بقلم: د. محمود أحمد غازي 1
تعريب: فضل الرحمن محمود2
يجب الكلام حول علم الحديث في شبه القارة الهندية لسببين: أحدهما – وهو السبب الكبير- أنه ظهرت الجهودُ الحديثية الجبَّارة في شبه القارة في حقبة خاصة على نطاق واسع وطريق جامع اعترف بها كثير من العرب، ولُمِست آثارها في العالم العربي. قال العالم الشهير الخبير العلامة السيد رشيد رضا المصري: "لولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليه بالزوال". هذه قصة القرنِ الثامن عشر / التاسع عشر. إن علماء شبه القارة رفعوا راية علم الحديث في زمن كانت الأمة المسلمة وقعت في شتى القضايا الشائكة. وكانت تتلاشى تقاليد المسلمين الثقافية والعلمية وتُغلَقُ المؤسسات التعليمية واحدة تلو الأخرى، فعلمُ الحديث بدأ يضعف أيضا كما أن التقاليد الأخرى الكثيرة كانت تنتهي إلى الزوال. فأمسك علماء الهند في ذاك الزمان لواء الحديث ورفعوه حتى ظهرت آثارها في أكناف العالم كله.
والسبب الثاني للكلام حول علم الحديث أن تاريخ علم الحديث لم يُدرس دراسة موضوعية، في شبه القارة الهندية خاصة. والمؤسِف أن كبار علماء الهند -وقد اعترف العلماء الراسخون من العرب والعجم بمآثرهم – صاروا عرضة للتعصُّب المذهبي. إني رأيتُ كثيرا من الناس لايعرفون أعمال كبار المحدِّثين لأنهم لاينتمون إلى مذهبهم. وقد حُرِمُوا بسبب هذه العصبية خيرا كثيرا. فيتحتم علينا أن ندرس جهود هؤلاء المحدِّثين دراسة موضوعية وقد أشعلوا شمعة العلم في الهند. لاينفصلُ علم الحديث في شبه القارة عن التاريخ الإسلامي العلمي العام بل هو باب عظيم لامع زاهر من أبواب التاريخ العلمي العام في جنوب آسيا، ومازالت آثاره باقية على البحوث الحديثية الهندية.
دخل الإسلام الهند في زمن الخلفاء الراشدين . ورد المسلمون في غرب الهند – بومبائي
وتهانه- في عهد سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه وتوطّنوها، وبالطبع ، هؤلاء كانوا تابعين، أتوا الهند و استوطنوها. اعتنقت الهندُ بجهودهم دينَ الإسلام بشكل منظم. وترددت القوافل الإسلامية هنا –ذهابا وإيابا- في زمن سيدنا عمر الفاروق و سيدنا عثمان الغني رضي الله عنهما. ولاسيما توجهت البعثات إلى الهند على نطاق واسع للبحث عن الحقيقة، وأَخذ شبهُ القارةِ الهندية يحتل مكانةً في الأدب الإسلامي بسرعة.
لما فتح محمد بن قاسم السندَ – القسط الكبير من باكستان حاليا- اصطحبه جماعة كبيرة من التابعين وثلة من الصحابة. قد ألف المؤرخ المحقق الهندي الشهير القاضي أطهر المباركفوري عددا من المؤلفات حول تاريخ شبه القارة، ومنها كتاب يتحدث عن الصحابة رضي الله عنهم الذين وردوا في الهند ودفنوا فيها. جاء هؤلاء الصحابة خصيصا في السند وملتان وما يجاورهما بكثرة. وبالتأكيد، هذه الطائفة اشتملت على صغار الصحابة، لم يوجد فيهم صحابي معروف، لأن هذه المنطقة فتحت سنة 92هـ وانقرض زمن الصحابة سنة 110هـ . فلذا قَدِم بعض الصحابة هنا، وعدد التابعين كان أكثر، الذين أقبلوا إلى الهند. ومنهم المُحدِّثون.
بدأت مساهمة الهند في مجال علم الحديث منذ زمن التابعين وأتباعهم. توجد روايات أبي معشر نجيح السندي في كتب الحديث والسيرة بكثرة. بهذا يُعرف أن الممارسة الحديثية قد تجذرت في هذه البقعة حتى ذُكِر أحدُ أعلامها مع أعلام الحجاز والعراق ومصر. ينقسم التأريخ العلمي في الهند إلى سبعة أطوار باعتبار سرعة العمل والتطور والأسلوب الذي اختير فيها.
