نؤت به وناء بي، هناك وبعد أن أطمئن من خلو المكان سوى من الحقيقة العارية والصدق المطلق، وفي تلك البقعة المباركة التي لا تعرف الكذب، ولا تدري ما السراب أنتزع جوربي الثمين، وأقف حافيا بعد أن أدمتني الأشواك المتلاطمة وانتهبتني الأحجار المصطخبة، أتهاوى إلى الأرض، فأخلع قناعي المزيف وابتسامتي المصطنعة، ليتراءى الصدق المحض وتتجلى الحقيقة المرة التي لطالما أخفيتها عن الناس، وواريتها عن الخلق، بل وداريتها عني أنا، ثمة يُرى كل شيء على حقيقته المُخَبَّأة وصورته الناصعة، أنظر فأرى شخصي الحقيقي بعد أن فقدته ردحا من الزمن، أرى روحي المتهالكة التي كانت، ونفسي التي افتقدت، وقلبي الذي اختفى، وصدري الذي غاب ... أراني، نعم أراني ولأول مرة، أرى تلك الروح المنهكة، وهذي النفس المدنفة، وهذا القلب المنشعب، أنظر فأرى وجعي المتلاطم، وألمي المنسكب، ما هذا؟! أكاد أجن، هل أنا هذا؟! أم أنا لست أنا، هل أنا الذي كنت، أم أنا الذي إليه صرت؟! ترى ما الذي تغير وما الذي تبدل؟! أنظر، وأحدق، رباه ما الذي فعلته بنفسي حتى صارت إلى ما صارت إليه؟ ولماذا غبت عنها، أو وغابت عني؟! بل لماذا أهملتها إلى هذا الحد؟! أبكي لحالي، وأرثي لمآلي متسائلا: ما الذي حملني على فعل ما فعلت؟! سحقا لي! أرى نفسي تقترب مني شيئا فشيئا، وهي تنظر معاتبة متألمة، تسترحمني، متسائلة: يا هذا ما الذي حملك على إهمالي، وأنا في أشد الحاجة إليك؟ لماذا تركتني؟ لماذا؟ صامتا لا أنبس، بينما تحدق فيَّ مكررة: ما هذا الذي فعلت؟! هيا أجبني، أجبني ... أحاول أن أنفلت من شراك عينيها، فتقترب أكثر فأكثر، هيا أجبني، أحاول الهرب، بلا جدوى؛ فقد آنت اللحظة الحاسمة، ولا مناص من المواجهة المرتقبة، وقد جاء وقت الحساب المنتظر، هيا أجبني لماذا تركتني وتلبست بأخرى غريبة عنك وعني؟ أما كنت أولى منها؟ أما كنت أولى؟! لماذا تعيش حياة غير حياتك الحقيقة، لماذا تبتسم وأنا أتألم، لماذا تفرح وأنا أُكْلَم؟! لماذا تحيا وكأنما قد حيزت لك الحياة، وأنا في حاجة منك للمسة نجاة؟! قل لي بالله عليك ما الذي حملك على ما فعلت؟! قل لي, قل لي، فأطرق إلى الأرض خجلا، وأنظر إلى الأفق البعيد، هناااك من حيث أتيت، أغيب عن الوعي حينا، يبدو أنني لا أريد أن أسمع الحقيقة الغائبة الحاضرة، لكنها لا تكف عن المعاتبة حينا، واللوم حينا آخر ... هيا تكلم! تكلم يا سامحك الله! تكلم! لماذا أهملتني وكنت أولى، لكنني لا أنبس، ولا أملك من شيء حجة مقنعة بعد أن تجلت الحقيقة، وظهرت الشمس، وانبلج الضوء، هيا تكلم، أحاول أن أجد بعض حرف، فيخونني، أتمتم، فلا أكاد أنطق حتى أتلعثم، ولا أسطيع، أما هي فلا تكف عن المعاتبة، يا هذا، انظر إليَّ، هيا انظر، لماذا تهرب؟! أيرضيك ما أنا فيه؟! أيرضيك ما وصلت إليه؟! أيرضيك حالي، وما وصل إليه مآلي؟! هيا تكلم!! تكلم، أحاول الهرب من النظر إليها، تحاصرني من كل اتجاه، تطوقني من كل ناحية، أرجوك لا تتركني، أرجوك، أتوسل إليك، ابق معي، نعم ابق معي! فلكم اشتقت إليك، لماذا لا تتكلم، قل لي: إنك ستبقى معي، قل إنك لن تتركني مرة أخرى، قل، قل، أرجوك لا تتركني، لا تتركني، فقد أنهكت، أنهكت، لماذا أنت صامت، لماذا؟! حينها أنتفض من مكاني، فتفرح، هيا لقد أنت اللحظة المرتقبة، تعالى، تعالى، فلقد اشتقت لمعيتك، اشتقت لحضنك، وبينما تفتح تذراعيها، وفي لمح البصر أراني وقد تلقفت القناع الملقى على الأرض مرتديا إياه، هائما على وجهي من حيث أتيت، تاركا إياه آسية كاسفة، وقد انعقد لسانها من هول ما رأت!
______________
