صاغه بالعربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
(الحلقة السابعة)
سفينة نوح التاريخية
لقد صُنعت سفينة نوح من الخشب، ولو بقيت في مكانٍ مكشوف لَما صمدت طويلًا ولَما لبثت أن بَلِيَت وزالت. غير أنّ منطقة الجودي منطقة قارسة البرد، وبعد أن رست السفينة هناك استمر تساقط الثلوج بشكل متواصل.
ونتيجة لذلك تراكمت طبقة سميكة من الجليد فوق السفينة، فغمرتها وحفظتها من عوامل التآكل والبلاء. وهنا جرى قانون من قوانين الطبيعة يُسمّيه علم الأرض بعملية "التتحجر" (fossilization)، المشتقّة من كلمة "fossil" أي المستحاثة. هذا القانون يقضي بأن أي جسم يُدفن تحت الأرض لفترة طويلة يخضع لعمليات كيميائية تدريجية تحوّله من طبيعته الأصلية إلى ما يشبه الصخر، مع احتفاظه بهيئته الأصلية. وتستغرق هذه العملية في حدود ألف سنة تقريبًا، وبعد اكتمالها يصبح الجسم صلبًا كالحجر وقابلًا للبقاء إلى الأبد.
لقد شاء الله تعالى أن يحفظ سفينة نوح وفق خطته. فالطوفان آنذاك اجتاح مساحة واسعة، من منطقة دجلة والفرات (العراق) إلى الحدود الشرقية لتركيا. وكانت السفينة تطفو فوق ذلك الطوفان حتى ساقها أمر الله إلى قمّة جبل الجودي. وهناك، وعلى مدى قرون طويلة، جرت عملية التتحجر حتى تحوّلت السفينة بأكملها إلى مستحاثة (fossil) محفوظة.
الشهادة التاريخية على الخطة الإلهية
لقد بقيت سفينة نوح عليه السلام آلاف السنين محفوظة تحت الجليد. وبحسب قانون الطبيعة، تحولت السفينة بكاملها إلى ما يشبه الحفرية (fossil) مستحاثة ،ثم جاء أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدأ عصر الاحتباس الحراري (global warming). ونتيجة لذلك أخذت الكتل الجليدية الضخمة المتراكمة على قمم الجبال تذوب شيئاً فشيئاً. وفي النهاية ذاب معظم الجليد وتحول إلى مياه جرت نحو البحار، وبعد ذلك ظهرت السفينة التي كانت مغطاة بالجليد إلى العيان.
والمقصود بـ الدابة التي جاءت في نصوص القرآن والحديث هو سفينة نوح نفسها. وفي هذا السياق وردت رواية حديثية بعبارة ذات دلالة بليغة جاء فيها: "أوّل ما يبدوا منها رأسها" (التفسير المظهري 7 /133). أي أن الدابة حين تظهر فإن أول ما يظهر منها رأسها. وهذا في الحقيقة تصوير تمثيلي دقيق للغاية للواقع الذي جرى مع سفينة نوح. إذ لما بدأ الجليد يذوب انكشف أولاً الجزء العلوي من السفينة، ثم ظهرت بعد ذلك كاملة بالتدريج.
وإذا تأملنا في قصة السفينة وجدنا أن الأمر كله يبدو كأنه خطة إلهية محكمة:
1- إهلاك قوم نوح بطوفان عظيم.
2- سير سفينة نوح في اتجاه محدد حتى استقرّت على جبل الجودي.
3- ثم اندفنت تحت الجليد وحُفظت بعملية التحجر (fossilization) قروناً طويلة.
4- ثم ظهرت نتيجة ذوبان الجليد بسبب الاحتباس الحراري.
5- ثم جاء القرن العشرون، حيث أتاح اختراع المطبعة ووسائل الاتصال الحديثة والسياحة العالمية وغيرها من الوسائل أن تُتخذ سفينة نوح نقطةَ مرجعية في تاريخ الأنبياء، وأن تُستثمر هذه الفرصة لنشر دعوة الأنبياء إلى العالم كله.
وهذه هي الحقيقة التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (هود: 41)
الأدلّة الجيولوجية
لقد أُجريت في العصر الحديث أبحاث واسعة في مجال علم الجيولوجيا. ومن نتائج هذه الأبحاث أنّه قد تبيّن وجود فيضان ضخم جدًا وقع قبل آلاف السنين في المنطقة الواقعة بين العراق وتركيا. كان هذا الفيضان بالغ القوة حتى إنّه دمّر العمران البشري في تلك الحقبة تدميرًا كاملًا. وقد نُشرت حول هذا الموضوع دراسات كثيرة، ومن أهمّها كتاب صدر بالإسم الآتي:
Noah's Flood: The New Scientific Discoveries About the Event that Changed History By William Ryan and Walter Pitman Simon & Schuster, USA, 1999, 320 pages.
ومن خلال هذه الأبحاث تبيّن علميًّا أنّ طوفانًا عظيمًا قد حدث فعلًا في الأزمنة السحيقة. لكن الباحثين بسبب نزعتهم العلمانية (secular) يذهبون إلى أنّ القصّة الواردة عن نوح عليه السلام في الكتاب المقدس وكذلك في التقاليد الدينية المختلفة ليست إلا صياغة أسطورية لاحقة (mythicization) مستعارة من هذا الحدث التاريخي. غير أنّ التفسير الأصح هو أنّ هذه الاكتشافات الجيولوجية ما هي إلا تصديق تاريخي لذلك الطوفان العظيم الذي تحدّثت عنه التوراة والقرآن منذ البداية.