الطور الأول:
بدأ الطور الأول بفتح محمد بن قاسم بلادَ السند، واستمر هذا الطور إلى أن استقرت عاصمة الدولة الإسلامية باستقلال تام في دهلي. في هذه المرحلة توطدت علاقات المسلمين العلمية بالعالم العربي عموما، وبالعراق على الأخص. ورد عدد كبير من العراقيين وغيرُهم في الهند، منهم علماء ومحدثون. أشير إلى هؤلاء المحدثين في كتب التأريخ جزئيا. دخلوا الهند وساهموا في نشر علم الحديث حسب وسعهم بحثا وتصنيفا، ولكن لاتوجد لأكثرهم ترجمات مفصلة، كل ما يوجد حولهم فهو قليل جدا وضئيل. وأكبر سبب لقلة المعلومات حول محدثي ذلك العصر، أنه لم يتم تأليف كتاب بارز أو تحقيق لامع يستحق الانتباه في هذا الطور، ولم يصلنا شيء من ذلك.
الطور الثاني:
لما تأسست الدولة الإسلامية في دهلي، وبدأ العهد الذي يسمى بـ: سلطنة دلهي"، توجه عدد كبير من العلماء العظام إلى شبه القارة الهندية، منهم من برع في الصنعة الحديثية؛ ولكن ضعفت في هذه الفترة علاقة المسلمين بالعرب وتوثقت صلتهم بالأعاجم؛ لأن محمد بن قاسم وأصحابه قدموا من الحجاز والعراق والبلدان العربية الأخرى، وكانت اتصالاتهم بالمراكز العلمية العربية، أما الذين جاءوا في زمن سلطنة دهلي من أفغانستان وآسيا الوسطى، كانت اتصالاتهم بمعاهد أفغانستان العلمية وآسيا الوسطى، وقاموا بدعم ماورثوه من هذه المعاهد الدينية والعلمية، التي غلب عليها الطابع الفقهي والأصولي، والمنطقي والكلامي، والعقلي. ضعُف في هذه الحقبة –بالتدريج- الاشتغالُ بعلم الحديث نسبيا، حتى كاد يُظَنُّ اندراسُ علم الحديث في المراكز الرئيسية العلمية الهندية، وخُشِي انتزاعها من هذه البلاد.
في هذه الأيام ورد في الهند أحد تلاميذ العلامة ابن تيمية، مصطحبا معه كنوز علم الحديث؛ ولكنه غادرها بعد مدة. وجاء محدث آخر معروف، وزعم أنه سيبدأ سلسلة دروس الحديث، ولكنه لما قرب من حدود الهند، سمع أن ملك هذه الدولة لايهتم بالصلاة، ويقترف بمالايمت إلى الشرع بصلة، فرجع القهقرى. وقال : إني لاأستطيع العيش في بلد يحكمه شخص بمثل هذا المستوى، فلم يظهر في هذه المرحلة إنجازٌ نابهٌ يستحق الذكر.
نعم، هناك شيئان يسترعيان النظر ويُلَفِّتان الانتباه. زمنٌ أصيب فيه الحَقلُ الحَدِيثيّ بالجدب، واحتلَّ الخريفُ رياضَ الحديث، تلألأت مأثرتان عظيمتان، إحداهما لمعت في المنطقة التي تسمى حاليا، باكستان، والأخرى في إقليم غجرات -غرب الهند - التي توجد فيها حتى الآن مستوطنات المسلمين والمعاهد العلمية. ظهر في إقليم بنجاب محدث كبير يعد من كبار محدثي العالم الإسلامي. استَوطنَ مدينة لاهور، ولُقب بـ اللاهوري". أعماله لاقت رواجا وقبولا في ديار الإسلام كلها إلى مئات السنين، ألا، وهو الإمام محمد بن الحسن بن محمد الصغاني اللاهوري، وقد اشتهر بلقب الصغاني اللاهوري؛ لأنه عاش في مدينة لاهور طويلا. اختلف العلماء في مسقط رأسه، قال بعضهم : إن الشيخ كان ينتمي إلى "بدايون" إحدى مُدن "يوبي"، وقال آخرون: محلُّ مِيلاده في إحدى مناطق بنجاب؛ ولكنهم اتفقوا أنه أقام في "لاهور، وتوطنها، ثم غادرها وهاجر إلى البلاد العربية، وألقى عصا الترحال في الحجاز، وتوفي في بلاد الحرمين. له كتاب "مشارق الأنوار النبوية في صحاح الأخبار المصطفوية"، الذي يعرف باسمه المختصر "مشارق الأنوار". تداوله أهالي شبه القارة الهندية كمصدر معتمد إلى مئات السنين، ودُرِّسَت في المعاهد، وتوجه كثير من العلماء بشرحه وترجمته. توجد له ترجمة أردية أيضا كأقدم كتاب عندنا. طبعت هذه الترجمة في أواخر القرن الثاني عشر أو أوائل القرن الثالث عشر عندما بدأت حركة الطباعة والنشر في الهند.
