بقلم: علقمة صفدر [52]*
في الأوساط العلميّة والفكريّة تقع أحيانًا أخطاءٌ تبدو في ظاهرها يسيرة، غير أنّ آثارها بعيدةُ المدى وعميقةُ التأثير. ومن هذه الأخطاء أن يُجعَل الدِّينُ والفكرُ الدِّينيُّ شيئًا واحدًا، ويُغفَل ما بينهما من فرقٍ دقيقٍ جوهري. وكذلك تُوزَن العقائدُ والنظريّات بميزانٍ واحد، مع أنّ بينهما بونًا شاسعًا في الطبيعة والمكانة والحدود. وليس هذا الالتباس زلّةً علميّةً فحسب، بل يفضي إلى اضطرابٍ فكريّ، ويولّد توتّرًا بين الناس، ويُضيّق الفضاء الذهنيّ الذي يزدهر فيه العلم.
وقبل الخوض في هذه المسألة، أودّ أن أُقرِّر أصلًا مهمًّا، وهو أنّ علماء الإسلام في مختلف العصور—سواء كانوا من الأئمّة الأربعة أو من سائر الفقهاء، أو من المحدّثين أو المفسّرين، أو من المتكلّمين أو من غيرهم من أهل العلم، من المتقدّمين أو المتأخّرين—قد بذلوا جهدهم في خدمة دين محمّدٍ رسولِ الله ﷺ بعلمهم وفهمهم وإخلاصهم. فخدماتهم جديرةٌ بالتقدير، ونيّاتهم محلُّ ثقة، وحُسنُ الظنّ بهم واجبٌ على كلّ منصف. وهذا هو الأدبُ الأساس الذي بدونه تنقلب المناقشات العلميّة إلى اتهاماتٍ ومهاترات.
غير أنّ هذا الأدب لا يعني بحالٍ من الأحوال أن نعدّ العلماء معصومين من الخطأ، فإنّ ذلك ليس من العدل، ولا ينسجم مع روح العلم. وتاريخ الفقه الحنفي شاهدٌ ناطقٌ بذلك؛ إذ إنّ إمامًا جليلًا كالإمام أبي حنيفة رحمه الله قد خالفه تلميذاه الكبيران، الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني، في مئات المسائل الفقهيّة الفرعيّة. وتمتلئ كتب الفقه بهذه الخلافات؛ فحيث أفتى الإمام بعدم الجواز، أجاز تلميذاه بدليل، وحيث قرّر حكمًا، توصّلا—بعد البحث—إلى نتيجةٍ أخرى. ولم يكن هذا الخلاف تمرّدًا ولا سوء أدب، بل كان مظهرًا من مظاهر التقليد العلميّ الصحيّ الذي يُقدَّم فيه الدليل على الشخص.
وإذا وسّعنا النظر، وجدنا أنّ هذه السنّة جاريةٌ في تاريخ العلوم الإسلاميّة كلّه. فلو لم يأتِ بعد أبي حنيفة أبو يوسف والشيباني، ولم يظهر الكَرخيّ والكاسانيّ، لما بلغ الفقه الحنفيّ ما بلغه من الرسوخ والامتداد. ولو لم يأتِ الأئمّة الشافعيّ ومالكٌ وأحمد بن حنبل، لما تكوّن هذا التراث الفقهيّ الواسع المتنوّع. ولو لم يأتِ بعد الإمام البخاريّ الإمامُ مسلمٌ والترمذيّ وسائر المحدّثين، لما وصل إلينا هذا الرصيد المنقّح المدوَّن من الروايات. إنّ هذا التطوّر العلميّ إنّما أمكن لأنّ كلّ جيلٍ واصل ما قبله، وصحّحه، وأضاف إليه—وذلك كلّه في إطارٍ من الاحترام مع جرأةٍ في البحث.
فهؤلاء العلماء جميعًا—على اختلاف عصورهم ومذاهبهم—ثروةٌ عظيمةٌ للإسلام والمسلمين، وفضلهم عامٌّ على الأمّة. ولم ينالوا هذه المنزلة لأنّهم اكتفوا بالتقليد، بل لأنّهم فكّروا، وتأمّلوا، واجتهدوا، وخالفوا عند الحاجة.
