بقلم: الشيخ سيد سليمان الندوي رحمه الله [43]*
نقله إلى العربية: عثمان فاروق
(الحلقة الأولى)
]هذا العمود المعنون بـ "وجهات نظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته.[
لا يزال في المسلمين فريق يرى في مسألة التطور[44] حقيقةً لا مراء فيها، بل يشتدّ إيمانه بها حتى يقول في جرأة ظاهرة:
"إذا كان القرآن المجيد منكرًا لمسألة التطور، فكيف يُسلَّم بعد ذلك بأن القرآن الكريم موافقٌ للفلسفة الحديثة كلّ الموافقة؟"
وهذا الفريق لا يقف وحده، بل يشاركه في هذا الرأي جمهور علماء الطبيعيات في أوروبا. غير أن البحث في كون الفلسفات الحديثة ميزانًا تُقاس به حقائق القرآن المجيد أو لا، هو بحث آخر له مجاله. ولكن، إذا سُلِّم بهذا الأصل جدلًا، فإن دفع هذا الإشكال لا يتأتّى إلا بأحد مسلكين:
١۔ أن تكون مسألة التطور نفسها غير ثابتة.
٢۔ أو أن تكون ثابتة، ولكن القرآن المجيد لا ينكرها.
وسنسلك في إزالة هذا الشبه المسلكين معًا، على الترتيب.
والواقع أن مسألة التطور، وإن بدت في ذاتها قوية الموقع، راسخة الدعوى، فإن الأدلة التي تُساق لإثباتها ليست من المتانة بحيث تُلزم الخصم أو تُسكت المعترض؛ بل هي من الضعف بحيث يكفي المخالف أن يعرضها على أنظار الناس، دون أن يتكلّف عناء نقضها، ليجعل من عرضها نفسه حجةً على وهنها. فليتأمل الناظر، وليحكم بنفسه: إلى أي حدٍّ تُورث هذه الأدلة يقينًا بصحة مسألة التطور؟
ثم جاء تشارلز داروين (Charles Darwin) [45] فصنّف في هذا الباب كتابه الموسوم بـ “The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex” ،[46] فسطّر فيه جملةً من الأدلة التي اعتمد عليها في إثبات هذه النظرية، حتى انتهى به القول إلى أن جميع الكائنات الحية كانت في أصل فطرتها شيئًا واحدًا، ثم أخذت في مدارج الارتقاء حتى تفرّعت منها هذه الأنواع المختلفة، وأن الإنسان إنما هو الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة الطبيعية المتدرجة.
وسنذكر هذه الأدلة على الترتيب:
١۔ التشابه الجسدي
إن جسم الإنسان يماثل أجسام الحيوانات مماثلةً تكاد تكون تامة؛ فالعضلات، والأعصاب، والأعضاء الداخلية، والدماغ، كُلّ ذلك في الإنسان يشبه ما هو موجود في الحيوانات، كالقرد، والخفاش، والبقر البحري، تشابهًا يدعو إلى التأمل.
٢۔ تشابه الأمراض
إن الإنسان يُصاب بأنواع من الأمراض الوبائية والمعدية، وكذلك الحيوانات تُصاب في الغالب بالأمراض نفسها؛ كالجدري، والكوليرا، وغيرها من الأسقام المعدية. وهذا في نظرهم دليل على شدة المشابهة بين الإنسان والحيوان، ولا سيما القرد. ومما يثير العجب أن القردة تُصاب كما الإنسان بالزكام، والحمّى، والصرع، والتهابات الأمعاء، وأن الأدوية التي تنفع الإنسان تنفعها كذلك؛ وكأن الطبيعة واحدة في الجانبين.
٣۔ تشابه الأذواق
إن للقردة أذواقًا قريبة من أذواق الإنسان؛ فهي تميل إلى الشاي، والقهوة، والمواد المسكرة، وتجد فيها لذّةً كما يجدها الإنسان، بل وتظهر عليها آثار السُّكر كما تظهر عليه. وهذا الاتفاق في الذوق يُعدّ عندهم شاهدًا على وحدة الفطرة.
٤۔ التشابه الفطري
إن بين الإنسان وسائر الحيوانات التي تلد وترضع قدرًا كبيرًا من الاشتراك في القوانين الطبيعية والفطرية؛ كقانون التناسل، والحمل، والوضع، وما إلى ذلك من السنن التي تحكم الحياة الحيوانية والإنسانية على السواء.