مشارق الأنوار كتاب ضخم، فيه الأحاديث القولية المنتخبة من الصحيحين، مع حذف أسانيدها؛ كأن المصنف أراد إيصال رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قارئ عادي ليطالعها من غير انغماس في المباحث الفنية الإسنادية والحديثية. ولم يذكر فيه الأحاديث الفعلية والتقريرية. تم تأليف هذا الكتاب قبل مشكاة المصابيح. توفي الصغاني سنة 650هـ، وبالطبع أنه فرغ من تأليفه قبل ذلك. نال هذا السِّفرُ -الذي أُلِّفَ في أوائل القرن السابع الهجري- رِضًا وترحيبا إلى مدة طويلة. كُتبت عليه شروحات، ثم قام بشرحه أحدُ الأَماجد في إستانبول وطبع فيها سنة 1328هـ، سمي بـ "مبارق الإظهار في شرح مشارق الأنوار". إستانبول التي ظلت مركزا سياسيا للعالم الإسلامي إلى قرابة سبع مائة سنة، وعاصمةً للخلافة العثمانية.
هذه مأثرة خارقة ظهرت في بنجاب. وعلاوة على ذلك أنجب إقليمُ غجرات -في غرب الهند- أفذاذا من المحدثين، لهم أعمال بارزة تجلَّت في " عهد السلطنة". منهم الشيخ الكبير محمد طاهر الفتني -الفتني معرب من كلمة’’پٹنی‘‘۔ لأن العرب يستبدلون لفظة ’’پ ‘‘ بـ : فاء، و كلمة ’’ٹ‘‘ بـ "ت" أو "ط"-، له مأثرتان عظيمتان. إحداهما فذٌّ في بابه، لعله لم يعهد بمثله في الديار الإسلامية، والأخرى ما وُجِد نظيره. إنه ألف كتاب " تذكرة الموضوعات". جمع فيه الأحاديث الموضوعة. تطرق العلماء بهذا الموضوع كثيرا بعد الشيخ الفتني، وقبله أيضا ولكنهم قليلون. وهو أول عمل جامع ضخم في "الموضوعات". طبع مرات وكرات في باكستان، والهند والعالم العربي، وذاع صيته. جمع المؤلف فيه الأحاديث التي زعم أنها مختلقة مردودة، حسب الترتيب الموضوعي. وإنجاز آخر ما لم يوجد له مثال هو "مجمع بحار الأنوار". الكتابُ مشتهر بهذا الاسم، ومتوفر في المكتبات، واسمه الكامل: "مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار". راجَعَ فيه الشيخ إلى أحاديث الصحاح الستة، حذف منها المكررات، وشرح الغريب وأوضح العويصات مع توضيح لأهم النكات فيها؛ كأن هذا الكتاب شرح للصحاح الستة كلها، صحيح البخاري وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وأبي داود، والنسائي وابن ماجه. يستطيع القارئ من خلال هذا الكتاب أن يطلع شيئا على سائر مؤلفات الحديث. أثنى عليه كثير من العلماء، ونُوِّه به في تراجم شتى. هذا إنجاز بديع لم يبرز بمثل هذا النمط في دولة غير الهند.
هناك محدثان آخران من إقليم غجرات. أحدهما : الشيخ علي المتقي الهندي، يعرفه كل واحد منا، وكل طالب حديث، والعالم الإسلامي كله. لعلنا لانخطئ إن قلنا : إنه كبير المحدثين في عصره، هاجر إلى مكة المكرمة وعاش هنا حتىَّ وافته المنية. له عمل كبير، فريد في نوعه. أراد أن يجمع أحاديث الرسول ﷺ كلها من الدواوين الحديثية المتواجدة آنذاك ويرتبها ترتيبا هجائيا، وألف كتاب "كنز العمال". استند فيه إلى أحاديث الصحاح الستة، ومسند الإمام أحمد، ومعجم الطبراني، ومسند أبي داود الطيالسي، وما توفر له من الكتب الحديثية، فرتبها على الترتيب الألفبائي. نُشر هذا الكتاب مرات. طبع أولا بطراز قديم. لم يكن في الطبعات القديمة اهتمام بترقيم الأحاديث، فأحصى بعض الناس أحاديثه يدويا، فحسب إحصائه بلغت أحاديثه إلى 52000 حديثا، ولبعضهم إحصائيات أخرى أكثر من هذا العدد أو أقلّ.