والواقع أنّه في زمن نزول التوراة والقرآن لم يكن هناك أيّ معرفة تاريخية موثوقة عن طوفان نوح. لكن القرآن صرّح بشيء إضافي لم يذكره الكتاب المقدس، وهو أنّ سفينة نوح ستظهر في المستقبل لتكون دليلًا تاريخيًا على قصته:
﴿وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 15)
وعليه، فالأجدر أن تُفهم نتائج الأبحاث الجيولوجية على أنّها تصديق تاريخي لما ورد في التوراة والقرآن، لا العكس كما يدّعي بعض الباحثين بأنّ الناس قديماً اخترعوا أسطورة عن الطوفان استنادًا إلى هذا الحدث الطبيعي.
واكتشاف آثار بشرية تحت سطح البحر الأسود يؤيّد نظريتنا هذه.
فقد نشرت جامعة كولومبيا (بنيويورك) خبرًا علميًا أعدّته سوزان تريمل حول الاكتشافات الميدانية التي قام بها العالمان الجيولوجيان ويليام ب. إف. رايان ووالتر سي. بيتمان الثالث. فقد أثارت أبحاثهما في منتصف التسعينات اهتمامًا واسعًا في الأوساط العلمية، إذ دلّت الأدلة الجيولوجية والمناخية على أنّ فيضانًا كارثيًا وقع قبل نحو 7600 سنة دمّر حضارة قديمة، وهذه الحضارة كانت قد لعبت دورًا محوريًا في نشر الزراعة الأولى إلى أوروبا وأجزاء واسعة من آسيا.
وفي يوم الأربعاء (13 سبتمبر 2000) أعلنت الجمعية الجغرافية الوطنية (National Geographic Society) عن أدلة مذهلة تؤيّد نظرية رايان وبيتمان، حيث تمّ العثور على آثار محفوظة جيدًا من مستوطنات بشرية على عمق يزيد على 300 قدم تحت سطح البحر الأسود وعلى بُعد 12 ميلًا من السواحل التركية.
قال الدكتور رايان من مكتبه في مرصد "لامونت-دوهرتي" للأرض التابع لجامعة كولومبيا:
"إنّه تأكيد مذهل لأطروحتنا. الأمر مدهش حقًا، وسيساهم في إعادة كتابة تاريخ الحضارات القديمة، لأنّه يثبت بلا لبس أنّ فيضان البحر الأسود قد وقع بالفعل، وأن شواطئه القديمة كانت مأهولة بالبشر".
وقد ألهمت هذه الاكتشافات إعادة النظر في دور المناخ في التاريخ البشري. ففي أبحاثهما المنشورة عام 1996، افترض العالمان أنّ الفيضان العنيف والسريع ألقى بظلاله الطويلة على الثقافات اللاحقة حتى صار مصدر إلهام لقصة نوح الواردة في الكتاب المقدس.
وفي كتابهما المشترك الصادر عام 1999 بعنوان:
Noah's Flood: The New Scientific Discoveries About the Event That Changed History.
جادلا بأنّ مضيق البوسفور، الذي كان يعمل كسد طبيعي بين البحر المتوسط والبحر الأسود، قد انفتح حين تسبّب الاحترار المناخي في نهاية العصر الجليدي الأخير بذوبان الأغطية الجليدية وارتفاع مستوى البحار. ومع قوة مائية تعادل أكثر من 200 ضعف لقوة شلالات نياجارا، اندفعت المياه لتغمر البحر الأسود (الذي كان حينها بحيرة كبيرة) بسرعة، رافعةً منسوبه نحو ست بوصات يوميًا ومغطّيةً مساحة تقارب 600,000 كيلومتر مربع في أقل من عام واحد.
وجاء في earth.columbia.edu مامفهومه:
"أعلن عضوان من فريق البحث الذي يزعم أنه عثر على سفينة نوح فوق جبل أرارات في تركيا، ردًّا على المشككين، أنه لا يوجد تفسير معقول لما وجدوه سوى أنه السفينة الأسطورية المذكورة في الكتاب المقدس، التي نجت من الطوفان الذي استمر أربعين يومًا وأربعين ليلة وغمر الأرض كلها.
وقد عقدت مؤسسة "خدمة سفينة نوح الدولية" (Noah’s Ark Ministries International) مؤتمرًا صحفيًا في 25 أبريل 2010 في هونغ كونغ لعرض نتائجها، وأكدت أنها "متأكدة بنسبة 99.9 في المئة" أن البنية الخشبية التي عُثر عليها على ارتفاع 12 ألف قدم، والتي يُقدَّر عمرها بنحو 4800 سنة، هي سفينة نوح.
تُعدّ هذه المؤسسة فرعًا من شركة "الإعلام التبشيري المحدودة" (Media Evangelism Limited)، وهي شركة مقرها هونغ كونغ تأسست عام 1989 لإنتاج مواد متعددة الوسائط لأغراض الدعوة الدينية. وقالت كلارا وي، وهي إحدى أعضاء الفريق: "ليس لدينا ما نخفيه"، موضحةً أن ألواحًا خشبية ضخمة يبلغ طول بعضها نحو 20 مترًا وُجدت في غرف وممرات خشبية مدفونة في الجليد على قمة جبل أرارات في شرق تركيا. وأضافت أن الناس لا يستطيعون نقل مثل هذا الخشب الثقيل إلى ذلك الارتفاع، كما أن المركبات لا يمكنها الوصول إلى تلك المنطقة النائية من الجبل.
(يُتبع...)
ـــــــــــــــــــــــــ