٥۔ تشابه الجنين
تُعدّ حجة تشابه الجنين، في نظر القائلين بالتطور، من أقوى الأدلة وأشدها إحكامًا. وخلاصة هذه الحجة أن نشأة الإنسان وسائر الحيوانات إنما تبدأ من كائنات دقيقة جدًا، تكاد تُرى ولا تُرى، يبلغ من ضآلتها أن قطر الواحد منها لا يزيد على جزء يسير للغاية. وفي هذه المرحلة الأولى يكون جنين الإنسان مماثلًا تمام المماثلة لأجنة الحيوانات.
ثم إن الجنين الإنساني، في أطواره الأولى، يشبه أشد الشبه أجنة تلك الحيوانات التي لها عمود فقري. وعند هذه المرحلة يبدأ التمايز بين جنين الإنسان وأجنة سائر الحيوانات، فتتكون الأطراف: اليدان والرجلان في الإنسان، وما يقابلها من الأجنحة أو الأطراف في الحيوان. غير أن هذه الأعضاء، في بداية تكوّنها، لا يكاد يظهر بينها أدنى اختلاف، ثم لا يلبث الاختلاف أن يتدرج شيئًا فشيئًا.
ويمتاز جنين الإنسان في مراحله الأخيرة عن جنين الكلب، ثم يكون آخر ما يظهر فيه التميز عن جنين القرد. ومن هذا التدرج يستنتجون أن الإنسان وسائر الحيوانات كانوا في الأصل شيئًا واحدًا، ثم فرّقت بينهم مدارج الارتقاء، فظهرت الأنواع المختلفة.
٦۔ الأعضاء غير النافعة
وهذه أيضًا من الحجج التي يُعلّقون عليها كبير الأمل في تقرير نظرية التطور. إذ لا يكاد يوجد كائن حي، إنسانًا كان أو حيوانًا، يخلو من أعضاء لا يظهر لها نفع بيّن. فمن ذلك: آثار الثدي في الرجال، وبعض أجزاء الأذن الظاهرة، وعضلات فروة الرأس، وعضلات الأذن، ونحوها.
ويرى أنصار هذه النظرية أن هذه الأعضاء إنما هي بقايا من عصور سحيقة مرّ بها الإنسان في تاريخه الحيواني؛ إذ كانت هذه الأعضاء ذات نفع في تلك المراحل، ثم فقدت وظيفتها مع تطور الإنسان. فعضلات الأذن، مثلًا، لا تحرّك الأذن الآن، وعضلات الجلد لا تُحدِث فيه حركة تُذكر، ولكنهم يزعمون أنها كانت تؤدي وظائفها حين كان الإنسان في طورٍ حيواني، وبقيت بعد ذلك أثرًا موروثًا لا أكثر.
هذه هي الأدلّة التي يُلحّ بها القائلون بالتطور، ويدعوننا إلى التسليم بها والاعتقاد بمقتضاها. فتأمّل كل دليل منها نظر المتدبّر، وانظر: هل يورث في القلب طمأنينةً راسخة؟ وهل يصمد أمام عواصف الشكوك والشبهات؟ إنك مع الأسف لا تملك إلا أن تقول: "لا". فكيف بعد ذلك يُتصوّر أن يؤيد القرآن الكريم مسألة هذا شأنها؟
غير أن بعض شبابنا، هداهم الله، قد بلغ بهم الإعجاب بأوروبا مبلغًا يجعلهم يتلقّون كل ما يصدر عنها كأنه وحيٌ مُنزّلٌ، مع أن تشارلز داروين نفسه قد وصف نظريته، التي أعلنها سنة ١٨٥١م، بأنها قضية ظنية، لا ترقى إلى مرتبة اليقين.
(يُتبع ...)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبذة عن حياة العلامة سيد سليمان الندوي رحمه الله:
هو الشيخ العلامة الأديب المحقق السيد سليمان الندوي عليه الرحمة، أحد أعلام الفكر الإسلامي في القارة الهندية، ونابغة من نوابغ العلم في التفسير والتاريخ والأدب وعلم الكلام، جمع بين سعة الاطلاع ودقة البحث، وأثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات رصينة خالدة.
وُلد يوم الجمعة، لسبع بقين من صفر سنة ١٣٠٢هـ، الموافق ٢٢ نوفمبر ١٨٨٤م، في قرية دسنه من أعمال ولاية بهار، ونشأ في بيئة علمية غرست في نفسه حب المعرفة منذ نعومة أظفاره. فقرأ مبادئ العلوم وبعض الكتب المتداولة، ثم شد رحاله إلى دار العلوم ندوة العلماء سنة ١٣١٨هـ ، حيث نهل من معين علمائها الكبار، وتخرج فيها سنة ١٣٢٤هـ .