قبل عدة سنين بدأ طبعه في العالم العربي بعناية فائقة وتحقيق بالغ. قام المحقق والمُرتِّبُ بترقيم الأحاديث كلها، لا أدري ، هل تم طبعه كاملا أم لا؟ رأيتُ بعض أجزائه التي وصلت إلينا. وإن تم طبعه كاملا فعندئذ يمكن معرفة الإحصاء الصحيح للأحاديث. هذا كتاب مهم، بقي إلى مدة طويلة محط أنظار طلبة الحديث؛ لأن البحث عن الحديث فيه والإحالة إليه سهل. تستطيع العثور على الحديث فيه لوتحفظ أول كلمة منه، فابدأ الكتاب على الترتيب الهجائي، ولاتحتاج أن تعرف، من رواه؟ وفي أي كتاب ورد الحديث، ومن هو الراوي الأعلى؟ لستَ بحاجة إلى معرفة المزيد لو تحفظ أول لفظ من الحديث. فهذا الكتاب مفيد جدا للطلبة والمحققين، والوعاظ، والخطباء، وعامة المسلمين. استفاد منه الجميع ونال القَبول بسرعة فائقة.
جاء بعده تلميذه الذي برز في مجال الحديث، وهو المحدث الكبير الشيخ عبد الوهاب المتقي. هاجر أيضا إلى مكة المكرمة، ونَشر علمَ الحديث فيها على نطاق واسع، وبسببه أشرق اسم شبه القارة الهندية وغجرات في كل مكان. ورحل إليه عَطشى العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ونهلوا من معينه، منهم الهنود وغيرهم. هؤلاء الثلاثة الهنديون معروفون بإنجازاتهم، وقدعملوا بطريقة لمُست آثارها في ربوع العالم كله.
الطور الثالث:
عهدُ المغول الذي جاء بعد عهدِ السلطنة، يمكن وصفُه بدايةَ عصر جديد لعلم الحديث. طلعت فيه شمس الحديث بحرارة جديدة وطريق مبتكرة. إن الأعمال الحديثية التي وُضعت في هذا العهد ليس لها أي صلة بالحكام المغول، ولايرجع فضلها إليهم لكن تُحالُ إليهم، لأن هذه الأعمال ظهرت في عهدهم. ظهرت فيه شخصيتان عظيمتان، بدونهما تاريخ علم الحديث في شبه القارة الهندية ناقص، بل ولانبالغ لونقول: إن واحدا منهما لايكتمل بدونه تاريخ الحديث في الديار الإسلاميةكلها. وهما: الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي رحمه الله، والشاه ولي الله المحدث الدهلوي. والأخير لايكتمل بدونه تاريخ علم الحديث، أيًّا ما كان. ولوقيل : إنه أمير المؤمنين في الحديث لمسلمي شبه القارة الهندية، فلن يكون خطأ.
الشيخ عبد الحق الدهلوي رحمه الله :
ولع الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي بعلم الحديث وخدَمَه حتى صارت كلمة "المحدث الدهلوي" جزءا من اسمه. ربما سمعتم، أن كثيرا من سُكَّان الدهلي أُلحِقَت باسمهم لفظة "حقي". هُم من سُللة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي، فلُقِّبوا بـ "الحَقِّي". عُمِّر الشيخُ طويلا، وُلِد في عهد الملك أكبر، وتوفي في زمن الملك شاهجهان. تأثر بشخصيته جهانكير، وطلَبه في بلاطه، فرحل إليه ولقيه، فتأثر به الملكُ وذكره في يومياته المسماة بـ: تزك جهانكيري – وهي مطبوعة-، وأثنى عليه كثيرا، وكتب: ندُرَ أمثاله. أنا تأثرتُ بشخصيته وسيرته جدا. يعني : أن الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي كان من الأفذاذ الذين انتبه إليهم الملوك، وذكروهم في كتاباتهم. سافر الشيخ رحمه الله إلى الحرمين، ومكث هنا ثلاث سنوات، واستفاد من مشايخ هذه البلاد، واستجازهم، ثم رجع إلى الهند. شعر الشيخ قبل أن يصل هنا وبعده أيضا، أن أكبر سبب لخزعبلات وضلالات أهل الهند هو قلة مطالعة القرآن المجيد، والحديث والسيرة النبوية بالطريق المباشر. غلبت عليهم المعقولات، فلايمكن أن تتولد فيهم خشية الله، والالتزام بالدين، والتعلق بالله كما تتولد بالمطالعة المباشرة للقرآن المجيد والحديث والسيرة النبوية. هذا كان عهدُ الملك أكبر، وقد عمَّت ضلالاته في الهند. قال العلامة إقبال رحمه الله:
تخم الحادے کہ اکبر پرورید
باز اندر فطرت دارا دمید
(إن بذرة الإلحاد التي رباها أكبر، نبت بعده في فطرة "دارا")
كأن العهد الأكبري يضرب به المثل في الإلحاد. لاحاجة لتفصيله. وهو عهد شديد في الزندقة والإلحاد، وبدأت تظهر آثاره السلبية على المجتمع، والشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي كان من الأعلام الذين تحملوا مسئولية التغيير. له ثلاث أعمال بارزة. أحدها، أنه بدأ تدريس الحديث في دهلي في حلقة واسعة جدا، سالكا الاتجاه الجديد. حضر فيها الآلاف من الطلبة والعلماء، لا المئات فقط، ونهلوا من علمه، ولاحت آثاره على المجتمع. توجه تلاميذه بعد الاستفادة منه إلى مدن أخرى، وبدؤوا حلقات الحديث، فانتشر في الهند عبيره المتجدد، وهواءه الطري، ونسيمه المنعش، الذي كان الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي باعثُه الأول.