نأتي الآن إلى السؤال المحوريّ في هذه المقالة:
ما هو الدِّين؟ وما هو الفكر الدِّينيّ؟
الدِّين—أي دين محمّدٍ رسول الله ﷺ—هو تلك الأصول الثابتة التي بيّنها القرآن الكريم والسنّة النبويّة بيانًا صريحًا. من التوحيد، والرسالة، والآخرة، وسائر الأمور القطعيّة التي يجب الإيمان بها على كلّ مسلم. وهذه أصولٌ لا تقبل التغيير، ولا الزيادة، ولا الاجتهاد؛ فهي حقائق ثابتة تجمع المسلمين في كلّ زمانٍ ومكان.
أمّا الفكر الدِّينيّ، فهو أمرٌ آخر تمامًا؛ إنّه التراث العلميّ الذي بناه العلماء عبر القرون من خلال البحث والاجتهاد والاستنباط: من مسائل فقهيّة، وآراءٍ تفسيريّة، ومباحث كلاميّة، ونظريّات أصوليّة. ولأنّه نتاجُ العقل البشريّ، فإنّه يقبل الاختلاف باختلاف الزمان والمكان، كما يحتمل الخطأ والصواب، ويحتاج دائمًا إلى المراجعة والنقد. بل إنّ هذا من طبيعته، وقد ظلّ علماء الإسلام يمارسونه عبر العصور.
ومشكلتنا أنّنا لا نُحسن التمييز بين هذين الأمرين؛ فإذا قام باحثٌ بتحليل الفكر الدِّينيّ، ظننّاه يطعن في الدِّين نفسه. وإذا خالف عالمٌ رأيًا فقهيًّا، اتُّهِم بأنّه يعبث بالدِّين، مع أنّه إنّما يناقش اجتهاداتٍ بشريّةً تقبل البحث والنقد.
وقد يُقال: إذا خالف المتأخّرون المتقدّمين، فهل يعني ذلك أنّهم أذكى أو أعلم؟ والجواب: لا، قطعًا. فلم يدّعِ أبو يوسف أنّه أعلم من أبي حنيفة، ولا زعم الشيباني أنّ بصيرته أعمق من أستاذه. وإنّما عرضوا ما توصّلوا إليه من خلال الدليل—وهذا هو منهج العلم وروحه. بل إنّ من حقّ كلّ جيلٍ، بل من واجبه، أن يُواصل المسيرة العلميّة، ويُعيد النظر فيما ورثه، ويضيف إليه ما يراه حقًّا.
إنّ البيئة العلميّة التي سادت في عصور ازدهار الفقه الإسلاميّ كانت تتميّز بقبول الاختلاف؛ فالأستاذ على رأيه بدليله، والتلميذ على رأيه بدليله، دون صخبٍ أو تشهير، ودون اتهامٍ أو تجريح. كان الاختلاف يُعَدّ خدمةً للعلم لا عداوةً له، وبه ينمو العلم ويزدهر. وهذه هي الروح التي ينبغي أن نُحييها اليوم.
وخلاصة القول: إنّ أصول الدِّين—الثابتة بنصوص القرآن والسنّة—لا تقبل التغيير، والإيمان بها فرضٌ على كلّ مسلم. أمّا الفكر الدِّينيّ—بما يشتمل عليه من اجتهاداتٍ وآراء—فهو ميدان البحث العلميّ، والاختلاف فيه جائزٌ بل ضروريّ لتقدّم المعرفة.
وما لم نُدرك هذا الفرق، سيظلّ فضاؤنا العلميّ ضيّقًا، وستستمرّ ظاهرةُ الاتّهام والتشنيع، ولن تزدهر تلك الروح الإبداعيّة التي تحتاجها الأمّة في كلّ عصر. وإنّ الجمع بين الثبات في أصول الدِّين، والحرّيّة في ميدان الفكر الدِّينيّ، هو نهج السلف، وهو حاجةُ الحاضر.
(مارس 2026م)
ـــــــــــــــــــــــــ