وكان من أبرز شيوخه العلامة شبلي النعماني، الذي لازمه وتأثر به تأثرا بالغا، حتى غدا من أخص تلامذته وأقربهم إليه، فأخذ عنه الأدب العربي وأسراره، واستفاد منه منهجا وفكرا، وشاركه في حمل رسالته العلمية. وقد أنابه في تحرير مجلة "الندوة" غير مرة، فسطع نجمه بمقالاته العلمية التي دلت على نبوغ مبكر، وبشرت بكاتب فذ له شأن عظيم.
ثم عُيّن أستاذا في ندوة العلماء سنة ١٣٢٥هـ، ولم يلبث أن استدعاه مولانا أبو الكلام آزاد سنة ١٣٣٠هـ للمشاركة في تحرير جريدة "الهلال"، فأسهم فيها بقلمه السيال، وأقام بها عاما، ثم انتقل إلى كلية بونا التابعة لجامعة بومباي، حيث قضى نحو ثلاث سنوات، حاز خلالها ثقة الأساتذة والطلاب.
ولما دنا أجل أستاذه شبلي النعماني، استدعاه وفوّض إليه إتمام مشروعه الكبير ((سيرة النبي ﷺ))، كما عهد إليه بنظارة ((دار المصنفين)) التي أسسها، فنهض بالمهمة خير قيام، وأكمل السلسلة في صورة علمية رفيعة، وتولى كذلك تحرير مجلة ((المعارف))، منصرفا إلى التأليف والتحقيق، متفانيا في خدمة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
وقد اتسعت آفاقه العلمية بأسفاره إلى لندن وباريس والقاهرة وأفغانستان، كما اختير نائبا لرئيس مؤتمر العالم الإسلامي الذي دعا إليه الملك عبد العزيز سنة ١٣٤٤هـ، فكان له حضور بارز في محافل الفكر الإسلامي.
واستدعاه ملك أفغانستان ليستفيد من خبرته، فسافر مع الدكتور العلامة محمد إقبال والسيد راس مسعود، فحظي بتكريم كبير، ونال تقدير الأوساط العلمية، حتى منحته جامعة عليكره الإسلامية شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب.
ثم تولى في إمارة بهوبال رئاسة القضاء، ورئاسة الجامعة الأحمدية، والإشراف على الشؤون الدينية، فأحسن الإدارة وأجاد القيادة. وبعد تقسيم الهند، لبى نداء باكستان سنة ١٣٦٩هـ، وأسهم في وضع الأسس الفكرية للدستور الإسلامي للدولة الناشئة، كما اختير عضوا مراسلا في مجمع فؤاد الأول بمصر سنة ١٣٧١هـ.
وفي غُرّة ربيع الآخر سنة ١٣٧٣هـ، أسلم الروح في كراتشي، وشيعه جمع غفير من العلماء والأعيان ومحبي العلم، ودفن إلى جوار الشيخ شبير أحمد العثماني، تاركا وراءه تراثا علميا زاخرا.
وقد كان رحمه الله من المكثرين في التأليف، مع عمق في الفكرة، ودقة في التحليل، وتنوع في الموضوعات. قال عنه الشيخ أبو الحسن الندوي:
"كان راسخا في العلوم العربية وآدابها، دقيق النظر في علوم القرآن والتوحيد، غزير المادة في التاريخ والاجتماع، صاحب أسلوب أدبي رفيع في الأردية، وكاتبا بليغا في العربية".
ومن أبرز مؤلفاته:
تكملة ((سيرة النبي ﷺ)) في خمسة مجلدات، إتماما لمشروع أستاذه.
١- ((خطبات مدارس)) (المعروف بالعربية بـ ((الرسالة المحمدية)))، من أروع ما كتب في السيرة.
٢- ((أرض القرآن)) في جغرافية القرآن.
٣- ((سيرة عائشة)) رضي الله عنها
٤- ((سيرة الإمام مالك))
٥- ((حياة شبلي))
٦- ((نقوش سليمان)) و((خيام))، وغيرها من المصنفات القيمة.
وهكذا ظل سليمان الندوي علما شامخا من أعلام النهضة الإسلامية، جمع بين الأصالة والمعاصرة، وأفنى عمره في خدمة العلم، فاستحق أن يخلد ذكره في سِجلّ الخالدين.
_______________
