الحوارات بين زعماء فارس والصحابة الكرام رضي الله عنهم

تفهيم الآثار

بقلم: أ. د / محمد عمار خان ناصر

ترجمة إلى العربية: عثمان فاروق

(نقلاً عن كتاب المؤلّف "تفهيم الآثار")

(الحلقة الرابعة)

(5)

عن ابن الرُّفَيل، عن أبيه، قال: رأى رُستم بالدَّير أن ملكا جاء حتى دخل عسكر فارس فختم السلاح أجمع. عن سيف، عن محمد وأصحابه، وشاركهم النضر بإسناده، قالوا: فلما نزل رُستم النجف عادت عليه الرؤيا، فرأى ذلك الملك ومعه النبي صلى الله عليه وسلم وعمر رضي الله عنه، فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه، ثم دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه، فأصبح رُستم فازداد حزنا، فلمّا رأى الرفيل ذلك رغب في الإسلام، فكانت داعيته إلى الإسلام. [5]

الشرح والتوضيح :

إنّ جمع أسلحة الجند وختمها في لغة الرؤى يفصح عن أفول القوة العسكرية وانقضاء سلطانها، كما أنّ ضمّ السلاح ثم تسليمه إلى يد أخرى يومئ إلى انتقال الملك من أهله إلى غيرهم، وكأن الدولة قد سلبت أسباب بقائها ودفعت مقاليدها إلى وارث جديد.

وأما تعيين الشخصين اللذين بدوا في صحبة الملك في تلك الرؤيا على أنهما النبي صلى الله عليه وسلم وسيدنا عمر رضي الله عنه، فليس إلا من قبيل استنباط الراوي رُفيل واجتهاده، إذ الظاهر أنّ رُستم لم يكن على معرفة بهاتين الشخصيتين الجليلتين.

ولعلّه وصف ملامحهما وهيئتهما، ثم لما شرح الله صدر رُفيل للإسلام، أخذ يسأل المسلمين ويستفصلهم، حتى انتهى إلى تعيينهما بهذه المعرفة التي اكتسبها بعد إسلامه.

ويجوز أيضاً أن يكون قد بلغ هذا التعيين بطريق التأويل، فاستقرأ دلالة الرؤيا، فرأى أن تسليم سلاح أهل فارس إلى رجل، ثم انتقاله منه إلى آخر، لا يُفهم في سياق الوقائع إلا على أنه إشارة على الترتيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إلى سيدنا عمر رضي الله عنه.

التخريج واختلاف الطرق:

رُوي هذا الخبر بألفاظ متقاربة مع شيء من الاختلاف عند الكلاعي[6] حيث نقله عن رُفيل.

(6)

عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لما أبى الملك إلا السير كتب رستم إلى أخيه وإلى رءوس أهل بلادهم: من رُستم إلى البِنْدُوَان، مَرْزُبَان الباب وسهم أهل فارس، الذي كان يعد لكل عظيمة، فيفضّ الله به كل جند عظيم شديد، ويفتح به كل حصن حصين، ومن قبله من عظماء أهل فارس والمَرازِبة والأَساوِرة، فرموا حصونكم، وأعدوا واستعدوا، فكأنكم بالعرب هذه الأمة الذليلة كانت عندكم الخسيسة المنزلة الضيقة المعيشة قد وردوا بلادكم، وقارعوكم عن أرضكم وأبنائكم، وقد كان من رأيي مدافعتهم ومطاولتهم حتى تعود سعودهم نحوسا، فأبى الملك …

عن سيف، عن الصلت بن بهرام، عن رجل، أنّ يَزْدجِرْد لما أمر رُستم بالخروج من ساباط كتب إلى أخيه بنحو من الكتاب الأول، وزاد فيه: فإنّ السّمكة قد كدرت الماء، وإن النعائم قد حسنت، وحسنت الزهرة، واعتدل الميزان، وذهب بهرام، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا، ويستولون على ما يلينا، وإنّ أشدّ ما رأيت أنّ الملك قال: لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم أنا بنفسي، فأنا سائر إليهم.[7]

الشرح اللغوي:

١- مَرْزُبان: لقب في نظام الدولة الساسانية يطلق على حاكم الأقاليم الحدودية وحارسها، وجمعه كلمة ’مرازبة‘.

٢- الأساورة : جمع ’إسوار‘ أو ’أسوار‘، وهو لقب كان يطلق في الجيش الفارسي على فرسان الخيل من المقاتلين.

٣- السَّمْكَة: معناها اللغوي ’الحوت‘، والمراد بها هنا برج الحوت (Pisces)، حيث تبدو نجومه على هيئة سمكة.

٤- النَّعَائِم: جمع كلمة ’نعامة‘، وهي طائر معروف، والمراد بها هنا منازل من منازل القمر، تظهر نجومها كأنها أرجل النعام لطولها.

٥- الزُّهْرَةُ: اسم لكوكب من كواكب المجموعة الشمسية، وهو كوكب الزهرة (Venus).

٦- المِيْزانُ: برج الميزان (Libra)، وتبدو نجومه على هيئة ميزان.

٧- بَهْرَامُ: اسم يطلق على كوكب المريخ (Mars)، وهو الكوكب الرابع في المجموعة الشمسية.

٨- رُمُّوا: من كلمة ’رم‘ وهو إصلاح الشيء المكسور، فقوله "رُمّوا حصونكم" أي أصلحوا قلاعكم ورمموا ما فيها من خلل لتكون أكثر منعة.

٩- قَارَعُوْكُمْ: من كلمة ’القرع‘ وهو الضرب بشدة، والمقارعة هي المدافعة والمواجهة في القتال، ومعنى "قارعوكم عن أرضكم وأبنائكم" أي يقاتلونكم ليستلبوا أرضكم ويحرموكم أبناءكم.

الشرح والتوضيح:

كان رُستم، على ما تنقله روايات الفرس، مولعًا بعلم النجوم ومتابعة دلالاته، ولذلك أشار في كتابه إلى مواقع بعض الأبراج والكواكب، كـ بُرج الحوت وبُرج الميزان وسائر الأجرام، مستأنسًا بما تدل عليه حركتها في زعمه. وقد رأى في تلك الأوضاع الفلكية علامة على أن الظرف لم يكن ملائمًا لأهل فارس من الناحية الحربية.

وقد سبق ذلك وقوع جملة من الحوادث التي عُدّت نذائر شؤم في مجلس يزدجرد، كما أن رستم نفسه كان قد رأى رؤى حملت في طياتها إشارات قريبة من هذا المعنى. وبناء على مجموع هذه القرائن، كان ميله الشخصي يتجه إلى تجنب المواجهة مع العرب ومحاولة دفعهم بالمطاولة والمماطلة، لا إلى المبادرة بالقتال. غير أن إلحاح يَزْدجِرْد وإصراره حملاه على الخروج بجيشه، فاضطر إلى المسير لملاقاة المسلمين.

التخريج واختلاف الطرق:

وقد رُوى هذا الخبر سيف بن عمر، ونقله عنه الكلاعي أيضًا [8]، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ، وزيادة بعض الجُمل. والجُمل التي وردت بين قوسين في النص العربي مأخوذة من رواية الكلاعي.

(يتبع...)

ـــــــــــــــــــــــــ

الحوارات بين زعماء فارس والصحابة الكرام رضي الله عنهم - الإشراق العربي - مايو 2026 - أفكار - أفكار