والمهمة الأخرى التي أنجزها الشيخ أنه ألف رسائل وكتبا حول علوم النبوة. قصد بها إنشاء محبة الرسول صلى الله عليه وسلم في قلوب المسلمين، والتعلق بالجناب النبوي. وهي رسائل صغيرة وكبيرة باللغة الفارسية حول ذات الرسول صلى الله عليه وسلم، وشمائله، ونبوته، وفضائل المدينة المنورة، التي حازت القَبول على أوسع نطاق، وكانت لها آثار إيجابية جدا. ومأثرتُه الحقيقية، مع ذلك، أنه أرسى بناء تدريسِ الحديث في شبه القارة على أساس علمي متين، حتى بقي هذا التقليدُ إلى مئات السنين بعد وفاته. دبّج يراعُه شرحين لمشكاة المصابيح باللغة العربية والفارسية. تم تأليفُ مشكاة المصابيح في القرن الثامن الهجري. هذه مجموعة أحاديث، لها شأن خاص. راجت ككتابٍ مَدرسي إلى مدة طويلة، كما هي مقررة في زماننا أيضا في كثير من المعاهد. إن الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي هو الذي قام بتعريف هذا الكتاب في الهند، واختاره كمقرر تعليمي في معهده، فعُرِفَ بسببه في بقية الهند. قرأه الناس واطلعوا على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة. للشيخ عليه شرحان، أحدهما بالفارسية، سماه: "أشعة اللمعات في شرح المشكاة"، وهو مختصر نِسبيا، كتبه لعامة المثقفين. فيه ترجمة للأحاديث باللغة الفارسية، مع شرحها باختصار وإيضاح للكلمات العويصة، وأطال النفس في بعض المباحث عند الحاجة إليها، مراعيا البِيئَة الهندية.
والشرح الثاني باللغة العربية، المسمى بـ "لمعات التنقيح"، طبع عدة مرات في مجلدات. ألفه لعلماء الحديث والمتخصصين، توجد فيه مباحث لغوية، فقهية وكلامية بتفصيل جدا. قَصدَ بتأليفه أن يتخصَّصَ العلماءُ في الحديث كما تخصَّصُوا في العلوم الدِّينية. إن عمل الشيخ هذا صَنع التاريخ، وترك بصمات دائمة ومتينة.
(للحديث صلة)
1- التُقِط هذا المقال للعلامة الفقيه الدكتور محمود أحمد غازي رحمه الله، من كتابه "محاضرات في علوم الحديث"، المنشور من مكتبة الفيصل، أردو بازار، لاهور، عام 2012م. ولد الدكتور محمود أحمد غازي عام 1950م، حفظ القرآن الكريم في الثامن من عمره. أكمل الدراسة النظامية الرائجة في شبه القارة الهندية، وتعلم اللغات الأردية، والفارسية، والعربية والفرنسية والإنجليزية. حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة بنجاب، لاهور، وتولى المناصب العليا في باكستان والدول الإسلامية الأخرى، له مصنفات باللغة الأردية والعربية والإنجليزية، منها: تحقيق وتعليق على السير الصغير للإمام محمد بن الحسن الشيباني، والقرآن الكريم – المعجزة العالية الكبرى، و يا أمم الشرق (تعريب كلام إقبال)، وتاريخ الحركة المجددية، والعولمة. توفي سنة 2010م.
2- خريج الجامعة دار العلوم الإسلامية، لاهور.
_______________
