مآلات الصراع الإيراني-الأمريكي وأسباب نجاح باكستان

بقلم : الأستاذ محمد حسن الياس[2]*

نقله إلى العربية: عثمان فاروق

كشفت التوترات الأخيرة بين إيران وأمريكا، مرة أخرى، عن حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن القيادة الدينية في العالم الإسلامي لا تزال أسيرة جملة من الأوهام الجوهرية في إدراكها السياسي؛ أوهام لا تسهم في احتواء الأزمات بقدر ما تعيد إنتاجها، بحيث تنبثق عنها، كل بضع سنوات، موجة جديدة من النزاعات. وتمثل التجربة الإيرانية الراهنة مثالا دالا على ذلك.

وعند تناول هذا المشهد بعيدا عن الانفعال العاطفي، يتضح أن القضية لا تختزل في حادثة عابرة، أو ضربة محدودة، أو حتى في سياسات حكومة بعينها؛ بل هي تعبير عن مسار طويل من التشكل الذهني والسياسي والاستراتيجي، جرى خلاله النظر إلى الواقع من زاوية مخصوصة، وصياغة القرارات في ضوئها. واليوم، تتبدى مآلات هذا النهج في التفكير والممارسة على نحو جلي.

وفي ضوء سلوك القيادة الدينية، واستقراء هذا المسار برمته، يمكن تلخيص أبرز ملامحه في ثلاثة مرتكزات أساسية:

١- مقاربة النزاعات السياسية من منظور ديني

٢- إدارة العلاقة مع القوى الدولية على أساس مثالي تجريدي

٣- استغراق في استدعاء أمجاد الماضي على حساب استيعاب تعقيدات الحاضر

هذه حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن إيران قد ربطت دورها الإقليمي، منذ البداية، بسردية دينية وثورية. وبذلك لم تعد النزاعات السياسية شأنا سياسيا أو جغرافيا محضا، بل أضفيت عليها صبغة القداسة، فغدت بمثابة جهاد مقدس، وجبهة أيديولوجية، وجزءا من مشروع تاريخي واسع.

وفي خلفية هذا التصور، كان ثمة خيال ديني فاعل، يقوم على توسيع دائرة النفوذ في أرجاء المنطقة، تمهيدا لإقامة نظام عالمي للعدل، يؤمل أن يتحقق بعد ظهور الإمام المهدي. وقد أضفت هذه البنية الذهنية على السياسة الخارجية طابعا من التقديس الأيديولوجي، بدلا من أن تقوم على أسس الواقعية السياسية.

وكان من نتيجة ذلك أن صارت القرارات السياسية تنحو بعيدا عن مقتضيات الواقع، وتوازنات القوة، وإمكانات الدبلوماسية، لتخضع، على نحو متزايد، لسطوة حلم ديني كبير يوجه مسارها ويحدد أولوياتها.

ولم يكن هذا التخيل مقتصرا على استحضار أمل في نظام عدل مستقبلي فحسب، بل اقترن أيضا بربط جملة من الخلافات الدينية والسياسية، الممتدة من العصور الإسلامية الأولى إلى يومنا هذا، بوعي مشحون بإحساس تصفية تاريخية مع ما ينظر إليهم بوصفهم منحرفين. وهكذا أعيد تشكيل السياسة الراهنة في قالب مركب، تتداخل فيه ذاكرة الماضي، وروح التقديس، ونزعات الثأر الكامنة.

ولهذا السبب، لم تعد إيران، خلال العقود الأخيرة، مجرد دولة بالمعنى التقليدي، بل برزت أيضا بوصفها مركزا لشبكة معقدة من التشكيلات المسلحة، والجماعات الوكيلة، والتنظيمات الإقليمية. فقد أصبحت القوى المسلحة الناشطة في لبنان وسوريا والعراق، إلى جانب شبكات أخرى ممتدة في مناطق مختلفة، جزءا من هذه الاستراتيجية. كما أن ارتباطات جماعات مثل حماس، والحوثيين، وحزب الله، وفاطميون، وزينبيون، إضافة إلى الحرس الثوري، جاءت جميعها ضمن هذا الإطار العام.

وقد أتاح ذلك لإيران، في بعض المراحل، قدرا معينا من النفوذ والتأثير، غير أنه أسهم، في المقابل، في تعميق مشاعر القلق وانعدام الأمن لدى دول المنطقة الأخرى، ولا سيما الدول العربية. فلم يعد الخطر، في نظر هذه الدول، مقتصرا على إسرائيل، بل برز أيضا في صورة جار يسعى إلى توسيع نطاقه الأيديولوجي متجاوزا حدود الجغرافيا السياسية.

وفي هذا السياق، اتجهت عدة دول عربية إلى توثيق علاقاتها بالقوى الخارجية، وتعزيز حضورها العسكري عبر إقامة قواعد، بل وقبول وجود تلك القوى بوصفه ضرورة أمنية في بعض الأحيان. ومن ثم، فإن اختزال الوجود الأمريكي أو الغربي في المنطقة بوصفه مجرد نزعة استعمارية لا يكفي لفهم الصورة الكاملة؛ إذ يقف وراءه تاريخ واقعي من المخاوف الإقليمية المتراكمة.

كما أن الأزمات الدموية التي ارتبطت بمواسم الحج، وما شهدته مكة في هذا السياق، أسهمت بدورها في ترسيخ هذا الشعور داخل الدول العربية، وعززت القناعة بأن النهج الثوري في السياسة الإيرانية يمكن أن يؤثر بعمق في توازنات المنطقة بأسرها.

تمثل المشكلة الأساسية الثانية في سياسة إيران في أنها تعاملت مع القوى العالمية، في الغالب، بلغة أيديولوجية وثورية، في حين أن السياسة الدولية لا تُدار بالمبادئ المجردة بقدر ما تُدار بمنطق القوة، والمصالح، والنظام، والتوازن. فعلى مدى نحو نصف قرن، جرى ترسيخ خطاب قائم على شعارات من قبيل "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل" و"الشيطان الأكبر"، وغُرِس في وعي الجماهير أن الأمر يمثل مقاومة تاريخية، وتقدما حضاريا واسعا، وأن مآله سيكون في نهاية المطاف أفول القوى الكبرى.

غير أن النظر إلى النتائج يكشف أن هذه السياسة، من حيث أهدافها الأساسية، قد انتهت إلى إخفاق واضح؛ فلا الولايات المتحدة ضعفت، ولا إسرائيل زالت، ولا تبدل النظام الدولي. وعلى العكس من ذلك، أخذت إيران نفسها ترزح تحت وطأة العقوبات، والضغوط الاقتصادية، والعزلة الدبلوماسية، والاضطراب الداخلي.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه:

إذا كان الخصم، بعد نصف قرن، لا يزال قائما بل أشد قوة، بينما تزداد أنت تقييدا وانحصارا من الداخل، فأي معيار يبقى لقياس نجاح الشعارات؟

وإذا كانت تلك القوى نفسها هي التي تفرض شروطها ثم تقدم ضمانات السلام، فبأي معنى يمكن الحديث عن انتصار؟

(يُتبع ...)

ـــــــــــــــــــــــــ

مآلات الصراع الإيراني-الأمريكي وأسباب نجاح باكستان - الإشراق العربي - مايو 2026 - أفكار - أفكار